ينتمي خليل إلى دوحتين، دوحة البساتنة ودوحة السراكسة. جدّ أبيه لوالدته هو بطرس البستاني (1819- 1883). جدّه هو خليل خطار سركيس (1842 - 1915) الذي أنشأ جريدة "لسان الحال" البيروتية في العام 1877، وكانت أول منبر صحافي يطالب بالإصلاح الدستوري بعد تعليق الدستور العثماني. تابع خليل مسيرة جدّه ووالده الصحافية، فتولى رئاسة تحرير "الجريدة" بين 1942 و1959 وكان صاحب كتابة أدبية هي فريدة ذاتها، وصاحب قلم صحافي هو معيارُ صحافةٍ بامتياز. كان موصولاً بـ"الندوة اللبنانية" (1946-1975) التي اضطلعت ومؤسسها ميشال أسمر بدور مركزي، طليعي، في الثقافة اللبنانية خلال عقود متوالية.

أعماله تنبئ به وعنه: "من لا شيء"، "أيام السماء"، "وصية في كتاب"، "أرضنا الجديدة"، "مصير"، "جعيتا"، "بعلبك"، "الهواجس الأقلية"، "زمن البراكي"، "بعل بك"، "زواج مدني"، "أسير الفراغ"، "لبنان"... واهتمت "دار الجديد" بإعادة إصدارها، ونشر الجديد منها.

لقد شغلتني هذه الأعمال، مثلما شغلني الشخص. بل أنا منشغلٌ منذ البداية بلغة خليل رامز سركيس، وبوطنه، وبالمطلقات التي آمن بها، ودعا إليها. حتى لأكاد أقول إن تنزيه اللغة لديه لا ينفصل عن تنزيه الوطن. سأدرس هذه اللغة باعتبارها لغةً ووطناً في الآن نفسه. فما هي هذه اللغة لديه؟ ومن أيّ منطلقٍ أرى إليها؟ وكيف تتجلى في كتاباته؟ وأخيراً كيف هي منخرطة من الأساس في هجسٍ واحدٍ أحدٍ عنده، لا فكاك منه، هو الهجس بالمطلق، أكان مطلق اللغة، أم مطلق لبنان، أم المطلق الإلهي، أم المطلق مطلقاً؟ 

لا يقارب خليل اللغة، من كونها أداة. وإذ لا يمكنه أن يتعاطاها كأداة، إلاّ افتراضاً، فهو يتعاطاها من كونها جوهراً وغاية. لغته هي قضيته، فليس من مهربٍ من إنعام التمرّس بها، كمن يتمرّس بترهيف ذاته. وليس من مهربٍ من الحلول فيها، كمَن يأتي إلى زيارة نفسه للإقامة فيها. 

من الأساس، اللغة هي المعنى، وهي الجسد الذي يمرّ به هذا المعنى. لكن الإمرار ليس عبوراً، بل تجلٍّ وإقامة حلولية. يتجلّى خليل في اللغة، ويقيم فيها. هو، في هذا التأويل، لا يعبر منها إلى موضعٍ آخر، أو إلى غايةٍ أخرى. علماً، أنْ لا بدّ من وجود غايةٍ هي المعنى. فكيف تكون اللغة هي المعنى، وكيف تكون تعبر إلى معنى؟ 

يندرج هذا السؤال اندراجاً فلسفياً، صوفياً، جسدانياً، حلولياً، في الآن نفسه. فكم يصعب إتيان هذه اللغة إتياناً استخدامياً متهاوناً. ليس من استخدامٍ أو تهاونٍ هنا، بل شغفٌ روحي، هو في الآن نفسه، شغفٌ جسديٌّ كامل، لا نقصان فيه. شغفٌ شهواني، متألّه، وليس ثمة بعدٌ بشريّ مؤنسَن في هذه الشهوة. كأنْ لا فارق في الزمن بين الشهوة والتأله. ليست اللغة عنده هيولى، بل جسد. لكنها الجسد الذي يصير قرباناً. حتى لأقول إن خليلاً يؤلّه اللغة. يعبر جسدها، فيقيم فيه، لينال روحها، ويجعل ذاته في ذاتها. فليس من وقتٍ زمني بين الجسد والروح. وإذ يفعل هذا الفعل، فإنما يصرّف مَلَكاته الجسمانية والقلبية والعقلية كلّها في اللغة. إلاّ أنه إذ ينتقل في اللغة، فإنما هي التي تنتقل فيه. فهو، إذ تستخدمه اللغة، وتتعاطاه، يكون هو الذي يستخدم هذه اللغة، ويتعاطاها، في آنٍ واحد. كلاهما عارفٌ أنْ لا بدّ من إمرار المعنى. وهما، معاً، يقبلان بذلك، ويغضّان الطرف عن التواطؤ الذي لا مفرّ منه. وعليه، فإن استخدامه لها، وتعاطيه إياها، لا ينجمان عن أنسنةٍ بشرية، أو عن استغلالٍ أو انتهازٍ مهين لها، بل عن تكريمٍ قدسيّ لامتناهٍ. تكريمه لها، يتجلّى باعتبارها جسداً متجوهراً في غاية. صحيحٌ أن اللغة سبيله إلى المعنى، لكنها في الآن نفسه، ليست هكذا البتة، إلاّ توهّماً. فهو لا يستخدمها. بل يستجديها. وإذ يستجديها، فبجموح المتعبّد العاشق المنحلّ تذوّباً في مادة عبادته وعشقه. 

على أن هذا الذوبان لا يكون بسبب الهشاشة التي في الذائب، بل بسبب العرفان. كلّ عرفانٍ لدى خليل، إن هو سوى تخلٍّ عن الذات إكراماً للموضوع. لكنه تخلٍّ يتحقق أيضاً داخل الذات. ذات العاشق، هي نفسها ذات المعشوق. 

ليس من هشاشةٍ البتة، في شخص الذائب. بل جبروت. فالذوبان ها هنا، يكون بسبب التمكّن الدؤوب، المسنون، المطرِّز، المتأنق، الآخذ بالمكوّنات والتفاصيل أخذاً مهيباً، لا هوادة فيه. ولا بدّ من تفهّمِ أن خليلاً لا يستريح في تعاطيه اللغة. فليس ثمة هدنة. بل إتيانٌ لا رجوع عنه، كعكوف العاشق على معشوقه. فالمشغول لا ينشغل إلاّ انشغالاً دائماً. وهذا لا يكون بجزءٍ أو نوعٍ دون سواه. هو انشغالٌ فحسب. ولا يكون إلاّ مستمراً وكاملاً حتى الحبر الأخير.

وعليه، فإن خليل الصحافي، هو نفسه خليل الأديب. وهو نفسه خليل اللغوي، المتفلسف، المتفكّر. لغته هناك، كأنها تنصنع لتكون هنا، وفي كلّ موضعٍ وجزءٍ ونوع. حتى ليظنّ القارئ أن الصحافة عنده ليست خبراً أو معلومةً فحسب، فهذه بديهة أولية، بل هي تفكّرٌ وتفلسفٌ وتأدّبٌ متأنقٌ، متعِب، ومضنٍ. وما يقال عن مقاربته للصحافة، يقال من بابٍ أولى عن مقارباته السياسية والمجتمعية والكينونية والفكرية والفلسفية.

هل أكون قليل الوفاء وكثير الادعاء إذا قلتُ إنكَ مرهِقٌ، يا خليل سركيس. بل أكثر: عدواني. وإرهابي. وأحياناً أكثر: مستبدّ.

سامِحْني يا خليل. أنا أتطاول عليكَ. كما يتطاول الإبن أحياناً على أبيه، بادعاءٍ مستهجَن. وليس هذا ما أبتغيه. لكنكَ أنتَ، إذ تطلب لنفسكَ العبء المطلق في تعاطي اللغة، فإنكَ لا تأبه، لا بذاتكَ، ولا باللغة، ولا بي أنا القارئ. 

هل أقول إنكَ مازوشيّ وساديّ، معاً وفي آنٍ واحد؟ 

سامحْني أيضاً يا خليل، لأنكَ أنتَ تستعبد قلمكَ، وتستعبد لغتكَ، وتستعبد هذا القارئَ الذي أنا، في الوقت الذي تستعبدكَ فيه هذه اللغة، أو في الوقت الذي تستعبد، أنتَ فيه اللغة. فمن قال لكَ، إن اللغة تريدكَ أن تظلّ تراودها هذه المراودة "الطبقية"، التي ليس فيها بعدٌ بشريّ مؤنسَن؟ والتي ليس فيها من حرية، أو مهرب، أو لجوء، أو تغيّب، أو شرود؟ من قال لكَ يا خليل، إن اللغة تهوى دائماً أن تكون لغةً؟ من قال لكَ إنها تريد دائماً أن تكون متأنقة؟ أو متجوهرة؟ أو متصنّعة؟ من قال لكَ إنها ملاك؟ أو إله؟ ثم، لنفترض معكَ أنها كذلك، فمن قال لكَ إن هذا الملاك - الإله ليس ضجِراً؟ من قال لكَ إنه لا يحبّ أن يكون أرضياً، بشرياً، أنسياً، جسدانياً، جنسانياً، ولِمَ لا عاهراً وفاسقاً؟ من قال لكَ إنه لا يحب أن يكون شيطاناً، أو مسخاً؟ من قال لكَ إن هذه اللغة لا تحبّ أن تتدروش؟ وأن تنسى ذاتها قليلاً؟ بل أيضاً أن تهرب من هذه الذات؟ وأن تتمرّد عليها؟ بل أن تنقلب على هذه الذات؟ بل أن لا تكون؟

من قال لكَ إنها مطلقٌ، وإنها حقيقة فحسب؟ 

لا تصدّقني يا خليل. بل سامِحْني. لعلّ مثل هذا التأويل لتعاطيكَ اللغة، أن يفضي إلى عبودية واستعباد. أهو، يا ترى، العبودية والاستعباد نفساهما؟! ليس بعيداً من التأويل العبودي هذا – وإن ربما على شطط-، أن يكون في الآن نفسه، عبادة. أو يفضي إلى عبادة. 

وهي، هذه العبادة، في طبيعة الحال، مطلق. والمطلق، هو حقيقة. إلى أن يأتي مَن يرشق هذه الحقيقة بالشوك، أو بالريبة، أو بالشيطنة، أو بالأنسنة البشرية، أو بالفسق، أو بالعهر، ليجعل من هذه الأوصاف بشراً، أو ملائكةً، أو آلهة.

ومن قال لكَ إن هذا الذي يرشق اللغة، في حضرتكَ، ويؤنسنها، ويجعلها بشراً، وربما يفسق بها، ويعهّرها، ليس هو نفسه الذي يؤلِّهها، ويعبدها؟

غادر خليل اللغة ليبقى فيها. وغادر الوطن ليصنعه. وإذا كنتُ ألقي ضوءاً متواضعاً على لغة خليل رامز سركيس وعلى وطنه، فلغاية أن أزهو بهما، وأن أمتدحهما. 

لكني، تبّاً لوقاحتي. فها أراني في الآن نفسه أهجو. وإذ أفعل ذلك، فليس على سبيل الفظاظة، بل لأنني في تعاطيَّ اللغة إياها، آخذها كفعلٍ نرجسي. والنرجس عبادة، والعبادة مرآة ذات ضمائر وخلفيات. وأنا أريد المرآة، وجوهها، ضمائرها، والخلفيات. 

فكم أردتُ للغتكَ يا خليل، من فرط تهيّبي أمامها، أن تكون، ولو حيناً، بشريةً في ألوهيتها، وأن تعاني الأمرّين بسببٍ من جلجلتَيها هاتين، جلجلجة البشر وجلجلة الألوهة.

وعليه، فليس من الحبّ، ولا من الاحترام والإجلال، ولا من الفروسية، ولا من النبل، ولا من الحرية، ولا أيضاً من الديموقراطية في شيء، أن أقسركَ أيها العَلَم الكبير على أمرٍ لا تطيقه، ولا تستمرئه ذاتكَ، ونظرتكَ الى ذاتكَ، وإلى ذات اللغة.

وعليه أيضاً وخصوصاً، أختم بكلامٍ مختصرٍ واحد: بالإنحناء لكَ، يا خليل. بالانحناء للغتكَ تأكيداً. ولن أنسى البتّة الانحناء لوطنكَ. وهو الوطن المطلق، المنزّه، وهو الأكثر من الأوطان. سلامي إلى روحكَ.

 

 

عقل عويط

النهار : ٢٨-٨-٢٠١٧