ولعل عصر اللسان المربوط، الذي لم يعاصره في الواقع جيل من وصلوا إلى سن العشرين في مطلع الألفية الثالثة، استطاع بحق أن يُنَشِّط هذه الـ "رغم أنف" ويحفزها. ولكن عندما انتهى هذا العصر، اتضح أن الكثير من النصوص الرائعة (وبالضبط أكثرها حبا للحرية ومناداة بها) كانت منفصلة في علاقتها به. وبسقوط السياق العام لذلك العصر أصبحت تلك النصوص غير هامة أو ممتعة، أو أصبحت ببساطة غير مفهومة أو مقبولة - وبشكل رئيسي لأن مؤلفيها وعلى نحو غير مألوف ومتناقض ظاهريا صدقوا أكثر من اللازم اللغة "السائدة" لذلك العصر، وسمحوا لها أكثر من اللازم بالتغلغل في أنفسهم (متناقض ظاهريا، ومع ذلك فقد كان ذلك الأمر ما هو إلا دراما، وقبل كل شئ دراما نصوص المقاومة). وفاز فقط أولئك الذين استطاعوا أن يشقوا طريقهم نحو خطابهم الداخلي (الذي كان قد بدأ يصيح، وأصبح لديه ما يقوله على العكس من اللغة المصطنعة، ولكن قوة النص الذي كانوا يكتبونه. كانت تُسْتَنْفَد على تمثيل تلك اللغة وتقديمه على صورتها). واستطاع القليلون أن يشقوا طريقهم ويصلوا إلى النهاية (وكم من النصوص أفسدتها الحلول الوسط غير الواعية - وهذا لا يمكن تفسيره فقط بالظروف القاسية لذلك العصر).

إن أسباب قلة الكتب الجيدة، كما ترى الكاتبة الروسية، لا يتوقف تقريبا على الظروف الخارجية. فأسباب ذلك هي نفسها التي كانت موجودة على الدوام: وهي أن الوصول إلى حالة الإخلاص للنص الداخلي (هذا بالطبع إذا كان طاغيا وملحا)، عملية في غاية الصعوبة. ومن الصعب جدا ترجمة هذا النص إلى لغة أدبية واضحة في الوقت الذي تجرفك فيه اللغة السائدة وتحملك بعيدا عن الكلمة الوحيدة الدقيقة المناسبة للتعبير عن حالة بعينها.

إن ذلك التصور عن الكلمة الوحيدة الدقيقة المناسبة يبدو غريبا في عصر الثقافة المولعة بالإمكانيات الزائفة للسينما والتلفزيون والتي تنعكس أشكالها ونماذجها في ملايين الصور التي تُؤَوَّل بدورها في آلاف التأويلات والتفسيرات، وهي نفسها - تلك الصور - تبدو مثل نوافذ شفافة بواجهات زجاجية مختلفة الألوان. ومع ذلك – كما تعتقد إنجا كوزنيتسوفا - فكل ما هو جديد يُولَد كالعادة في أعماق الإنسان، وكالعادة يكتسب طبيعة عضوية (كنسخة طبق الأصل من هذا العمق الإنساني)، وكالعادة يكتسب مكانة نادرة ورائعة. وحتى علم الجمال، أكثر الأشياء صبرا وطول بال على تردد المؤلف، يقدم دائما خيارا خاصا، بل وهناك فرق كبير بين تعدد الاحتمالات أو الصيغ، على سبيل المثال، في قصة أكوتاجاوا الشهيرة المكونة فقط من مجرد أطراف لاحتمالات أو صيغ تتناقض مع بعضها البعض بخصوص وقوع الحدث، والتي تُسْرَد على لسان المشاركين والشهود في المحكمة، نجد أن كل واحدة من هذه الاحتمالات أو الصيغ تدخلنا إلى واقع مقنع بنفس الدرجة - وبين وجود الاحتمالات والصيغ على مستوى السطور والتي من السهل أن تستخدم من أجل تمويه عدم قابلية النص في عمومه للتبرير أو الفهم. القضية هنا ليست في جماليات الحديث أو ما بعد الحديث، وإنما في عدم كفاية الأسباب من أجل ممارسة الأدب.

وتضيف كوزنيتسوفا بأنها عندما تتبعت باهتمام الأفكار التي طُرِحَتْ حول: ما هو الشكل الذي يجب أن يكون عليه الأدب والمدخل النقدي إليه، لاحظت أن النظريين يطلبون من الأدب تنفيذا واعيا لبعض المهام التي ليست في طاقته معولين الآمال على أن ذلك سوف "ينهض" به - على سبيل المثال، أن يعكس أي شئ من الواقع الجديد (ماذا؟ تطور اقتصاد السوق؟ إلغاء الرقابة؟ اللاجئين والمُشَرَّدين؟). أما العمليون فيصرون على نزوات الوعي الباطن التي لم يكن يميل إليها العصر السوفيتي (ولكن الوعى الباطن يمكن أن يكون ملئ بالكثير من الكلمات والأشياء الغريبة غير العضوية بالنسبة له).

تقول كوزنيتسوقا: "يبدو لي أن إمكانية الأدب الجديد متوارية ليس وراء أي شكل طازج أو جماليات أو مضامين معينة مسبقة. إنها قضية الأصالة الإنسانية للذي يكتب نفسه وكلية حضوره في العالم، وإمكانيته علـى أن يكون، وعلى أن يعيش شيئا ما بشكل حقيقي وأصيل. وأنا لا أظن أن زمن حرية اللغة يُصَعِّب إمكانية الحياة والتعبير بشكل مستقل. والضروري فقط هو أن نفصل بدقة بين الأدب والمعلومات (وكذلك أيضا التقليد)".

وتتوصل في تحليلاتها إلى أن العمل الأدبي لا يتحقق كعمل أدبى (وفي ظل أروع الإمكانيات اللغوية التي تبدو كافية، على سبيل المثال، لكتابة الشعر - رغم أن الحديث يدور كثيرا عن حسنات الشعر ومثالب السرد الجيد) إذا لم يكن المؤلف حاضرا في النص بالكامل، وليس فقط بما اكتسبه بذكاء الوعي الباطن العبقري. إن ما يحدث في النص يجب أن يكون نتيجة لكل من الإدراك والوعي والوعي الباطن بشكل دقيق للحدث الشخصي الخاص (وذلك عندما يعمل كل من النصف "المنطقي" والنصف "الحدسي" للدماغ في وقت واحد على حد سواء، ويتبادلان معا الشرارة). وإذا لم يحدث ذلك فإننا نحصل ليس على أدب أو تقريبا ليس على أدب (أي على كتاب قد كتب ليس على أفكار أو تأملات أدبية، وإنما نحصل، على سبيل المثال، على كتاب يستعرض الموهبة الشخصية).

تقول الكاتبة: "إنني لم أكن أريد التحدث عن ذلك هكذا بإلحاح لو كانت هذه هي مشكلة الكتاب الشباب فقط، أولئك الذين يسقطون مع الزمن (فمنهم من يغرق في أحداثه الذاتية، ومن منهم يهيم على وجهه بالقرب من الأشياء الأدبية)، أما تلك التصنعية والصدفوية التي يميل الكتاب الشباب إلى الإعلان عنها كمبادئ جمالية جديدة تخترق الكذب والتقليد، فالأساتذة الحرفيون فقط هم الذين يستطيعون عادة أن يموهونها بدقة".

وتتطرق إلى تساؤل حول كيف يبدو النص الحالي الذي يكون حضور المؤلف غير كامل فيه، والذى يتماس معه من بعيد؟! ثم تجيب بقولها: في أفضل الأحوال يهيمن عليه الخطاب الآني السائد ولغة العصر المتحررة، وكأنه هو ذاته – النص - الذي يستقصي ويبحث ذاتيا في إمكانياته القصوى وبشكل مستقل ومعزول. ومن صفات هذا النص أيضا التعـرض للموضوعات - وهذه أفضل نتائجه أو مهاماته، إذ أنه يتأسس من حيث المبدأ على مستوى لغوي خالص. وربما يمتلك الأدب التجريبي تأثيرا طبيا نفسيا قويا وبشكل رائع: هذا إذا تحرك بشكل مُوَجَّه ومتوال، ولكن مع ذلك سوف يتمزق نسيجه اللغوي وستتعرى الواقعية الموجودة (ربما لا تكون مهمة أو ممتعة في حد ذاتها)، والتي ستبدو أمام الجميع - نتيجة المفاجأة بالتناقض - خيالية وموضوعية ورائعة.

أما الحالة الأسوأ بالنسبة للقارئ: يبدو فيها النص وسيلة للخروج إلى الفضاء الكوني المفتوح الخالي من الموضوعات (ربما لأنه ليس في الواقع هو الفضاء الكوني، وإنما مجرد فضاء صوتي مغلق بهذا النص، وحيِّز للغة المُعْتَمَدَة التي لا تبحث فينا عن أراء مضادة وشكوكية تتعلق بأفكارنا الخاصة). تلك النصوص على ما يبدو تُكْتَب فقط لمجرد الحفاظ على الوعي المُسْتَبْدَل - وتأثيرها مشابه لتأثير المخدرات نظرا لأنه تأثير مُصطَنَع. وعندما نقرأ الكثير منها يتولد لدينا ذلك الإحساس الحاد بالإهمال الذي يعاني منه مؤلفها - وعلى أية حال فهي ليست على تلك الدرجة من الإقناع لكى تصيبنا بالعدوى (أو ربما لأن الشعور بالإهمال هو الشعور الوحيد الذي يعانيه المؤلف من العالم).

تقول الكاتبة: "أنا لا أتحدث عموما عن الأعمال السردية للكتاب الشباب، وإنما عن نموذج معين للنص - الذي يسقط في شباكه أغلبية الناس الأذكياء الموهوبين. وعندما نصل إلى تقنيات تيار الوعي، يعثر الكثيرون في تلك الحالة على سحابة دخان ضخمة مضببة تعيش بداخلهم، تلك التي تكونت من القراءة العامة لكل من (كافكا وجويس، أو ساشا سويكولوف مثلا). هنا لا يبقى سوى خطوة واحدة فقط على التقليد".

أما أكثر الحالات إثارة للحزن والأسف، كما ترى الكاتبة، هي أن يُكْتَب النص بشكل بارد وحرفة أدبية مع السير على طريق أحدث النماذج الفنية والعلمية. أما النصوص الأصيلة فهي مختلفة على الإطلاق. وأهم ما فيها (ربما كرد فعل على الفائض اللغوي للثقافة المحيطة): التركيز الشديد، وربما حتى الاقتصاد والبخل في الحديث، و"ابتلاع" الكلمات الزائدة، وكأنها تلك النظرة البسيطة والسهلة (ليست البدائية) على الأشياء والتي تسمح لها – للأشياء - بإثارة الدهشة وبالحديث عن نفسها بنفسها.