- السيرة الذاتية

- المكان المتغير

- السخرية

- العالم الهامشي

- الآخر

 

في هذا النوع من الروايات يصعب فصل المكان (كإحداثيات تعيش فيها وتتحرك عليها شخصيات الرواية) عن العالم الهامشي (بتفاصيل حياته، وعلاقته بالعالم ككل)، والسخرية (بكل ما تحمل من مرارة). وتغلب عناصر السيرة الذاتية على الرواية الجديدة في المهجر، لدرجة قد تتحول معها الرواية إلى رواية "سيرة ذاتية". هنا يكون الآخر عنصرا ملازما لكل تفاصيل عملية السرد. أي أن الآخر هو طرف الصراع الأساسي، إذ تأخذ العلاقة معه جملة من المنحنيات الحادة، والمنعطفات، والتوازيات، والصدامات، والتقاطعات.. وتصل أحيانا إلى التلاقي، وفي أحيان أخرى إلى القطيعة.

 

الرواية، بكلمة واحدة، هي الحياة. وبالتالي تخضع لكل عمليات التغيرات والتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بما تفرزه من مظاهر نفسية وتصرفات وسلوكيات اجتماعية. وفي كل حالة تأخذ الرواية الجديدة بالذات بناء مختلفا إلى حد العجز عن وضع أي منها تحت تصنيف أو مسمى نقدي محدد.

الرواية الجديدة التي تكتب في المهجر (إذا اصطلحنا على وجود ما يسمى بأدب المهجر) تختلف عن الرواية الكلاسيكية عموما، وعن الروايات التي كتبت في السابق، إذ تخلصت من البلاغة، والمفردات اللغوية التقليدية، والوصف.

الآخر في هذه الرواية متماهي، شئنا أم لم نشأ، مع الأنا التي تغرق أحيانا في ذاتها بنتيجة الغربة والاغتراب والتشظي في عالم محكوم بقوانين اجتماعية مغايرة، وأحيانا يستغرقها تيار السخرية فتلجأ إلى الهامشي سواء في مجتمعها الجديد أو في مجتمعها القديم لتحدث عملية مقارنة قاسية تشمل المكان وطريقة التفكير وأسلوب الحياة. وفي كثير من الأحيان ينقلب التماهي بين الأنا والآخر إلى عداء مستحكم بحكم ما تحملة الأنا من ميراث فكري وخبرات حياتية ناتجة من منظومة قوانين اجتماعية واقتصادية في مجتمعها القديم. وقد يحدث العداء بنتيجة تحولات لدى الآخر نفسه، لأنه في كل الأحوال لديه مشاكله وإشكالياته، وطريقة حياته ونظرته إلى نفسه وإلى الآخر (الأنا).

الرواية الجديدة في المهجر، هي رواية (الآنا والآخر) بشكل واضح وشفاف وخال تماما من الخلط. ولكنها في ذات الوقت تحمل مفردات جديدة تتمثل في نقطة أساسية، ألا وهي "إعادة قراءة الواقع": الواقع الذي جاءت منه (الأنا)، والواقع الذي تعيش فيه مع (الآخر) في الوقت الراهن. ولأن العالم أصبح قرية صغيرة تقنيا يتبادل (الأنا) و(الآخر) أماكنهما وأدوارهما فيها باستمرار وحيوية. وقد يدخل التراث لامحالة في عملية السرد (إعادة قراءة الواقع)، ولكنه يبقى عند حد السرد ولا يدخل إلى منطقة "إعادة التوظيف" بالمعنى التقليدي. ويبقى أمل الكاتب معلقا على ما يسمى بـ "القرينة الثقافية" للمتلقي/القارئ لكي يلمح العناصر التراثية بدون توظيف أو إعادة توظيف، أو يقوم هو (المتلقي) بإعادة توظيفها.

"إعادة قراءة الواقع" بعناصر وآليات جديدة هي أهم ما يميز الرواية المكتوبة بالعربية في المهجر. هنا تتشظى (الأنا) وتتوزع بين الماضي والحاضر لتعيد قراءة ليس فقط الأول والثاني، بل تنحو إلى قراءة العالم ككل بما ينطوي عليه من عمليات اجتماعية واقتصادية وسياسية وتاريخية ونفسية.

في العالم (القرية الصغيرة تقنيا)/الرواية الجديدة في المهجر (العالم الأوسع فنيا) يتنوع البناء الفني والشكل. وتصعب هنا عمليات التصنيف النقدي. غير أن العنصر الوحيد الذي يجمع بين هذه الروايات هو الحدة المتناهية والفضح الصاعق عن طريق الكلمات الخاطفة والمباشرة الخالية من الحذلقات اللغوية، والعبارات البسيطة صعبة التركيب، وكتل النص التي تبدو جامدة ولكنها تحمل في داخلها طاقة ذهنية وفنية هائلة. في هذا البناء "المدهش" تجري عملية السرد بأصوات متعددة، وتتوزع على أكثر من شخصية، بما في ذلك الراوي نفسه والذي قد يتدخل ليروي بلسان هذه الشخصية أو تلك. وتتفاوت هنا عملية الإتقان والقدرة على الحديث/السرد.

على الرغم من أن الرواية الجديدة في المهجر تنحو إلى شكل رواية "السيرة الذاتية"، إلا أن شخصية الراوي/البطل تبقى ضعيفة الملامح، أو محدودة الدور لا لضعف فني بقدر ما هو انعكاس لهشاشة الواقع (الحياة) وضعف الخيوط التي تربط الشخصيات ببعضها البعض. وبالتالي تكتسب عملية السرد نوعا من الدقة والتحديد، وفي الوقت نفسه اختلاط ملامح الشخصيات وتشتتها. هنا يظهر العالم على حقيقته في تلك الرواية. ونكتشف أن الآنا والآخر يدوران في حلقة مفرغة، يبحثان عن مخرج، يحاولان إلقاء المسؤولية على بعضهما البعض، يتبادلان الاتهامات التي غالبا ما تكون هي نفسها التي يوجهانها إلى بعضهما بالتناوب.

إن الحلقة المغلقة أو المفرغة التي يدور فيها الأنا والاخر في الحياة تجعل النص الروائي مفتوحا على مستوى البناء، ومستوى القراءات النقدية. وعندما يقترب أي منهما أو كلاهما من العثور على مخرج، نكتشف أنه دخل دائرة جديدة مغلقة تتبدل فيها الأدوار والمهام. ونفاجأ بمطلب بسيط ومعقد في آن واحد لتلك الرواية، ليس تغيير العالم، بل هدمه بالمعنى الفلسفي. ولكن لا بديل لأن الحالة ضبابية جدا رغم كل وسائل الرؤية المتقدمة.

إن البداية المفتوحة لمثل هذا النص الروائي، والنهاية المفتوحة أيضا، تحيلنا إلى معادلة صعبة ومعقدة ليس لها حل واحد. فالرواية تبدأ وكأن أحداثا ما تتواصل وتتوالى، وتنتهي بخروج أو دخول شخصيات إلى مكان ما.. وبين البداية المفتوحة والنهاية المفتوحة يمسك المتلقي بنص يشبه عدسة مختلفة تماما، صنعت خصيصا بإمكانيات جديدة لا ليرى من خلالها العالم، وإنما ليكتشف بها قوانينها الداخلية (قوانين صناعة هذه العدسة وطريقة عملها) من أجل إعادة قراءة العالم، أو هدمه. وبعد كل قراءة تبرز أسئلة كثيرة تكاد تفوق تساؤلات النص نفسه: ما هو البديل، وأين.. هنا أم (أو) هناك.. من هو هذا (الآخر).. ومن هو هذا (الأنا).. وما هي المسافة (الجغرافية والنفسية والفكرية) بين الاثنين، وهل هي فعلا جغرافية أم ...؟