بعد نصف قرن اعترف ديفيد جرينجلاس بأنه سلم أخته "إيتلي روزنبيرج" إلى الإعدام ليحمي زوجته. ولكن إيتيل لم تذهب وحدها، وإنما ذهب معها أيضا زوجها "يوليوس روزنبيرج". ومع ذلك لم تتمكن الاستخبارات الأمريكية من الحفاظ على ماء وجهها كما تصورت. ففي عام 1951 بدأت محاكمة أسرة روزنبيرج في نيويورك بتهمة تجسسهما لصالح الاستخبارات السوفيتية وتسليمها وثائق خاصة بصنع القنبلة الذرية. وكان الشاهد الرئيسي هو جرينجلاس شقيق إيتلي روزنبيرج الذي عاش باسم مستعار، ومات في أكتوبر عام 2014 عن 92 عاماً.

اعترافات جرينجلاس جاءت على جزئين. الأول في كتاب بعنوان (الشقيق: التاريخ المجهول عن الجاسوس النووي ديفيد جرينجلاس وعن كيفية إرساله شقيقته إلى كرسي الإعدام). والثاني في حديث تلفزيوني.

قضية الزوجين روزنبيرج واحدة من أسوأ فصول الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية وأكثرها تشابكا وتشويشا. وواحدة من أكثر القضايا إثارة للغضب والغيظ والعمي الروحي. يقول جرينجلاس في اعترافاته: "نعم، كذبتُ على المحكمة من أجل إنقاذ نفسي وزوجتي". ويقول أيضا: "أن أكون جاسوسا، فالأمر بالنسبة لي سيان. فأنا على أية حال سلمتُ أسرتي إلى الموت". ولكنه يعود فيؤكد: "أنام مرتاح الضمير. إنني لم أضح بزوجتي وأولادي من أجل أختي".

تم إعدام الزوجين روزنبيرج عام 1953 بسجن "سينج-سينج" بنيويورك. وحكم على جرينجلاس بـ 15 عاما، أنهاها عام 1960. ولا يزال الليبراليون يرون أن آل روزنبيرج كانوا ضحية الحرب الباردة والحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة. بينما يصر العديد من الشخصيات السياسية الأمريكية الكبيرة ورجال الاستخبارات أنهم مذنبين على الرغم من اعترافات جرينجلاس، وبرغم معرفتهم بالتفاصيل الحقيقية للقضية. وفي اعترافاته، قال جرينجلاس أنه تعاون مع المحققين مقابل إغماض العدالة عيونها عنه هو وزوجته. وتمكن بمساعدة عملاء المباحث الفيدرالية من تأليف شهادة مزورة حول عمل شقيقته لصالح الاستخبارات السوفيتية. وكانت هذه الشهادة هي الحجة الرئيسية للنيابة العامة الأمريكية. وجاء فيها كيف أن شقيقته نقلت المعلومات السرية عن صناعة القنبلة الذرية الأمريكية على آلة طابعة صغيرة الحجم من طراز "ريمينجتون". وكان هذا الاعتراف المختلق بالذات هو الدليل الرئيسي الذي أرسل الشقيقة وزوجها إلى الكرسي الكهربائي.

أما أخطر ما جاء في اعترافات جرينجلاس، وما تقشعر له الأبدان هو أن اعترافاته بشأن الوثائق المطبوعة جاء على أساس كلمات زوجته "روت جرينجلاس"، ولكنه - حسب كلامه - لم يكن لديه علم بذلك. وقال أيضا: "في الحقيقة لم أكن أعرف من الذي طبع هذه الوثائق. وإلى يومنا هذا لا أعرف، ولا أستطيع حتى أن أتذكر هل كانت هناك وثائق مطبوعة أم لا".

عندما سألوه: "لماذا - من وجهة نظره - صممت أخته وزوجها أثناء الحكم بالإعدام، والتنفيذ أيضا، على إنهما غير مذنبين، وإنهما غير جاسوسين؟ ". قال في هدوء مدهش: "حمقى". وأضاف: "إن ذلك بالذات هو ما جعلها مسؤولة عن موتها على الكرسي الكهربائي". وأعلن بأن شبح هذه القضية لا يزال يقلقه، ولكن على الرغم من ذلك "فهم لا يزالوا أحياء يرزقون" على حد قول زوجته. وفي نهاية اعترافاته قال: "لو التقيتُ الآن أبناء شقيقتي إيتلي سأقول لهم بأنني آسف لموت والديهم، ولكنني لن أطلب الصفح على دوري الذي أدى إلى إعدامهما".

أما موقف الاستخبارات السوفيتية فقد تميز وقتها بالخسة والدناءة، وهو الوجه الآخر من موقف الاستخبارات الأمريكية نفسها . ففي عام 1994 صدرت مذكرات الجنرال بافل سودوبلاتوف بالإنجليزية عن دار نشر (ليتل آند كومباني) الأمريكية تحت عنوان (العمليات الخاصة: مذكرات شاهد غير مرغوب فيه-خبير الجاسوسية السوفيتي) في 544 صفحة ، إضافة إلى 10 صفحات تتضمن صورا فوتوجرافية ووثائق تحمل علامة "سري جدا"، ناهيك عن 20 ساعة مسجلة على شرائط الفيديو والتي تم حفظها بمعهد "جوفير للحرب والثورة والسلام" التابع لجامعة ستانفورد. وفي نهاية عام 1996 صدر نفس الكتاب بالروسية عن دار نشر "جيا" الروسية تحت عنوان (الجاسوسية والكرملين: مذكرات شاهد غير مرغوب فيه) في 491 صفحة من القطع المتوسط، إضافة إلى 17 صفحة من الوثائق والمستندات والرسائل والملاحظات . وفي أحد فصوله الـ 13 التي تحكي عن الأحداث الخفية في الفترة من 1930 إلى 1950 جاء فصل عن قضية الزوجين روزنبيرج.

يقول سودوبلاتوف في اعترافاته لقد تم اجتذاب الزوجين روزنبرج للتعاون مع أجهزة استخباراتنا عام 1938 بواسطة أفاكيميان وسيميونوف. ومن سخرية القدر أنه قد تم تقديم الزوجين روزنبرج إلى الأمريكيين وإلينا في وسائل الإعلام على إنهما شخصيتان رئيسيتان في التجسس الذري لصالح الاتحاد السوفيتي، وفي الواقع فدورهما لم يكن خطيرا بهذا القدر لأنهما كانا يعملان بعيدا تماما عن المصادر الرئيسية للمعلومات الخاصة بالقنبلة الذرية، والتي كانت تتم السيطرة عليها من قبل جهاز استخباري خاص. في الفترة من 1943-1945 كان عملاء نيويورك تحت قيادة كفاسنيكوف وباستيلنياك ثم كوجان بعد ذلك لفترة قصيرة، وهؤلاء هم الذين عمل تحت قيادتهم كل من سيميونوف وفيكليسوف وياتسكوف. وبالمناسبة فقد اعترف كفاسنيكوف في لقاء صحفي للتلفزيون الأمريكي عام 1990 بأنه في الوقت الذي كان الزوجان روزنبرج يساعدان فيه أجهزة استخباراتنا في الحصول على معلومات عن سلاح الطيران والكيمياء والتقنيات اللاسلكية، لم يملكا أية علاقة بالوثائق الهامة بالقنبلة الذرية.

وهنا يأتي أول ذكر لجرينجلاس حيث يقول جنرال الاستخبارات السوفيتي، في صيف عام 1945 أعد لنا صهر آل روزنبرج - الرقيب الأول بالجيش الأمريكى جرينجلاس (واسمه الحركي "العِيَار") والذي كان يعمل في ورش "لوس ألاموس" - خبرا صغيرا قبل التجريب الأول للقنبلة الذرية عن نظام عمل نقاط التفتيش والمراقبة والمرور. لم يستطع المراسل أن يذهب إلى لقائه، فأعطى كفاسنيكوف-بأوامر من المركز-أمرا إلى العميل جولد (الاسم الحركي "ريموند") بالذهاب إلى "ألبوكيركي" والحصول على الخبر من آل روزنبرج وذلك بعد اللقاء المُخطط له مع فوكس في "سانتا - فىّ". وقد خرق المركز بأوامره تلك القاعدة الأساسية لأجهزة الاستخبارات - لا يمكن في أي حال من الأحوال السماح لعميل أو مراسل مجموعة استخبارية بأن يتلقى اتصالا أو يحصل على منفذ إلى شبكة استخبارية أخرى غير مرتبط بها. كانت معلومات جرينجلاس عن القضية الذرية قليلة وغير هامة، ولهذا السبب لم تستأنف استخباراتنا اتصالاتها معه بعد ذلك اللقاء مع جولد. وعندما قُبِض على جولد عام 1950 أرشد عن جرينجلاس الذي أرشد بدوره عن آل روزنبرج.

ديفيد غرينغلاس وزوجته روت

ديفيد غرينغلاس وزوجته روت

ويعترف سودوبلاتوف بقوله، عرفتُ لأول مرة بالقبض على آل روزنبرج من أخبار وكالة تاس، ولم أهتم إطلاقا بهذا النبأ. ربما يبدو ذلك بالنسبة لأحد ما غريبا، ولكن من الضروري التنويه بأنه نظرا لمسؤوليتي عن عمليات عدة آلاف من الفدائيين والعملاء في مؤخرة الألمان، وعن مئات العملاء من مصادر المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية ومن ضمنها عمليات العملاء السريين، لم أشعر بقلق على مصير عملياتنا الاستخبارية الأساسية. ونظرا لعملي آنذاك رئيسا للقسم "C  "، كنت بلا شك أعرف المصادر الرئيسية للمعلومات، ولا أستطيع أن أتذكر أنه كان من بينها الزوجان روزنبرج، أو أنهما وردا كمصدرين هامين على أقل تقدير في الوثائق الاستخبارية الخاصة بالقنبلة الذرية. آنذاك ورد على ذهني أنه من الممكن أن آل روزنبرج كانا على علاقة بتنفيذ عملياتنا الاستخبارية وليس لهما إطلاقا أي دور قائم بذاته. وبشكل عام فالقبض عليهما لم يمثل ليّ حدثا يستحق الاهتمام.

مر عام، وفي نهاية صيف العام التالي أصبت صراحة بدهشة عندما جاء إلى مكتبي الجنرال-ليفتينانت سافتشينكو (نائب رئيس دائرة استخبارات أمن الدولة بموسكو في ذلك الوقت) وأفاد بأن وزير أمن الدولة إجناتييف الذي عُيِّن لتوه قد أمر بتقديم تقرير عن جميع المعلومات والوثائق الخاصة بإخفاق عملياتنا الاستخبارية في الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا بمناسبة موضوع الزوجين روزنبرج. وقال أيضا بأنه قد تم تشكيل لجنة خاصة في اللجنة المركزية للحزب بشأن الآثار المحتملة بصدد القبض على جولد وجرينجلاس والزوجين روزنبرج. وكما فهمت، فالحديث جرى حول خرق قواعد العمليات الاستخبارية التي قام بها موظفو أجهزة أمن الدولة.

وبشكل أكثر تفصيلا يقول، كنت أعرف سافتشينكو منذ سنوات العشرينات، عندما كان يرأس دائرة أركان العمليات لحرس الحدود على الحدود الرومانية، وبعد ذلك في عام 1948 جاء بمحسوبية خروشوف للعمل في لجنة المعلومات، ثم أصبح نائبا لرئيس دائرة استخبارات أمن الدولة بموسكو. وهو الذي اقر شخصيا في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات تنفيذ العمليات الاستخبارية الأساسية في الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا. إلا أن سافتشينكو أخبرني بأنه لا يستطيع أن يكون واثقا في تقرير جهازه بشأن الزوجين روزنبرج نظرا لأن تعاونهما معنا بدأ قبل الحرب واستمر أثناءها. في ذلك الوقت كان عميلانا السابقان في الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك-جورسكي وفاسيليفسكي المعروفين في هاتين الدولتين باسم جروموف وتاراسوف، قد طردا من أجهزة الاستخبارات. وبالمثل كان مصير الزوجين زاروبين اللذين كانا يعرفان أوضاع نشاطات عملائنا في الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف الأربعينات. حتى تلك الفترة كان خيفيتس قد قضى عامين في السجن كشريك في "المؤامرة الصهيونية". ولذلك لم يستطع سافتشينكو أن يستعين بهم للتعقيب على وثائق العمليات بالأرشيف من أجل تقديم تقرير إلى اللجنة المركزية. أما أفاكيميان وزاروبين الشاهدان الأكثر أهمية، اللذان ترأسّا إدارة التوجيه الأمريكية في الاستخبارات في سنوات الحرب، لم يخفيا عدم احترامهما لسافتشينكو بسبب نقص خبرته وعدم تخصصه في الشؤون الاستخبارية، وأطلقا عليه صراحة "ابن الكلبة". لقد رفضا الحديث معه معلنين أنهما سيقدمان تفسيراتهما إلى اللجنة المركزية فقط. أما ياتسكوف وسوكولوف وسيميونوف الذين كانوا يملكون علاقات مباشرة بهذا الموضوع كانوا آنئذ خارج الدولة، إلا أن سافتشينكو لم يكن يود الاعتماد على تفسيراتهم أو على استنتاجات كفاسنيكوف الذي كان يرأس الاستخبارات العلمية-التقنية، وذلك على اعتبار أنهم جميعا أشخاص معنيين بالأمر.