ربما جاءت الدهشة من أن القارئ الروسي لا يعرف الصحفية الفائزة بجائزة نوبل من ضرورة أنه "من الضروري" أن يعرف القارئ بشكل عام أي كاتب يفوز بجائزة نوبل، وربما جاءت استنكارا من أن القارئ الروسي لم يعد يقرأ الأدب ولم يعد يتابع "المعايير الجديدة" لجوائز نوبل، سواء في الأدب أو في السلام. ومع ذلك فالقارئ الروسي يفهم جيدا في الأداب، ويدرك مساحات الخلاف والاختلاف، ويفهم الفارق بين الأدب وغياب "الأدب"، لأننا نتحدث هنا عن قارئ مُمَنْهَج وليس مجرد قارئ عابر.

في الحقيقة، لقد كفَّرَ الغرب هذه السنة (2015) عن ذنوبه المنهجية تجاه الآخر ليمنح جائزة نوبل في "الأداب" للصحفية البلاروسية سفيتلانا ألكسييفيتش كمناضلة من أجل حقوق الإنسان، ومن أجل الحرية والكرامة الإنسانية بصرف النظر عن القيمة "الأدبية والفنية" لما تكتبه، وفقا لما أعلنته لجنة الجائزة.

الصحفية البلاروسية التي لم تستغرق فقط في المستجدات الليبرالية لعصر القطب الواحد، بل تماهت مع تقسيمات فرانسيس فوكوياما الأيديولوجية حول سيادة الليبرالية، والتي تراجع عنها هو نفسه بعد ذلك، اخترعت نزعة جديدة في الأدب. وفضلت لجنة أو "محفل" نوبل تسميتها تارة بالاستقصائية، وتارة أخرى بالوثائقية. وبالفعل أعلنت السكرتيرة الدائمة الجديدة للأكاديمية السويدية سارة دانيوس "إنه جنس أدبيّ جديد"، واصفة بذلك الكتب الست والمقالات والمقابلات الصحفية لصاحبة نوبل الصحفية سفيتلانا ألكسييفيتش.

إن تقديم ألكسييفيتش بالصحفية لا يعيبها في أي شئ، فماركيز كان يعمل صحفيا، وسولجينيتسين عمل أيضا بالصحافة، وهو ما ينطبق على عشرات الكتاب الذين حصلوا على تلك الجائزة في الأدب. غير أن القيمة الأدبية والفنية لأعمالهم كانت هي الأرضية الأساسية للتقييم وفق المدارس والمذاهب النقدية، حتى التجريبي منها. لكن محفل نوبل في تقريره هذا العام رأي أن "أعمالها بمثابة صرح للحرية والكرامة الإنسانية. قد تختلف الأراء في القيمة الفنية الإبداعية لرواياتها التي يغلب عليها الطابع السياسي والأيدولوجي المباشر، ولكن ذلك لايمنع من تقدير كفاحها من أجل الحرية". إذاً، لماذا جائزة نوبل في "الآداب" وليس جائزة نوبل "للسلام" التي حصل عليها، على سبيل المثال لا الحصر، الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما على تصريحات حول تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية، وهي التصريحات التي لم يتم تنفيذها فقط، بل وتم تنفيذ عكسها تماما؟!

حاولت الصحافة الثقافية والسياسية الغربية الترويج إبداعيا للصحفية البلاروسية، فوصفت كتاباتها بأنها "متعددة الأصوات". غير أن تعدد الأصوات في العمل الأدبي الإبداعي يختلف تماما عن "تعدد الأصوات" في التحقيق الصحفي أو في جمع عدة تحقيقات ومقابلات في كتاب. لن نلتفت إلى اللغة الركيكة والسرد المترهل، طالما لجنة نوبل اعترفت في تقريرها أن الطابع السياسي والأيديولوجي المباشر يغلب على كتاباتها الصحفية، وقررت أيضا أن ذلك لا يمنع من تقدير كفاحها من أجل الحرية. ولكن ماذا تبقى هنا من "الأدب" بمفهومه الأخلاقي بالنسبة للجنة الجائزة، وبمفهومه الإبداعي في التحقيقات والمقالات الصحفية لصاحبة نوبل البلاروسية المعارضة لرئيس دولة غير دولتها في المقام الأول، ثم لرئيس دولتها شخصيا في المقام الثاني؟

للأدب الوثائقي قوانينه الصارمة، لأنه ببساطة يتم تكريسه في ما بعد في مجالات أخرى، كالشهادات التاريخية، والإحصاءات المتعلقة بالحروب والكوارث، وأمور أخرى تخص التاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجي. الوثيقة بحد ذاتها لا تكذب أبدا، حتى وإن كانت ملفقة. لكن الانتقائية في التحليل والتفسير، واستخدام لغة الإطلاق والقصر، هما اللذان يدمران معبد "الأدب". وبدلا من أن نجد شهادات حقيقية ومعلومات تثري العمل الفني إبداعيا، نكتشف أن "تعدد الأصوات لدى الصحفية البلاروسية" ما هو إلا انعكاس للمعاناة والشجاعة في زماننا"، كما تحب الصحافة الثقافية الغربية أن تصف أعمال صاحبة نوبل 2015. فعن أي زمن يجري الحديث؟ عن زمن الليبرالية الجديدة، وسيادة القطب الواحد، وانهيار الدول القومية، واعتيار الليبرالية هي الأيديولوجية الوحيدة للبشرية؟

تتضارب مقالات الصحافة عن سفيتلانا ألكسييفيتش. فتارة تؤكد أنها لا تخترع شيئا أو تستنبط حوارات ما، بل تجمع أقوال وشهادات ورؤى الأشخاص الذين تجري معهم اللقاءات والمقابلات. وتارة أخرى تؤكد أنها تستمع وتسجل شهادات الناس، لتعود وتعمل على "تأليفها" من جديد. وهي نفسها تقول: "لا أبدل الجمل أبدا. لكنني أحيانا لا أحتفظ إلا ببعض الكلمات التي أستلها من صفحات الحوارات الطويلة. إنني ألتقي بمئات الأشخاص، وربما هناك شخص واحد بين عشرة أشخاص، أجد الكتاب لديه".

في الحقيقة، لا أحد يمكنه أن يفهم عن ماذا يدور الحديث بالضبط! عن "أدب وثائقي"، أم "أدب استقصائي"، أم "جنس أدبي جديد" قررت لحنة نوبل استحداثه لعام واحد؟

إن تماهي السيدة ألكسييفيتش مع فكرة الليبرالية، وتلبسها ملامح الغرب الذي يرغب في رؤية أحد يشبهه ولو حتى مؤقتا، دفعا بالصحفية المناضلة من أجل حقوق الإنسان إلى الضفة المقابلة للإبداع الأدبي لتبدأ بتقديم الصورة والنسق والنموذج التي تريد "السلطة الليبرالية" ووسائل إعلامها السائدة والمبتذلة أن ترسخها وتكرس لها، وتعتمدها طابعا ليس فقط أدبيا وإبداعيا، بل وأيضا نمطا بشريا. كل ذلك يضع الجميع في مأزق: هل نحن أمام ظاهرة أدبية جديدة قابلة للنقاش، أم أمام كذبة ليبرالية تعكس صورة لـ "أدب" ما يجب اعتماده إلى جانب الأجناس الأدبية والفنية الإبداعية، ومنحه في الوقت نفسه تلك المساحة التي تفرضها جائزة نوبل في "الآداب"؟ أم إننا أمام ظاهرة سياسية أيديولوجية مباشرة تعمل على تزييف الوعي بالتاريخ والجغرافيا والطبيعة البشرية، وتكرِّس للتنميط الاجتماعي والعقائدي؟  (يتبع)