لقد وقفتُ بشكل قاطع ضد تلك النتائج على اعتبار أن سيميونوف وأفاكيميان ظهرا في نشاطات معينة بمظهر موظفي العمليات ذوي الكفاءة العالية. وفي الواقع فهما على وجه التحديد اللذان أقاما في نهاية الثلاثينات شبكة عملاء في غاية الأهمية للمعلومات العلمية-التقنية في الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أنهم قاموا برفض آرائي في اللجنة المركزية وفي دائرة كوادر أمن الدولة بموسكو، ونسبوا إليهما تهمة الفشل، وطُرِدا من أجهزة الاستخبارات في خضم الموجة العنيفة لمعاداة السامية، خاصة وأن سيميونوف كان يهوديا. وأذكر كيف أخذنا نجمع الأموال لمساعدة سيميونوف قبل أن يلتحق بوظيفة مستشار ومترجم بمعهد المعلومات العلمية-التقنية لأكاديمية العلوم.

وحول خداع الحزب الشيوعي من قبل أجهزة الاستخبارات السوفيتية وإعادة فتح القضية مرة أخرى يقول سودوبلاتوف، في العام التالي جرى تفجير تلك القضية الفاضحة مرة أخرى. وتم استدعائي ثانية إلى اللجنة المركزية لمقابلة كسيليوف مساعد مالينكوف. وبشكل مفاجئ تماما بالنسبة ليّ رأيت عنده سافتشينكو. كان كسيليوف قاطعا وخشنا. سمعت على لسانه اتهامات أعوام 1938-1939: كشفت اللجنة المركزية عن محاولة بعض الموظفين وعدد من رؤساء موظفي أمن الدولة بموسكو خداع الحزب وذلك بتقليلهم من دور الزوجين روزنبرج في النشاطات الاستخبارية. وقال كيسيليوف إنه في رسالة بدون توقيع لموظف أمن الدولة بموسكو تم التأكيد على الدور الهام للزوجين روزنبرج في الحصول على معلومات بشأن القضية الذرية. وفي التقرير شدد كسيليوف على أن لجنة المراجعة الحزبية سوف تبحث تلك البلاغات الخاصة بتضليل اللجنة المركزية بصدد موضوع الزوجين روزنبرج.

قمتُ أنا وسافتشينكو في صوت واحد بمعارضة كيسيليوف، وأوضحنا أن عملياتنا الاستخبارية في الولايات المتحدة الأمريكية بشأن القضية الذرية، في حقيقة الأمر، قد توقفت في عام 1946 وكنا مضطرين إلى الاعتماد على مصادر في انجلترا. واستشهدنا بأوامر بيريا عام 1946 الخاصة بالحفاظ على مصادر المعلومات من أجل تحقيق الحملة السياسية المفيدة لنا في أوساط الإنتلجنسيا والأوساط العلمية بدول الغرب بخصوص الدعوة لنزع السلاح النووي.

اتهمنا كسيليوف بعدم الإخلاص، وبمحاولة إهانة قيمة اتصالات أجهزة استخباراتنا مع الزوجين روزنبرج. فأجبته بأنني المسؤول كليا عن نشاطات تغلغل عملائنا في الأهداف الذرية بالولايات المتحدة الأمريكية في الفترة من 1944 حتى 1946. إلى جانب ذلك أشرت إلى إنه من البديهى أن أهمية عملية تغلغل العملاء والوصول إلى الأهداف المجدية بالنسبة لنا قد تنوعت تبعا للوضع الوظيفي لمصادر المعلومات، وأن الزوجين روزنبرج كانا مجرد حلقة عديمة الأهمية في نشاطاتنا غير المركزية التي كانت تخص الأهداف الذرية الأمريكية لأن المعلومات والوثائق التي كانت لدى آل روزنبرج وقريبهما جرينجلاس لا يمكن أن ترقى إلى مستوى المعلومات والوثائق الخطيرة. كان آل روزنبرج ساذجين وعاطفيين، ومع ذلك كانا مخلصين لنا بسبب قناعاتهما الشيوعية الأمر الذي جعلهما على استعداد للتعاون معنا في كل شئ، لكن نشاطهما لم يكن له أية أهمية أساسية في الحصول على الأسرار الذرية الأمريكية.

صرّح كسيليوف في نبرة رسمية بأنه سوف ينقل إلى اللجنة المركزية، وإلى مالينكوف شخصيا تفسيراتنا. وسوف تقوم لجنة المراجعة الحزبية بتحديد المتهم الحقيقي في إخفاق العمليات الاستخبارية في الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي النهاية يقول الجنرال السوفيتى بافل سودوبلاتوف: "ظهر آل روزنبرج في التحقيقات أثناء سير القضية بمظهر الأبطال. ولهذا السبب أوقف قادتنا الرسميون البحث عن كبش فداء".

أما وجهة نظره في القضية فيجملها على النحو التالي: "بإلقاء نظرة على ما مضى من أحداث، يتضح أن موضوع آل روزنبرج قد امتلك منذ البداية صبغة سياسية ذات ملامح واضحة أخفت عدم أهمية مجموعة المعلومات والوثائق العلمية-التقنية التي قدموها في مجال السلاح الذري، حيث قدّما فقط معلومات عن الكيمياء وتحديد المواقع باللاسلكي. وكان الأكثر أهمية وخطورة بالنسبة للسلطات الأمريكية وللقيادة السوفيتية هو توجهات الزوجين الشيوعية ومثلهما العليا التي كانت ضرورية جدا للاتحاد السوفيتي في فترة تصعيد "الحرب الباردة" والهستيريا المناهضة للشيوعية. وبالفعل ففي تلك المواقف الصعبة ظهر الزوجان بمظهر الموظفين الصلبين والصديقين للاتحاد السوفيتي.

إن القبض السريع على الزوجين روزنبرج بعد اعتراف جرينجلاس مباشرة يشير من وجهة نظري إلى أن جهاز المباحث الفيدرالية كان مثل المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية يعمل على أساس المواقف السياسية والأوامر بدلا من التعامل مع الأمور بشكل حِرَفي متخصص. لقد تغاضى جهاز المباحث الفيدرالية عن كشف جميع الشخصيات المرتبطة بالزوجين روزنبرج، وكان ذلك يحتاج ليس فقط إلى مراقبة خارجية، ولكن أيضا إلى إعداد عملية استخبارية من أجل الكشف عن موظفي العمليات أو العميل السري-العميل الخاص الذي كان على اتصال بهما. بهذه الطريقة فقط كان من الممكن تحديد درجة مشاركتهما في عمليات الاستخبارات السوفيتية. إن التعجل الذي أظهره جهاز المباحث الفيدرالية أعاق أجهزة مكافحة التجسس الأمريكية عن الوصول إلى فيشر (العقيد آبيل) العميل السري السوفيتي الذي استقر في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1948، وقُبِض عليه فقط عام 1957. أما الصورة الفوتوجرافية مع عضوة مجموعة روزنبرج التي كان يطلق عليها "إيلين سوبيل" زوجة مورتون سوبيل فلم يضبطها عملاء المباحث الفيدرالية إلا عند القبض فقط على فيشر حيث وجدوها في محفظة أوراقه.

عندما قرأوا ليّ مقاطع من كتاب لانفرد وشاختمان عن نشاط جهاز المباحث الفيدرالية في الخمسينات ضد الاستخبارات السوفيتية أُصِبتُ بالذهول لأن جهاز المباحث الفيدرالية والمفوضية الشعبية للشؤون الداخلية استخدما نفس الأساليب في معالجة الخلفيات السياسية أثناء التحقيق في النشاطات التجسسية. وفي الحقيقة فقد بُنِى موضوع آل روزنبرج كله على أساس اعتراف المتهمين. وأدهشني على وجه الخصوص حجج الدفاع عن آل روزنبرج حيث قامت المباحث الفيدرالية سلفا بتلقين جولد وجرينجلاس اعترافاتهما المستقبلية أثناء المحاكمة. وبالطبع فممارسات المباحث الفيدرالية كانت منطقية تماما لأنها لم تحسن أداء مهمتها الرئيسية: الكشف عن الدور الحقيقي للزوجين روزنبرج في الحصول على المعلومات السرية ونقلها إلى الاتحاد السوفيتي. أما ما يسمى "بالصور والرسوم التخطيطية" لجرينجلاس والتي وردت في القضية، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تكون أساسا لصياغة استنتاجات حول طابع العمل الاستخباري والمعلومات التي قُدِّمت إلينا.

لقد كان الزوجان روزنبرج ضحية "الحرب الباردة". وسعينا نحن والأمريكيون إلى كسب أكبر المنافع السياسية من عملية المحاكمة. والجدير بالذكر أنه في فترة سطوة معاداة السامية عندنا في الاتحاد السوفيتي وفضح ما يسمى بـ "المؤامرة الصهيونية" نسبت دعايتنا إلى السلطات الأمريكية القيام بحملة معادية للسامية وتعقب اليهود بسبب عملية آل روزنبرج. ومع ذلك يبدو ليّ أن قضية الزوجين روزنبرج قد تسببت في تصاعد حالة نفسية معادية للسامية. وقد استثمرنا ذلك بالقيام على وجه السرعة بترجمة - إلى الروسية - مسرحيات وكراسات الكاتب الأمريكي الشيوعي آنذاك جوفارد فاست حول معاداة السامية في الولايات المتحدة الأمريكية. إن قضية الزوجين روزنبرج قد تحولت إلى أحد العوامل القوية لدعايتنا ونشاطاتنا في مجلس السلام العالمي الذي تأسس بدعم فعّال منا في الأربعينات".

في مقدمة كتابه قال سودوبلاتوف: "كنتُ المسؤول عن اغتيال تروتسكي، وتنظيم عمليات الفدائيين في الحرب العالمية الثانية، وكنتُ أيضا المسؤول عن العمليات الاستخباراتية للحصول على المعلومات السرية للقنبلة الذرية من أمريكا وبريطانيا. نظمتُ شبكة واسعة من الخبراء الذين استطاعوا إقناع روبرت أوبنهامر (أبو القنبلة الذرية الأمريكية) وإنريكو فيرمي وليو سيلارد وبرونو بونتيكورفو وكلاوس فوكس ونيلز بوهر وألبرت إينشتاين لتبادل الأسرار الذرية معنا". وقال أيضا: "إن خصوم المستقبل العنيدين.. أوبنهامر وبوهر وفيرمي رغبوا في إنقاذ العالم من الحرب الذرية.. وخافوا على مستقبل العالم من انتشار الطاعون النووي، وأرادوا ألا تكون القدرات النووية متركزة في يد واحدة وحكرا على الولايات المتحدة، بل موزعة على نطاق واسع من أجل توازن القوى - ولذلك أفشوا أسرار المشاريع الذرية".

وبخصوص الزوجين روزنبيرج قال: "الزوجان روزنبيرج قدما مساعدات تقنية فقط، لأن نوعية عملهما ومستوى تعليمهما لا يؤهلانهما للاطلاع على الأسرار النووية الأمريكية".

أما هما - آل روزنبيرج - فقد كتبا لأولادهما قبيل إعدامهما بلحظات قليلة واحدة من أغرب العبارات الفلسفية التاريخية: "كونوا واثقين تماما بأننا في غاية الهدوء والاطمئنان، فنحن ندرك بكل دقة ووضوح أن الحضارة لم تصل بعد إلى ذلك المستوى الذي لا ينتزعون فيه الحياة في سبيل الحياة".