دين مقابل دين!

ليس بالمستغرب قطعاً، أن ينطوي ركون ماري زيادة إلى ميّ على دلالة نوعية مغايرة لتلك الدلالات الذاتية التي شُغِفتْ بها إبّان مراهقتها بخاصة. ماري زيادة، في مصر، وجدت نفسها في بلد أبناؤه متجانسون من حيث الهوية اللغوية العربية، لكنهم متباينو الهوية الدينية، البالغة النفاذ في صوغ جوهر الإنتماء آنذاك. فالأكثرية العددية في مصر، هم المسلمون، أمّا الأقلية فالمسيحيون الأقباط. وهذا، في بلد كان يرزح تحت الإحتلال البريطاني. لكنّ التيارات والتكتلات والنخب السياسية التي كانت تتطلّع للتخلّص من النير الكولونيالي لم تكن موحّدة الرؤية. فالزعيم الوطني مصطفى كامل الذي توفي في العام 1908 (أي بعد سنة على حلول آل زيادة في مصر)، كان متمسكاً بالرابطة العثمانية الإسلامية أساساً صلباً لبرنامجه التحرّري. قبله، كان جمال الدين الأفغاني، الذي أرسى في مصر تياراً فعّالاً بالفكر والسياسة وحتى بالتنظيم، يختزل الكولونيالية ومسألة التحرر منها، في معادلة تبسيطية عاصفة: إنها المسيحية، الصليبية مجدّداً إنما بنسخة أدهى، لا يقوى على مواجهتها وكسرها إلا الإسلام والمسلمون: دين مقابل دين!

في المقابل، برزت مجموعة من الكتّاب والمثقفين والقضاة والمحامين والسياسيين المصريين، الفرنكوفونيين، عاملين بدورهم على تحرير مصر. كان معظمهم من متخرّجي "المدارس العليا" المأثورة عن نظام التعليم الفرنسي، وبادروا الى تأسيس أوّل جامعة في القاهرة باسم "الجامعة المصرية"، في العام 1908. لم تكن الدولة هي التي أنشأتها بالطبع، بل نشأت أهلية من طريق اكتتاب مالي، كان في عداد المشاركين في إطلاقه ورعايته أحمد لطفي السيد، سعد زغلول، فتحي زغلول، على عبد الرازق، مصطفى عبد الرازق، حفني ناصف (والد الكاتبة المعروفة بـ"باحثة البادية")، عبد الستار الباسل، وقاسم أمين قُبيل وفاته.

 

في هذا المناخ العام، صدر العدد الأول من جريدة "المحروسة" في القاهرة في 11/1/1909 بإسم صاحبها ومديرها المسؤول الياس زيادة. وكانت ماري توقّع كتاباتها فيها طوال عامي 1909 و1910، تأليفاً وترجمة، بأسمائها التي خبت.

 

"حبّ ميّ الأكبر"

أمّا إسم ميّ فظهر، للمرة الأولى، في عدد "المحروسة" الصادر في 3 شباط 1911، في الصفحة الثانية، لا الأولى. وذلك ضمن إطار خاص بعنوان "خواطر"، أُلحِقتْ به، تعريفاَ، عبارة: "لحضرة الآنسة صاحبة الإمضاء (ميّ)". على هذه الصورة، وبهذا الإسم، باشرت ميّ حضورها الكتابي في "المحروسة": "... ذهبت إلى الجامعة المصرية وفي قلبي شيء من السرور[....]، ولم أجد في الجامعة أثناء المحاضرة أكثر من ستين سيدة بين سوريات ووطنيات». ثم كرّت سبحة خواطرها عن "علّة العصر والتربية"، و"السعادة" و"حملة الأقلام". في 6 تموز 1911 كان عنوان مقالها في "خواطر": "لا عدالة عندكم أيها الرجال. الإنصاف تأنّث".

التوقّف عند هذا التفصيل في شأن اسم ميّ ارتأيته ذا فائدة. فمن شأنه أن يبدّد التباساً شارك في تعميره الغالبية الساحقة من الكتّاب والدارسين الذين تطرقوا إلى ميّ. تجزم الراحلة والباحثة الجادّة سلمى الحفار الكزبري، في أكثر من مكان من مجلّد كتابها الأول، أن اسم ميّ ظهر في العام 1912 (وفي مكان آخر تقول بالعام 1913)، أي العام ذاته الذي دشّنتْ فيه ميّ تراسلها مع جبران خليل جبران. ألا ينطوي هذا على الإيحاء بأنّ تفتّح ميّ ورسوخها في حقل الكتابة إنما هو وثيق الصلة بعلاقة الحبّ الفريدة مع جبران، العابرة للقارات والمحيطات دونما أي لقاء؟ إنّه أمرٌ تبدأ منه، على ما أرى، الحكاية التي نسجت تلك الأسطورة، الجميلة الأخّاذة بحدّ ذاتها من غير ريب، لكنّ ميّ هي من دفع ثمنها الغالي: لم تُعرف، ولم تُعرَّف إلا بكونها مجرد ملحق بجبران، لا شخصية لها مستقلّة بذاتها.

أمّا الباحث جوزف زيدان، وفي مطلع الصفحة 17 من مقدمته اللافتة لكتابه الجديد "الأعمال المجهولة لميّ زيادة"، فيذهب إلى القول: "تأسيس ميّ صالونها الأدبي الذائع الصيت عام 1912". وهذا أمر يوحي أيضاً بارتباط شخصية ميّ وحيويتها الخلاّقة بجبران، الذي اعتبره زيدان في مقدمة كتابه "حبّ ميّ الأكبر".

افتتحت ميّ ندوتها الأدبية الأسبوعية، كل مساء ثلثاء، في العام 1913. أي بعد، وليس قبل، أن نقشت حضورها المدويّ في المهرجان التكريمي للشاعر خليل مطران، حينما اعتلت المنبر إلى جانب الخطباء الرجال، مكلَّفة إلقاء كلمة جبران. غير أنها لم تكتف بتلاوة نص "نزيل نيويورك"، على حدّ تعبيرها، بل ارتجلت تقول باسمها ما اعتبره طه حسين اللفتة الوحيدة التي استحكمت بإصغائه، واستثارت إعجابه بفرادة مضمونها، وبإلقائها الجذّاب. وكان هذا المهرجان أقيم في "سرايا الجامعة المصرية"، وليس في "دار الأوبرا" (كما ذكرت الكزبري في مجلّد كتابها الأول، ص 240). وهذا وفق ما ذكر رئيس تحرير "المحروسة" آنذاك، سيد علي، في مطلع مقاله على كامل الصفحة الأولى لـ"المحروسة" (العدد الصادر في 26 نيسان 1913). فهذا المكان يؤشِّر بذاته إلى قماشة تلك البيئة الثقافية، التي لم تكتف بتدبير ذلك التكريم واحتضانه، بل أخذت بيد المرأة لتوقفها، للمرة الأولى، خطيبة جنباً إلى جنب مع الرجال. إنه أمر لم يحصل من قبل، لا في مصر ولا في دنيا العرب قاطبة، آنذاك.

 

رفض الورقة التي تُليت

من على هذه الإطلالة الباهرة، انتقلت ميّ إلى ابتكار "ندوة الثلثاء»، في منزل عائلتها بالقاهرة، محفلاً أدبياً فكرياً، ثقافياً بعامة، أَمَّه وتناقش فيه، كما هو معروف، أبرز كتّاب تلك الحقبة من أدباء وشعراء ومفكرين وفلاسفة. وكان لسان حالهم جميعاً يلهج بما أفصح عنه الشاعر القاضي اسماعيل صبري:

إن لم أُمتِّع بميِّ ناظريَّ غداً أنكرْتُ صُبحَكَ يا يوم الثلاثاءِ 

بالتأكيد، اغتبطتْ ميّ بهذا البيت من الشعر. بيد أنها تيقّنتْ، على ما أحسب، من سلامة قرارها الذي اتخذته في 3 شباط 1911 باطِّراح ألف ماري ورائها. هي لم تكن بغافلة، بعد مرور أربع سنوات على إقامتها في مصر، عن طبيعة الأحزاب والتجمّعات والمنابر السياسية الفاعلة آنذاك. لقد عاينتْ كيف جرى إحياء ذكرى مرور أربعين يوماً، على وفاة قاسم أمين في العام 1908، باحتفالين متناقضين تماماً في القاهرة: احتفال تحدّث فيه كل من أحمد لطفي السيد، وحافظ ابرهيم الذي ألقى قصيدته الشهيرة "مَن لي بتربية النساء فإنها..."، وآخرون من دعاة تحرير المرأة. أمّا الإحتفال المعاكس، فكان للذمّ بقاسم أمين ورجم آرائه وأطروحاته بوجوب تحرّر المرأة. في مقدم المتحدّثين كان عبد العزيز الجاويش، رفيق مصطفى كامل، ورئيس تحرير جريدة "اللواء" وداعية ما سمّاه "البعث الإسلامي"، وتلميذ جمال الدين الأفغاني الأقرب إليه من محمد عبده.

عاينتْ ميّ كذلك – وفق ما كتبتْ في زاويتها "أصوات النساء" في جريدة "السياسة" الأسبوعية (1926) – حادثة مَنْع مَلَك حفني ناصف (باحثة البادية) من المشاركة في "المؤتمر الإسلامي" الذي كان انعقد في القاهرة في 1911، ورفض حضورها وورقتها ببنودها العشرة. وبعد أخذٍ وردّ وجدالات، لم يُسمح إلاّ بتلاوة ورقة "الباحثة"، إنَّما بلسان رجل. الحجّة في ذلك: "عدم جواز الخطابة للمرأة". ثم كان أن أجمع المؤتمرون على رفض الورقة التي تُليت. (يتبع)

 

سمير سعد

النهار: ١٨-٤-٢٠١٧