ومن أجل دراسة نتاج ريريخ، أرسلت الكثير من البعثات العلمية وعملت إحداها مدة طويلة لتنفيذ هذه المهمة، وخاصة في الأماكن التي عاش فيها الفنان المبدع. ودام عمل هذه البعثة العلمية فترةخمس سنوات ونصف، حققت خلالها العديد من النجاحات العلمية في مهمتها. ولد نيقولاي ريريخ عام 1874 في بطرسبورغ وتوفي عام 1947في ولاية البنجاب في الهند.

عاش حياته، وهو يحمل هموم مجتمعه والمجتمع الإنساني عامة، وكان مشاركاً فعالاً في النضال من أجل السلم والحرية والعدالة الاجتماعية في جميع أنحاء العالم. واتسم نشاطه بالدفاع عن القيم الثقافية والحضارية والأخلاقية بما فيه تطور البشرية جمعاء تطوراً سليماً، بعيداً عن ويلات ومصائب الحروب على اختلاف أنواعها.

وتأثر خلال الفترة التي عاشها في الهند، والتي تزيد عن خمسة وعشرين عاماً بالثقافة والفلسفة الهنديتين. وأحب الهند حباً كثراً، ولذلك جاء نتاجه الابداعي منسجماً مع أفكار جميع المعاصرين له من رفاقه، ومن دعاة الخير في العالم.

كتب الكثير من الأعلام والمشاهير والنقاد أعمالاً نقدية أثنوا فيها على نتاج نيقولاي ريريخ. وفي هذا المجال كتب نهرو ما يلي:" عندما أفكر بـ ريريخ، يغمرني العجب لهذه العظمة والاتساع في نشاطه الابداعي، فهو فنان ذو شأن كبير، وعالم عظيم، وكاتب رائع، وعالم آثار وباحث خلاق، إذ تمكن من إلقاء الضوء على الكثير من مجالات النشاط الانساني، والطموحات البشرية".

يرتبط نشاط ريريخ الإبداعي بتلك البداية الموسيقية، التي ابتدأ بها حياته الفنية متـأثراً إلى حد بعيد بموسيقى الفنان المبدع "سكريابين". وتكونت خلال هذا الطريق الابداعي للفنان ريريخ علاقة متينة بينه وبين نتاج سكريابين، وعلى أثر هذا الاتحاد بين إبداع سكريابين وريريخ تكونت ظاهرة فريدة من نوعها في الفن الموسيقي الروسي، والعالمي أجمع.

يشبه نتاج ريريخ إلى حد بعيد نتاج سكريابين، من حيث الغنى الروحي، والألوان الزاهية المفرحة للروح الإنسانية. وانطلق الفنان في هذا من إيمانه العميق بأن الألوان الزاهية "ألوان العيد" هي ألوان تبعث في النفس البشرية المسرة، ويجب أن تعمم على الفن المعاصر عامة.

هذا وقد خصص نيقولاي ريريخ الكثير من وقته لصياغة أفكاره الفلسفية والشعرية، وتعمق في دراسة الفلسفة العالمية على اختلاف أنواعها ومذاهبها، ولقد اتضح هذا في كتابه: "أزهار لماري" الذي يختتمه بالنداء التالي:

العارف يبحث

العالم يجد

العاثر يتعجب لسهولة الامتلاك

المالك يغني أغاني الفرح

إفرح! إفرح! إفرح أيها الصياد

عندما تنتصر ثلاث مرات...

يعتبر كتاب "أزهار لماري" من أكثر الأعمال تأثراً بنتاج سكريابين. ففيه السعادة الكبرى، والمشاعر الرقيقة، حتى تمكن المؤلف أن يبرز بإبداع المبدأ الأساسي في نتاج سكريابين، حول "التغني بالجمال، وبعظمة البداية الإبداعية" .

في هذا الكتاب يبحث المؤلف في مسألة استيقاظ الروح الإبداعية في نفس الإنسان، وعن الأفكار غير الواضحة في عالم الفرد، وعن العناصر الإبداعية الكامنة في وعي الإنسان.

كما يتناول موضوع المشاعر الإنسانية، التي تنقلب على نفسها مبتعدة عن التصور الخيالي المثالي، حتى تصبح حقائق علمية ملموسة. ويصدح الصوت الإبداعي في داخل الإنسان ليعبر عما يدور في كيانه، وكل ما يجري حوله من متغيرات ومستجدات.

 

وفي بعض القصائد المنشورة في الكتاب يعكس المؤلف مسألة الإنجازات الإبداعية الأولى في عالم الفنان، ويتحدث عن الفرحة الكبرى التي تعم روحه عند تحقيق الخطوات الإبداعية الأولى، ولم يتوقف المؤلف عند هذا، بل وعكس أيضاً النضال، والتعطش إلى التضحية، والنزعة الشديدة إلى اكتساب المعرفة وتحقيق السعادة القصوى في متابعه البحث للوصول إلى ذروة الإبداع. ورأى ريريخ أن "الفن العظيم" يعتبر عاملاً فعالاً في توحيد الإنسانية، وقد عبر عن هذا الطموح بالعبارات التالية:

تعال يا أخي نبتعد

عن كل ما يزول بسرعة

الوقت يمضي مسرعاً

فلنفكر ملياً

بالإبداع الأبدي الرائع.

وفي نهاية هذه المقدمة الموجزة لا يسعني إلا وأن أشكر كل من تفضل بقراءة مخطوط هذا الكتاب وخاصة الشاعر فؤاد كحل، وكل من ساهم بإخراجه وطباعته.

د. ماجد علاء الدين