ومثلما قدموا لنا عالما مثاليا أو هو ينزع إلى الكمال، قدموا عالما مشوها هجينا، فتحذلقوا في لغتهم وتظرفوا في كلامهم، حتى كانت القصيدة عندهم أحيانا، أمس بالنثر والخطبة منها بالشعر.
وربما لا مسوغ لذلك، سوى أن حفظ الشعر من غواشي العصر وغِيَرِهِ العابرة، كان عندهم من حفظ الذات، على تعدد هذا الحفظ وتنوع طرقه، وأن تخليده في رحب آفاقه وبعيد آماده، هو من تخليد النوع، على اختلاف سبله وألوانه. وقد لا يكون هذا بالمستغرب في ثقافة «شفهية» كثقافة العرب في طورها الجاهلي، أو ما «قبل الكتابي»، كان فيها التاريخ قصصا للحروب والغزوات، ومعرضا لحوادث الماضي هذا الغامض الذي لا ينضب غموضه، وليس تاريخ وعي يتخير موضوعاته، ويشحذ أدواتها الكتابية، ولا هو كان «علما» يشتمل على تصورات كلية يستطيع بها أن يتحكم في الخاص التاريخي أو هو يعيد تفسيره وتأويله. فكانت القصيدة ذات بنية سردية استطرادية، تقوم على صيغ ورواسم مكرورة، من شأنها أن تحفظ المعرفة، وتخزنها في الذاكرة، وتؤمن ذيوعها وتداولها. بل إن هذا الشعر، على شفويته، ولم تكن شفوية خالصة، يحتفظ بنمطية كتابية، وينقلنا من ذاكرة إلى صورة مكتوبة، حتى وهي تصاغ في هيئة تجعلها قابلة للحفظ والاستظهار والاستعادة، وهو الذي نهض بالعربية، على قدر ما نهضت به. وفيه وبه تشكلت لغة فنية مخصوصة، أتاحت للمفردة أن تنتقل من محدود اللهجة إلى نظام اللغة المكتوبة الأرحب، عندما أظل التدوين، وشمل اللغة في ما شمل من علوم العرب وفنونهم وآدابهم. ولا نظن أن هناك من ينكر أن الفصحى تدين للشعر بالكثير من قواعدها وقوانينها وسننها ولطائفها، مثلما تدين له الثقافة بالكثير من أنظمتها الرمزية. حتى إذا سلمته الذاكرة إلى زمان الكتابة، وانتسخت صورة الشاعر من ظل لقوى أسطورية مرهوبة تسيطر على الوجود، وتتحكم فيه، إلى صورة المنشئ أو الصانع الماهر، وتدرج المجتمع من ثقافة شفهية في الأعم الأغلب، إلى ثقافة كتابية ـ وقد مرت على ذلك أجيال متطاولة ـ حد العرب الشعر بحدود الصناعة التي ينضوي إليها، ولم يجعلوه غريما للشرع، بل كان عندهم شاهدا لفصاحة القرآن وبلاغته، ومسوغا لغريبه ومجازه و»إعجازه» وشتى قراءاته، حتى أن أبا الحسن الماوردي يُخرج مبالغات الشعراء من تلبيس الكذب، ويردها إلى خصائص الشعر والاقتدار على صنعته، لأن ما استحسن في الصنعة، لا يُستقبح ضرورة في العقل أو الشرع، بل إن الإمام الغزالي يعد اللذة العقلية كلذة العلم والحكمة أشرف اللذات وأكملها. 
وكان الشعر عند العرب علما وحكمة، منذ أن أدار النص القرآني فعل «علم» في أكثر من آية وسورة، لينفي شبهة الشعر عن النبي، من جهة، وليقيم حدا فاصلا بين الكلام «المعجز» والكلام الشعري الذي يُكتسب بالعلم والدربة والمِراس، من جهة أخرى.
إن العلاقة بين الشعر والعلم، قديمة في تراثنا، على الرغم من أن كلمة «علم» محفوفة في هذا التراث بغموض غير يسير، فقد تعني اليقين ومعرفة الدين، وعدم اتباع الظن، والسيرَ على الهوى، وقد تعني المعرفة بإطلاق القول، أو استخراج المعاني من المحسوسات وتجريدها في الذهن أمورا كلية عامة، أو البحث في خواص الأشياء وطبائعها، أي تلك التي يتقرر اليقين بها من الحس والعقل والمشاهدة والتواتر، وقد تعني الخطاب التعليلي المرتهن بمقدماته وحسن استدلاله، أو ما نسميه المعرفة البرهانية، إذ ظلت فكرة العلة عند القدماء ـ على ما يبدو ـ صنوا ملازما لفكرة العلم، وظل العلم صنوا للعقل، من حيث هو حساب وضبط وقياس وتوازن وتناسب… فلم يكن المقصود بالعلم الاصطلاح الحديث المرتكز على وعي العلم بذاته، من حيث هو مجموع المعارف والدراسات القيمية التي تتأسس على القواعد، وتنبذ الأحادية والإطلاقية، وتخرج «الحقيقة» من نسقيتها، لتجعلها تابعة للنسق.
لنقل إذن إنها علاقة قديمة، وإن اعتراها الغموض واللبس. وعلى أُس منها تحررت المقالة المأثورة «الشعر ديوان العرب وعلمهم الذي ليس لهم علم أصح منه». والحق أن كلمة شعر نفسها لم تسلم هي أيضا من الغموض ولا برئت منه. وقد كان الشعر يُقرن بأجواء الغيب والإلهام والوحي والتوقيف، مثلما كان يُقرن بمفهوم الخلق والصنعة والنظم والمحاكاة وضوابط الوزن والقافية والمعنى واللفظ، وما إلى ذلك مما هو ذائع مبذول في المدونتين النقدية والفلسفية، بل في مصنفات الإعجاز كما هو الشأن عند الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني.
نقول هذا لأننا ندعو إلى إعادة الاعتبار إلى هذه العلاقة بين الشعر والعلم، والمسوغ لذلك عصرنا الذي نعيشه ونعيش فيه. وليس أوضح من صفات عصرنا، ولا أظهر من خصائصه كالنزعة العلمية، وشدة الإقبال على العلم بشتى كشوفه واختراعاته الحديثة. وقد استشعر الشعراء والكتاب والفنانون، شأنهم شأن العلماء هذا التغيير، وربما أبدى بعضهم ضروبا من التحفظ والإشفاق على مصير الفن عامة والشعر خاصة. وربما ذهب في ظنهم أن مصيرهما إلى تلاش وزوال. والخوف على الفن أو الخوف منه، قديم في الثقافة الإنسانية، وقد أثار منذ سالف العصور غير قليل من الشك، وغير قليل من القلق، منذ أو وضع أرسطو أساس فلسفة الجمال وأصول النقد. وكان أفلاطون ارتاب قبله في قيمة التجربة الجمالية، وطَعَنَ على الشعر التمثيلي، لأسباب تتصل بالمسألة التي استغرقته في «الجمهورية»، وهي كيفية إعداد القادة في المدينة الفاضلة. وربما لأسباب أخرى، فلعل أفلاطون أخرج الشعراء من جمهوريته، لأنه وجد نفسه في عالم كتابي جديد ـ وإن لم يكن يعيه الوعي كله ـ كما يقول المعاصرون، في حين أن شعر هوميروس وغيره كان يأخذ برواسم وصيغ شفهية، هي في منظور أفلاطون من القديم الضار، على الرغم من أنه يسوق في «فيدروس» و»الرسالة السابعة»، على لسان سقراط، تحفظات مثيرة، على الكتابة من حيث هي طريقة آلية في حفظ المعرفة، ونص صامت وتغريب لوضع طبيعي، إذ تُضعف الذاكرة، وتؤسس خارج العقل ما لا يمكن إلا أن ينشأ داخله. على أن خوف أفلاطون من صنف من الشعر، مهما تكنْ دوافعه وأسبابه، قد لا يعادله من جادة أخرى مقابلة، إلا خوف أحد نقادنا الأفذاذ على الشعر. فالأندلسي التونسي حازم القرطاجني إنما وضع مصنفه «منهاج البلغاء وسراج الأدباء»، وقد راعه حال الشعر وأفوله في عصره. يقول حازم: «الاستعداد الذي يكون بأن يُعتقد فضلُ قول الشاعر وصَدْعُهُ بالحكمة… معدومٌ بالجملة في هذا الزمان، بل كثير من أنذال العالم… يعتقد أن الشعر نقص وسفاهة… فانظر إلى تفاوت ما بين الحالين: حال كان يُنزل الشاعر فيها منزلة أشرف العالم وأفضلهم، وحال صار يُنزل فيها منزلة أخس العالم وأنقصهم.»
وفي القرن الماضي كان البعض يتساءل ما إذا كانت كلمة المذياع المسموعة ستغني عن الكلمة المطبوعة، وما إذا كان تقدم السينما سينال من الإقبال على قراءة الأدب، فإذا الأدب يُغنِي الإذاعة، وإذا السينما تنهل منه موضوعاتها وقضاياها. ولم يكن الاعتراض على الشعر في عصر العلم، إلا صورة من اعتراضات أخرى، أبداها الناس كلما استشعروا انقلابا في نمط حياتهم، وخروجا عن مألوف مداراتها. فقد اعترضوا على الكتابة، ثم على الطباعة أول حُدْثانها، ثم اليوم على الثقافة الإلكترونية القائمة على الكتابة والطباعة معا.. بل ربما اعترضوا على العلم والتكنولوجيا نفسيْهما. ولقد ذهب هذا كله، وطواه النسيان، فالعالم في حركة دائبة، من دون أن يستتبع ذلك فتورُ رغبة في الفنون بما فيها الشعر، حتى إن تجافى بعضها عن الحياة، وأمعن في الإغراب والتجريب. 
ذلك أن الخوف على الشعر يضمر حرصا على هذا الفن النبيل، وهو في ثقافتنا ملتقى الحق الفني والحق التاريخي، وصلته بالحياة أوثق وأغنى من أن يتهددها العلم، أو ينال منها. وهو الذي نما حيث استمكنت الحضارة والثقافة، مثلما نما في أزمنة الثورات والانقلابات العاصفة. وحسبنا بعصرنا الذي احتشد فيه من كبار الشعراء الفنانين والعلماء، ما لم يحتشد في عصر سابق.

 

منصف الوهايبي*

 
 

٭ كاتب تونسي