1 – الخلافة الأولى

 

   مثلت حادثة وفاة النبي (ص) بداية انفجار الصراع الطبقي في المجتمع الإسلامي الجديد والذي كان مؤجلاً إلى حين ، فقد سعت الأرستقراطية اليثربية التي كانت تراقب حالة تمدد نفوذ طبقة التجار الإسلامية الجديدة المكونة أساساً من المهاجرين ذوي الأصل القرشي بقلق ، وربما زاد من قلقها تظاهر الأرستقراطية القرشية القديمة باعتناق الإسلام الأمر الذي قد يؤدي لحالة من التحالف بين الطرفين انطلاقاً من الانتماء القبلي المشترك[1](*) ، لقد ذكر الزبير بن بكار هذه المروية التي توضح الوضع الحقيقي لهذا التحالف : " لما بويع أبو بكر واستقر أمره، ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته، ولام بعضهم بعضاً، وذكروا علياً وهتفوا باسمه وإنه في داره لم يخرج إليهم. وجزع لذلك المهاجرون وكثر في ذلك الكلام. وكان أشد قريش على الأنصار نفر فيهم : سهيل بن عمرو والحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل، ... فلما اعتزلت الأنصار تجمع هؤلاء فقام سهيل بن عمرو فقال : يا معشر قريش إن هؤلاء القوم قد سماهم الله الأنصار وأثنى عليهم القرآن فلهم بذلك حظ عظيم وشأن غالب، وقد دعوا إلى أنفسهم وإلى علي بن أبي طالب وعلي في بيته لو شاء لردهم ! فادعوهم إلى صاحبكم (أبو بكر) وإلى تجديد بيعته فإن أجابوكم وإلا فاقتلوهم، فو الله إني لأرجو أن ينصركم عليهم كما نصرتم بهم .

   وقال الحارث : فإنه قد لهجوا بأمر إن ثبتو عليه فإنهم قد خرجوا مما وسموا به وليس بيننا وبينهم معاتبة إلا السيف. وقال عكرمة : إن الذي هم فيه من فلتات الأمور ونزعات الشيطان وما لا يبلغه المنى ولا يحمله الأمل، اعذروا إلى القوم فإن أبوا فقاتلوهم "[2] .

   إن هذه الرواية تشير إلى طبيعة هذا التحالف بكل وضوح ، خاصة أن المتعصبين لأبي بكر لم يكونوا من المهاجرين أو الأنصار ، بل أنهم من زعامات قريش القديمة والذين سبق لهم مواجهة الرسول – ومعه أبو بكر - في العديد من المعارك ، وقلقهم الواضح من تولي علي بن أبي طالب للخلافة رغم انتماؤه إلى قريش من ناحية النسب يظهر وجود وعي بحقيقة الصراع الطبقي الذي سيحدث في حالة توليه للسلطة بمساعدة الأنصار ، كما يظهر وجود محاولات متعددة قادتها الطبقات الاجتماعية المتضررة من سيطرة طبقة التجار الجديدة لتولية علي بن أبي طالب الخلافة في عهد الخليفة الأول .

   والواقع أن هذا التحالف مثل ضرورة حقيقية بالنسبة للطبقة التجارية الجديدة نظراً لحاجتها إلى قوى مادية لمواجهة الغالبية من الأنصار ، ومن جهتها كانت الأرستقراطية القرشية تخطط لمعاودة السيطرة على الأوضاع في الدولة الجديدة وتصدر الهرم الاجتماعي إلا أن تاريخها كان يقف حجر عثرة في وجه تحقيق هذه المطامع رغم إمكانياتها المادية الكبرى، وبالتالي فقد كانت علاقة التحالف تبادلية ، فطبقة التجار الإسلامية كانت في حاجة إلى الدعم المادي الضخم ، بينما كانت الأرستقراطية القرشية في حاجة إلى من يمنحها الشرعية داخل الدولة .

   ومع نجاح المخطط الذي وضعته الطبقة التجارية الجديدة في اعتلاء سدة الحكم عبر تولي مرشحها أبو بكر بن أبي قحافة (الصديق)[3] للخلافة فقد بدأت الحياة الدينية في المجتمع الإسلامي تأخذ منحى آخر عبر صياغة بعض المفاهيم في الفقه السياسي والاجتماعي التي سعت السلطة الجديدة لاستخدامه في سبيل فرض سيادتها .

   إن شرعية وطريقة انتخاب القائد على جماعة المسلمين تمثل المفهوم الأول الذي جرى صياغته في أثناء المفاوضات التي حدثت بين أقطاب الأنصار والتجار من المهاجرين ، فقد رأت المجموعة الأولى أن حمايتها ومساندتها للنبي (ص) في كفاحه لنشر الدين الإسلامي والتي تعد الأكثر تأثيراً بالتأكيد ، مقابل تخلي قبيلته الأصلية (قريش) عنه وعن القلة التي آمنت به ،  إضافة لاستضافتها للمجموعة المسلمة المهاجرة ومساعدتها للتأقلم على الوضع الجديد خاصة من الناحية المادية عبر قبولها فكرة التآخي بين المهاجرين والأنصار[4] ، هي تضحيات تمنح زعاماتها الشرعية في خلافة النبي (ص) ، وتسقط أي شرعية يمكن أن تدعيها الزعامات القرشية بحق القرابة[5] الذي كان يمثل – في هذه الفترة – حقاً تقليدياً في الفكر السياسي السائد .

   ومن الواضح أن زعامات الأنصار وخاصة من الخزرج كانت ترغب في إقامة حكومة ملكية وراثية تعتمد على الشريعة الإسلامية كقانون للدولة الجديدة ، ومن الواضح أن أحلام الملكية كانت ما تزال تراود بعض الخزرجيين بعد فشل عبد الله بن أبي في تحقيقها سابقاً ، وربما أملت هذه الزعامات في فرض رؤيتها للحكم بشكل تدريجي تحسباً من توجس نظرائهم في الانتماء الأنصاري الأوسيين[6](*) ، والمعارضة الأكيدة للمهاجرين القرشيين المدعومين من الأرستقراطية المكية القديمة ، وقد يحصلون على دعم بعض القبائل العربية وخاصة الشمالية منها التي قد ترفض الخضوع لحكومة ملكية تنتمي لأصول يمنية ، بالإضافة إلى الموالين لعلي بن أبي طالب الذين تميزوا بتنوع انتماءاتهم العنصرية والقبلية .

   من ناحية أخرى اعتبر المهاجرون – المنتمون لقبيلة قريش - أن قرابتهم من النبي (ص) وسابقتهم إلى الإسلام تمنحهم شرعية خلافة النبي (ص) ، وقد استند عمر بن الخطاب في تمرير هذا الرأي إلى الفكر السياسي السائد : " إنه والله لا يرضى العرب أن يؤمروكم ونبيها (ص) من غيركم ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمورها من كانت النبوة فيهم وولى أمورهم منهم ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين . من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل . أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة "[7] ، وعلى الرغم من أن هذه المقولة تشير إلى أنه لم يكن ثمة فروق حقيقية في الرأي بين الفريقين ، حيث لجأ كلاهما لمحاولة حصر الإمارة في نطاق جماعته(*) ، فالواقع أن رؤية الطبقة التجارية كانت بعيدة تماماً عن محاولات إنشاء أي ملكيات وراثية تتعارض مع جوهر الدين الإسلامي ناهيك عن تعارضها مع الثقافة العربية السائدة ومصالح الطبقة الجديدة التي تنمو بشكل أكثر قوة في إطار نظام سياسي تتوزع فيه فرص وشرعية تولي السلطة بين أكثر من منافس ، ومن الواضح أن اشتراط قرشية الخليفة لم يكن سوى محاولة لإحراج الأنصار ، ففي عهد الخليفة عمر بن الخطاب شهدت الطبقة التجارية الإسلامية تطوراً اقتصاديا ضخماً بعد نجاحها في السيطرة على طرق التجارة بين الشرق والغرب إضافة إلى استيلائها على الهلال الخصيب ومصر وأراضي الإمبراطورية الساسانية ، ما أدى لزيادة حجم ثرواتها ونفوذها السياسي ، وقد سعى الخليفة للحفاظ على هذه المنجزات عبر اتخاذ بعض التدابير تجاه الوضع الجديد للثروة في المجتمع الإسلامي والتي سعى منها لتقوية وضع طبقته ومحاولة دمج الأرستقراطية القرشية السابقة بين أفرادها ، فقد قرر إعادة توزيع العطاء بنسب متفاوتة على أساس الأسبقية في الإيمان والجهاد ومن الغريب أنه وضع المقاتلين في بدر والارستقراطية القرشية القديمة في مكانة واحدة[8](*) ، ورفض تقسيم أراضي سواد الكوفة على الفاتحين خوفاً من تشكيل أرستقراطية إسلامية قد تؤدي لتحطيم منجزاته الطبقية[9] ، وبديهي أن هذه التطورات الاقتصادية والاجتماعية قد أدت لبعض التغيرات في الفكر السياسي لدى أبناء الطبقة التجارية وعلى رأسهم الخليفة ذاته ، سواء من ناحية أسلوب تولي الخلافة أو من ناحية شروط الانتماء التي كانت قاصرة سابقاً على مهاجرة قريش ، فقد اعتبر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب أن تولي الخلافة يجب أن يتم عبر الشورى مؤكداً على أن طريقة تولي الخليفة الأول ومن ثم توليه هو للخلافة تمثل حالة استثنائية[10] ، كما تشير بعض المرويات إلى تقديم الخليفة الثاني لولاء المرشح لنموذجه في الحكم على الانتماء القرشي في مدحه لسالم مولى أبي حذيفة ورغبته في ترشيحه للخلافة من بعده[11] ، وتشير هذه النصوص إلى أن نجاح مشروع الطبقة التجارية الجديدة في تحقيق تطوره الطبيعي ربما كان سيؤدي بالدولة الإسلامية إلى نموذج أكثر شوروية وانفتاحاً من الناحية السياسية .

   بالنسبة للكادحين فقد تبنى الغالبية العظمى منهم الدعوة لعلي بن أبي طالب كإمام[12] وليس كخليفة ، ومن الطبيعي أن لقب الإمام الذي تميز به علي بن أبي طالب في التراث الإسلامي يفترض مهاماً أكبر من لقب الخليفة المختص أكثر بالشأن السياسي والإداري للدولة ؛ إن اعتبار علي بن أبي طالب إماماً بعد النبي (ص) على أساس حادثة غدير خم المشهورة[13](*) عنى لدى هذه الطبقة عدم السماح للشخصيات الأخرى بمحاولة إنتاج تفسيرات جديدة للنصوص الإسلامية تساهم في حرفها عن أهدافها الحقيقية التي تصب في صالح المستضعفين على أساس أن علي بن أبي طالب – كما تشير بعض المرويات – هو المتزعم لهذه الطبقة منذ عهد النبي (ص)[14](*) ، وربما تقترب هذه الفكرة نوعاً من ديكتاتورية البروليتاريا التي أنتجها كفاح الحزب الشيوعي الروسي في بدايات القرن العشرين[15](*) من ناحية تخوفها من قدرة الطبقات المُستغِلة على القيام باختراق المؤسسات المدافعة عن حقوق الطبقات المُستَغلة (دينية أو مدنية) ، ومحاولة حرفها عن مسارها الأساسي إلى مسارات أخرى تصب في مصالحها الخاصة ، وهي تلجأ بالتالي إلى تحديد وحصر الشرعية في إطار شخص محدد أو حزب .

   وقد ساهم التحالف السياسي بين الأرستقراطية القرشية والطبقة التجارية الإسلامية ومحاولات الخليفة الثاني لدمجهم في منظومته السياسية للاستقواء بهم في مواجهة الاتجاهات الأخرى إلى زيادة التخوف لدى العناصر الكادحة ودفعها للتمسك أكثر برؤيتهم السياسية والدينية وصياغتها بشكل متكامل في إطار عقيدة الإمامة التي نشأت كرد فعل على ما اعتبرته هذه الكوادر تراجعاً عن جوهر الشريعة الإسلامية المنحاز لقضاياها(*) .

   إن كون الشريعة الإسلامية هي الأساس الذي ارتكنت عليه كل الرؤى السياسية المتباينة عقب وفاة النبي (ص) أدى إلى امتداد هذا التباين في التفسير لأحكامها الشرعية بسبب محاولة هذه الرؤى تفسير نصوصها بما يخدم سيادتها الاجتماعية والسياسية ، وهو ما أدى لنشأة مجموعة من الآراء العقائدية والفقهية كانت الأساس الذي نشأت عليه المذاهب الدينية في فترة لاحقة .

   كانت المشكلة المطروحة في البداية حول العلاقة بين الخليفة وصلاحياته وبين سنة للنبي (ص) ومدى ضرورة التزام الخليفة بهذه السنة ، وقد تنبه الخليفة الأول أبو بكر منذ بداية توليه الخلافة لخطورة هذه المشكلة بالنسبة لمصلحة طبقته التجارية والتي لا يمكنها الالتزام بشكل مطلق بقواعد السنة النبوية وتفسيرها للنصوص القرآنية وبالتالي فقد أعتذر بكل صراحة في بداية خلافته عن عدم قدرته الالتزام بالسنة النبوية : " أيها الناس ، لوددت أن هذا كفانيه غيري ، ولئن أخذتموني بسنة نبيكم ما أطيقها ، إن كان لمعصوماً من الشيطان ، وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء "[16] ، إلا أن هذا التصريح لم يؤد بالخليفة لاتخاذ إجراءات مخالفة للسنة النبوية بشكل حاد ربما لقصر مدة تولية للخلافة ، وقد اتخذت بالفعل في عهد الخليفة الثاني إجراءات صريحة في مخالفتها لفعل النبي (ص) اعتبرها الخليفة الثاني ضمن ما يحق له الاجتهاد فيه لمصلحة الأمة ، وربما كان موقف الخليفة الأول من ضم الخمس إلى بيت المال[17] ، وطرد الخليفة الثاني لبعض قبائل أهل الكتاب (يهود ومسيحيين) من جزيرة العرب إلى الشام والعراق[18](*) ، وإلغاء المساواة في العطاء من أبرز نماذج هذه المخالفات التي تغلبت فيها مصلحة الطبقة على ضرورة الالتزام بتصرف النبي (ص)[19] .

   وإذا كان الموالون لعلي بن أبي طالب قد اعتقدوا بأن كل سنة النبي (ص) ملزمة للحكام انطلاقاً من تقديسهم لشخصيته كمبلغ للدين واعتباره معصوماً عن الخطأ مهما بلغ قدر ضآلته[20](*) ، فإن مصالح الطبقة التجارية قامت على محاولة تحجيم هذا الاتجاه عبر التركيز على العوامل البشرية في النبي (ص) وربما بشكل مبالغ فيه أحياناً ، وقد انتشرت مرويات تشير إلى نزول آيات من القرآن الكريم تؤيد موقف عمر بن الخطاب في خلافاته مع النبي (ص) ، إشارة إلى احتمال وقوع الخطأ في تقدير المواقف غير التبليغية من النبي (ص) ، وفي المقابل إمكانية أن يكون أحد الصحابة أكثر وعياً في تقديره لذات المواقف[21](*) .

    ورغم الانتصار المؤقت الذي أحرزته الطبقة التجارية الإسلامية على زعامات الأنصار و الكادحين ، فقد أدرك الخليفة الثاني في مرحلة لاحقة أن هذا الانتصار مهدد من قبل التيار الموالي لعلي بن أبي طالب ما لم يتم الترويج لهذا النموذج بين بعض الفئات التي اعتبرت في مرحلة سابقة معادية خاصة بعد أن لاحظ أن سقوط الطموحات الأنصارية في تولي الخلافة أرتبط بميل قوي في هذا الوسط لترشيح علي بن أبي طالب كبديل منذ سقيفة بني ساعده[22](*) ، وقد تطور هذا الاتجاه بين الأنصار حتى تحول لطابع عام ، وبالتالي فقد سعى الخليفة لدمج فرقاء الماضي القرشيين وأبناء القبائل العربية التي تمردت على الدولة ورفضت تولي الخليفة أبو بكر لمقاليد السلطة[23](*) في إطار فئته الاجتماعية الجديدة عبر تغيير منظومتهم الاجتماعية والدينية والاعتماد عليهم بشكل أكبر في إدارات الدولة ، وقد اكتشف الخليفة في أواخر حياته خطأ هذا التصور فيما يخص الأرستقراطية القرشية ووعد في بعض التصريحات بالتراجع عنه الأمر الذي عجل باغتياله[24](*).

   إلا أن هذه المحاولات نجحت بشكل أكبر في نطاق أبناء القبائل المتمردة والتي استفادت من الفتوحات العسكرية التي قام بها الخليفة ، لكن على المستوى الديني تأثر أبناء هذه القبائل ببعض القرارات التي أصدرها الخليفة الثاني أثناء صراعه مع التيار الموالي لعلي بن أبي طالب ، حيث حاول الخليفة التأكيد على حصر التشريع في نطاق القرآن الكريم والتقليل من قدسية سنة النبي (ص)[25] ، وبالتالي فقد أرسل بعض الشخصيات الموالية له من الصحابة إلى مناطق تمركز هذه القبائل لتحفيظهم القرآن الكريم مقروناً بالمنع التام من أي تداول للسنة النبوية[26](*) ، وتشير المرويات التاريخية إلى أن بعض الصحابة ممن خالفوا هذا الأمر قد واجهوا عقوبات بالاعتقال[27](*) ، إلا أن هذا الإجراء لم يعن الإلغاء النهائي للسنة النبوية فمن المعروف أن بعض الشخصيات فقط كان مسموحاً لها برواية الحديث النبوي والفتوى كعبد الله بن عباس وأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر[28] ، كما حاول الخليفة تجاوز سلبيات عزل السنة النبوية عن القرآن الكريم عبر إلغاء المناقشات الخاصة ببعض التساؤلات التي نشأت عن القدر والعدل[29] ، وقد منح الخليفة القراء الذين تمكنوا من حفظ القرآن بهذا الشكل المعزول عن السنة النبوية جوائز مالية ضخمة[30] ، ومع حجم الاهتمام والتعظيم الذي عامل به الخليفة هذه المجموعات الدينية[31](*) فيمكنني التأكيد على أن شخصياتها حصلت على مكانة ونفوذ ديني ضخم بين قبائلهم كان له تأثيره في تحجيم وضع الزعامات التي تبنت التمرد الأول على مركزية المدينة المنورة وتشكيل زعامات قبلية جديدة تدين بالولاء لنموذج عمر بن الخطاب الذي يبدو أنه في هذه اللحظة كان قد قرر تجاوز مرحلة الانتماء القرشي إلى مرحلة الانتماء الطبقي الكامل .

   لقد أدت هذه الممارسات إلى نشأة شريحة اجتماعية غير منتجة ارتبطت مصالحها الاقتصادية والاجتماعية بالدراسة الظاهرية لنصوص القرآن الكريم منفصلاً عن السنة النبوية وبالتالي فلم يكن لهم أي دراية بأسباب النزول أو تفسير بعض الآيات التي ربما كانت تحمل معان مجازية ضمنية ؛ ورافضة تماماً للمناقشات الدينية التي لم ترد مصطلحاتها في القرآن الكريم بشكل متطابق حتى لو تواجدت ضمنياً .

   وعلى الرغم من أن الجزئية الأخيرة ربما لا تمثل مظهراً حقيقياً من مظاهر الطبقة التجارية ، المعروفة بالليبرالية الفكرية ، إلا أنه يلاحظ عدم وجود موقف معين من الحريات الدينية لدى زعمائها ، ومن الواضح أنها تتشدد في تطبيق فكرها الديني لمرحلة مؤقتة تبدأ بعدها في تخفيف تشددها تدريجياً وبحسب الظروف الموضوعية ؛ على أن شريحة القراء لا تعدو أن تكون أحد النتائج السلبية لقرارات عمر بن الخطاب ولا يمكن تصنيفها ضمن الطبقة التجارية في هذه الفترة ، ومن ناحية أخرى فرغم التزام كوادر الطبقة التجارية الإسلامية بقرارات عمر بن الخطاب فإنها لم تسقط في فخ التشدد ومن المؤكد أن درايتها السابقة بالسنة النبوية عبر مرافقة معظم أفرادها للنبي (ص) هو ما قلل من سلبيات القرارات الدينية ذات الخلفية السياسية للخليفة الثاني .

   على أن اضطرار الخليفة في أثناء احتضاره لعقد شورى شكلية بين ستة مرشحين أكثرهم أهمية هما علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ، وخلو الشورى من أي مرشح من القبائل العربية الأخرى أو الأنصار ، وتدبير قواعد ممارسة الشورى بحيث تنتهي لنتيجة محسومة مسبقاً بتولي عثمان بن عفان للخلافة[32] ، إنما يشير إلى وعي الخليفة بفشله في فرض نموذجه على الواقع الإسلامي نتيجة عدم قيامه بتطوير الوضع التجاري عبر استخدام عملة إسلامية خاصة والاهتمام بتطوير الإنتاج البضائعي وتحول الطبقة التجارية لوسيط بين منتجين ، وعلى الرغم من تغير وضع الملكية في عهد الخليفة بما يخدم الوضع التجاري إلا أن الطبيعة الصحراوية للعاصمة في مقابل رفض الخليفة للملكية العقارية في الأراضي المفتوحة خوفاً من الانقلاب الارستقراطي كان نقطة ضعف حقيقية وزاد عليها تحريم الشريعة الإسلامية للمعاملات الربوية واكتناز المال بالإضافة لما تضمنته من نصوص تحث على تحرير العبيد وتعتبره شرطاً أساسياً للتكفير عن بعض الآثام الدينية والاجتماعية[33] .

   لقد أدرك الخليفة حقيقة تغلغل الأرستقراطية القرشية في إدارات الدولة وقيامها بتبني مشروع خاص والضغط في سبيل تنفيذه ، ومن المحتمل أن الخليفة كان يأمل في أن يتمكن عثمان بن عفان والذي يجمع بين الانتماء للمهاجرين وبين الانتماء السابق للأرستقراطية القرشية في إعادة التحالف بين زعامات المشروعين بما يكفل الحفاظ على ما قام به من منجزات ، والواقع أن الخليفة الثالث تمكن من تنفيذ هذه المهمة رغم تجاوزه أحياناً على سيرة وأساليب الخليفة السابق والتي أقسم على الحفاظ عليها قبل توليه الخلافة[34] ، فقد أسقط الخليفة القرار السابق بمنع تملك الأراضي الزراعية في سواد الكوفة[35] ، وسمح للصحابة والقرشيين بالتنقل بين أقاليم الدولة وتملك الأراضي الزراعية[36] ، وأدت هذه المستجدات لدمج شريحة القراء في إطار الطبقة التجارية مع استغلال أبناءها لهذا القرار في اقتناء العقارات كغيرهم من كبار التجار ، إلا أن عثمان بن عفان ظل ملتزماً بتنفيذ أغلب القرارات الدينية التي أصدرها سلفه ربما بسبب استمرار الظروف الموضوعية التي أدت لصدورها[37](*) .

   على أن السنوات الست الأخيرة من سلطة الخليفة شهدت تمكن الأرستقراطية القرشية من فرض سيطرتها بشكل كامل على الدولة ، واتخذت قرارات الخليفة الثالث منحى مجاهر بالانحياز لمصالح أقاربه من بني أمية والموالين لهم من باقي القبائل والعشائر العربية[38] ، وهو ما أثار سخط الكادحين الذين اكتشفوا أن نفس الشخصيات التي اتخذت مواقف متطرفة في عدائها للنبي (ص) والدعوة الإسلامية هي التي تسيطر على شئونها في اللحظة الراهنة ، كما شعرت الطبقة التجارية الإسلامية بالخطر على مكتسباتها في عهد الخليفة الثاني والشطر الأول من عهد الخليفة الثالث ، ومن الواضح أن كلا المشروعين قد عملا على إسقاط الخليفة الثالث ، إلا أن آرائهما تجاه مصيره كانت مختلفة حيث لم ير الإمام علي ضرورة لقتله ، بينما كانت الطبقة التجارية الإسلامية والقراء وحتى أم المؤمنين عائشة يصرون على التخلص من الخليفة نهائياً[39] ، ورغم أنه من المبالغة الاعتقاد بوجود تنسيق ما في التحرك بين زعامات المشروعين ، فالواقع أن تصرفات كل منهما خدمت مسعى الآخر في إسقاط سلطة الخليفة الذي لم يعد قادراً سوى على فرض سيطرته داخل منزله ، وانتهى الأمر بقتله بعد أن تخلى عنه زعماء الأرستقراطية على أمل توليهم السلطة بشكل كامل عبر المطالبة بثأر الخليفة[40](*) .

   وعلى الرغم من سلبيات قرارات عثمان بن عفان بشكل مجمل على الواقع الإسلامي فقد ساهمت لحد كبير في التخفيف من تشدد القراء بعد أن تحول الكثير منهم لممارسة التجارة وامتلاك العقارات وبالتالي فلم تعد مصالحهم مرتبطة بشكل ديني محدد بقدر ما أصبحت تؤثر عليها أوضاع اقتصادية أخرى ينبغي التعامل معها بمرونة .

   لقد أدى نجاح الثورة الشعبية ضد الخليفة الثالث لتولي الإمام علي بن أبي طالب بعد أن رفضت القيادات الشعبية للثورة منح الخلافة لأي من الشخصيات المعروف عنها الانتماء للهوية القرشية ، وبالرغم من قرشية علي بن أبي طالب فإن تمسكه بالتعاليم الأصيلة للمعتقد الإسلامي التي ترفض الاعتراف بالانتماء القبلي وحرص قريش على منعه من تولي الخلافة بالإضافة لانحيازه للكادحين مثلت مؤهلات كافية كي تطلب منه قيادات الثورة بإلحاح تحمل مسئولية مواجهة الأوضاع المضطربة الناتجة عن موت الخليفة السابق قتلاً[41] .

   ومن الواضح أن كل من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وهما القيادتان الجديدتان لمشروعات الطبقة التجارية الإسلامية قد اضطرا لمبايعة الإمام علي بن أبي طالب تحت ضغط المطالبة الجماهيرية الضخمة ، ورغم أن هذه البيعة أفسدت مشروعاتهما بالاستيلاء على السلطة بصفة مؤقتة إلا أنهما سعيا للاستفادة من التاريخ الكفاحي المشترك وقرابة النسب بينهما وبين الإمام علي في الحصول على مكتسبات سياسية قد تعد قاعدة لانطلاق مشروعاتهما المستقلة مستقبلاً حيث طلب طلحة تولي إمارة البصرة في حين طلب الزبير تولي اليمن[42] ، ومع رفض علي بن أبي طالب لهذه المطالبات فقد بدأ كلاهما في الاستعداد للصدام خاصة بعد اكتشافهما أن خطورة مشروعات علي بن أبي طالب لا تقل عن خطورة مشروعات الأرستقراطية القديمة وإن كانت مختلفة في أهدافها .

   لقد شهدت فترة خلافة علي بن أبي طالب عودة التحالف مرة أخرى بين الطبقة التجارية الإسلامية والطبقة الأرستقراطية القرشية والتي تحولت في عهد عثمان بن عفان إلى ما يشبه الإقطاع بعد سماحه لها بامتلاك مساحات ضخمة من الأراضي وحرصه على تركيز الثروة في يدها[43](*) ، كما شهدت حالة من التشظي بناء على المناطقية وظهور الانتماءات الإقليمية ، فقد أيدت الطبقات الاجتماعية في أقاليم الدولة الإسلامية علي بن أبي طالب في مواجهة التحالف سالف الذكر باستثناء الشام الذي التزم بتأييد معاوية بن أبي سفيان ، وكانت أسباب التأييد متباينة فالكادحين عموماً التزموا بتأييد مشروعاته لإعادة حقوقهم في الشريعة الإسلامية ، أما الإقطاع وكبار التجار – في العراق على وجه الخصوص - فقد كانوا يرغبون في الابتعاد بقدر الإمكان عن الهيمنة القرشية وتحقيق قد من الاستقلال الذاتي للكوفة والاحتفاظ بثروات أقاليمهم في نطاقها[44] ، وبالتالي لم يلبث تأييدهم للإمام علي أن تحول لنوع من العداء المبطن والعمل على تعطيل مشروعاته بعدما أدت قراراته المنحازة للكادحين لتحجيم نفوذها القبلي وسيطرتها على الثروات ، كما أدت القرارات الدينية الجديدة للإمام إلى سقوط هيبة أعداد كبيرة من طبقة القراء حيث سمح بتدريس السنة النبوية ، وأصبحت جوائز حفظ القرآن وما تصحبها من مكانة دينية ترتبط كذلك بمدى الدراية بالسنة النبوية والتفسير وأسباب النزول[45](*) ، وانتهى الأمر باشتراكهم في تآمر ثلاثي بينهم والإقطاع الكوفي بزعامة الأشعث بن قيس الكندي مع معاوية بن أبي سفيان لاغتيال الإمام علي بن أبي طالب في الكوفة[46](*).

   إن التيار المتشدد بين القراء والذي تمسك بالأفكار التي نشأ عليها بداية من عهد الخليفة الثاني بدا هزيلاً للغاية في عهد علي بن أبي طالب ، وهو ما دفعه للتآمر مع الإقطاع الكوفي والتمرد على حكومة الإمام علي عقب معركة صفين حيث سيعرفون بداية من هذه اللحظة بلقب " الخوارج " ، وقد شهد الخوارج أثناء مواجهتهم العسكرية والفكرية مع الإمام عدد لا يستهان به من الانشطارات بسبب اصطدام أفكارهم ببعض البديهيات العقلية والدينية في تمسكهم الظاهري والمتشدد بالنصوص القرآنية دون دراية بمغزاها[47] .

   والواقع أن هذا التيار مع هزيمته الفكرية والعسكرية لم ينتهي تماماً في الكوفة كما أن القراء بالشام استمروا كذلك في إتباع الرؤى الدينية للخليفة الثاني – مع ما شابها من تشوه على يد السلطة الأموية - رغم خلافهم السياسي مع القراء في الكوفة بكل اتجاهاتهم ، ويبدو من الواضح أن سماح الإمام علي بدراسة السنة النبوية ساهم في القضاء على القراء كمجموعة دينية ذات هيبة خاصة بصفة نهائية[48](*) بعد أن انخرط أتباعها في إطار المعتقدات الدينية ذات الخلفيات الاجتماعية التي كانت قد بدأت في التشكل متخذة صورة أقرب للمذهبية(*) .

 



[1] - البلاذري – م . س – ج 1 ص 582 .

(*) في سقيفة بني ساعدة قال حباب بن المنذر لأبي بكر " ما نحسدك ولا أصحابك . ولكنا نخشى أن يكون الأمر في أيدي قوم قتلناهم، فحقدوا علينا " ، وهو بالتأكيد يشير إلى شخصيات من الأرستقراطية القرشية القديمة، مما يعني أن التحالف بين الطبقتين كان ظاهراً للجميع قبل وفاة النبي مباشرة .

[2] - سعيد أيوب - معالم الفتن - بيروت 1994 - ج 1 ص 338 .

[3] - شهاب الدين النويري – م . س - ج 19 ص 32 – 37 .

[4] - البلاذري – م . س – ج 1 ص 270، 271 .

[5] - النويري – ج 19 ص 29 ، 30 .

[6] - م . س – ج 19 ص 35 .

(*) تذكر المرويات التاريخية أن أسيد بن حضير أحد زعماء الأوس قال لزعماء قبيلته الذين حضروا مؤتمر السقيفة أثناء الجدال بين المهاجرين والخزرج : " والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لازالت لهم عليكم بذلك الفضيلة . ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً فقوموا فبايعوا أبا بكر " .

[7] - م . س – ج 19 ص 34 .

(*) يعبر مصطلح الجماعة عن الأسر التي كانت سباقة لاعتناق الإسلام من القرشيين أو من الأنصار ، فتولي الخلافة لم يكن متاح لكل القرشيين وإنما للمهاجرين من القرشيين .

[8] - أحمد بن واضح اليعقوبي – تاريخ اليعقوبي – بيروت – ج 2 ص 153، 154.

(*) أعطى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب العباس بن عبد المطلب وبعض زوجات النبي (ص) كالسيدة عائشة والسيدة حفصة والسيدة أم حبيبة 12000 درهم ، كما أعطى كل من محاربي بدر والأرستقراطية القرشية 5000 درهم .

[9] - د / محمود إسماعيل – م . س - ج 1 ص 55 ، 56 .

[10] - البلاذري – م . س – ج 1 ص 583 ، 584 .

[11] - عز الدين بن الأثير – م . س – مجلد 2 ص 459 .

[12] - ابن أبي الحديد – شرح نهج البلاغة – تحقيق / محمد أبو الفضل إبراهيم – طبعة دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه – القاهرة 1959 - ج 2 ص 51 - 52 .

[13] - إسماعيل بن كثير _ البداية والنهاية _ تحقيق / علي شيري – طبعة دار إحياء التراث العربي – بيروت 1988 - ج 5 ص 227 – 233 .

(*) تذكر المرويات الإسلامية أن الرسول(ص) قال في غدير خم  - أثناء عودته من حجة الوداع – " من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " وعلى الرغم من إنكار ابن تيميه لهذا الحديث في كتابه " منهاج السنة " إلا أن الإمام محمد بن جرير الطبري ألف كتاباً لإثبات صحته، كما اعترف تلميذ ابن تيميه إسماعيل بن كثير بصحة هذا الحديث .

[14] - عبد الحسين شرف الدين العاملي – المراجعات – تحقيق / الشيخ حسين الراضي – المجمع العالمي لأهل البيت – قم 1416 هجرية – ص 207 .

* أورد شيخ الطائفة الطوسي في أماليه عن عمار بن ياسر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي : " إن الله زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إلى الله منها ، زينك في الزهد بالدنيا فجعلك لا تزرأ منها شيئاً ، ولا تزرأ منك شيئاً ، ووهب لك حب المساكين ، فجعلك ترضى بهم أتباعاً ، ويرضون بك إماماً ، فطوبى لمن أحبك وصدق فيك ، وويل لمن أبغضك وكذب عليك " .

[15] - لينين – ماركس ، أنجلز ، الماركسية – ترجمة إلياس شاهين – دار التقدم – موسكو – من رسالة : الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي - ص 516 ، 522 .

* يعرف لينين ديكتاتورية البروليتاريا : " إن الديكتاتورية الثورية للبروليتاريا هي سلطة تظفر بها البروليتاريا وتحتفظ بها بالعنف على البرجوازية ، سلطة لا يحدها قانون " ، وينقل عن أنجلز وصفه لكومونة باريس : " إن الثورة هي دون شك سلطة ما بعدها سلطة .. ويتأتى على الحزب الغالب بالضرورة أن يحافظ على سيادته عن طريق الخوف الذي توحيه أسلحته للرجعيين " وهنا يعبر لينين وأنجلز عن ديكتاتورية طبقة البروليتاريا في مواجهة البرجوازية ، والذي يتولاها الحزب االشيوعي لمعبر عن مصالحها ، ويوجد بالتأكيد خلاف واضح بين مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا وبين الإمامة ،  إلا أن الاتفاق بينهما هو في حيازة المعبر عن الكادحين لكل الشرعية في صراعه ضد الطبقات المستَغِلة .

[16] - جلال الدين السيوطي – م . س – ص 66 .

[17] - مرتضى العسكري - معالم المدرستين - قم 1996 - ج 2 ص 162 – 165 .

[18] - نجاح الطائي – نظريات الخليفتين – مطبعة الهدى – بيروت 1998 – ج 2 ص 393 .

* روى مسلم في صحيحة عن عمر بن الخطاب أنه سمع النبي (ص) يقول : لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً " ومن الواضح أن هذا الحديث يسعى لتبرير تصرف الخليفة الثاني تجاه أهل الكتاب سنة 20 هجرية وإلا فقد كان النبي (ص) قادراً على إخراجهم بالفعل بعد انكسارهم عسكرياً إلا أن سلوكه مع أهل الكتاب لم يشر أبداً إلى وجود مثل هذه النية لديه .

[19] - أحمد بن واضح اليعقوبي – م . س – ج 2 ص 153، 154.

[20] - م . س – ج 2 ص 162 .

* يروي اليعقوبي عن الإمام علي بن أبي طالب رده على عبد الرحمن بن عوف عندما طلب منه القسم على العمل بكتاب الله وسنة النبي (ص) وسيرة أبي بكر وعمر : " إن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى إجيرى أحد . أنت مجتهد أن تزوي هذا الأمر عني " وهنا يبدو الخلاف العقائدي واضحاً بين الإمام علي والذي يعتبر أن سنة النبي (ص) معصومة ومتكاملة ، وبين عبد الرحمن بن عوف الذي يرى أن سيرة أبي بكر وعمر تكمل سنة النبي (ص) .

[21] - السيوطي – م . س – ص 114 – 116 .

* عقد جلال الدين السيوطي في كتابه " تاريخ الخلفاء " فصلاً كاملاً عن موافقات القرآن الكريم لآراء عمر بن الخطاب ، ومن أهم هذه الموافقات هو رأيه في صلاة النبي (ص) على عبد الله بن أبي بن سلول : " لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للصلاة عليه ، فقام إليه ، فقمت حتى وقفت في صدره ، فقلت : يا رسول الله ، أو على عدو الله ابن أبي القائل يوم كذا وكذا ؟ فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت " ولا تصل على أحد منهم أبداً " .

[22] - محمد بن جرير الطبري – تاريخ الرسل والملوك – تحقيق / محمد أبو الفضل إبراهيم – دار المعارف – القاهرة 1979 – ج 3 ص 202 .

* يروي الطبري أن الأنصار بعد احتدام الجدل في سقيفة بني ساعدة طلبت مبايعة الإمام علي : " فقالت الأنصار – أو بعض الأنصار . لا نبايع إلا علياً " .

[23] - اليعقوبي – م . س – ج 2 ص 129 – 132 .

* من الواضح أن الخليفة الأول أراد استنزاف قوى القبائل الشمالية والجنوبية المعادية له في الفتوحات العسكرية تجاه البيزنطيين والفرس ، وربما كان يأمل من هذه المغامرة تحقيق سيطرة ما على طرق التجارة بين الشرق والغرب .

[24] - م . س – ج 2 ص 154 ، د/ محمود إسماعيل - قضايا في التاريخ الإسلامي - (فلسفة التشريع عند عمر بن الخطاب) - القاهرة 1974 - ص 28 ، سعيد أيوب – معالم الفتن – م . س - ج 1 ص 450 ، د . محمد طي - قراءة في كتاب " الإمام علي في رؤية المنهج ورواية التاريخ " للدكتور إبراهيم بيضون - مقال في مجلة المنهاج - العدد 21 - بيروت 2001 - ص 253 .

* نقل عن الشعبي قوله : " لم يمت عمر حتى ملته قريش وقد حصرهم بالمدينة " .

[25] - مرتضى العسكري - أحاديث أم المؤمنين عائشة - طهران 1999- ج 1 ص 87 ، 88 .

[26] - مرتضى العسكري – معالم المدرستين – م . س – ج 2 ص 50 ، 51 .

* روى قرظة بن كعب الأنصاري الخزرجي ، وهو أحد العشرة الذين وجههم عمر بن الخطاب مع عمار بن ياسر (رض) حين ولاه الكوفة ، أنه قال : لما سيرنا عمر إلى العراق مشى معنا عمر إلى صرار ، ثم قال : أتدرون لم شيعتكم ؟ قلنا : أردت أن تشيعنا وتكرمنا ، قال : إن مع ذلك لحاجة ، إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله وأنا شريككم ، قال قرظة : فما حدثت بعده حديثاً عن رسول الله (ص) ".

[27] - م . س – ج 2 ص 52 .

* روى الذهبي أن عمر بن الخطاب حبس ثلاثة ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري فقال : أكثرتم الرواية عن رسول الله .

[28] - مرتضى العسكري – أحاديث أم المؤمنين عائشة – م . س – ج 1 ص 87 ، اليعقوبي – م . س – ج 2 ص 159 .

[29] - نجاح الطائي – م . س – ج 1 ص 251 .

[30] - مرتضى العسكري – القرآن في روايات المدرستين – نسخة كومبيوترية – موقع www.al-shia.com - ج 2 (من أخبار القراء في عهد عمر)، و(أخبار الكتاب والسنة على عهد الخليفة القرشي عمر) .

[31] - م . س – ج 2 (من أخبار القراء في عهد عمر) .

* تذكر المرويات أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد : أن ارفعوا إليَّ كلَّ من حمل القرآن حتى الحقهم في الشرف من العطاء وأُرسلهم في الافاق يعلمون الناس فكتب إليه الاشعري انّه بلغ من قبلي من حمل القرآن ثلاثمائة وبضع رجال"، كما ذكر البخاري أن القراء كانوا هم أصحاب مجلس عمر بن الخطاب سواء كانوا كهولاً أو شباباً، وهي مرويات تشير إلى أن استفادة القراء لم تكن اقتصادية أو اجتماعية فقط وإنما شهدت صعود في المكانة السياسية أيضاً .

[32] - أحمد صبري السيد علي – الحقوق السياسية في فكر الإمام علي من منطلق العدالة - " نشر ضمن مقالات مؤتمر الإمام علي الدولي - طهران 1422 هـ . ق – ص 138 – 141 .

[33] - د . محمود إسماعيل – سوسيولوجيا الفكر الإسلامي – م . س – ج 1 ص 86 – 87 .

[34] - اليعقوبي – م . س – ج 2 ص 162 .

[35] - د . محمود إسماعيل - سوسيولوجيا الفكر الإسلامي - م . س _ ج 1 ص 58 .

[36] - م . س – ج 1 ص 58 .

[37] - مرتضى العسكري – معالم المدرستين – م . س – ج 2 ص 53 .

* تذكر المرويات أن عثمان قال على المنبر : " لا يحل لأحد يروي حديثاً لم يسمع به على عهد أبي بكر ولا على عهد عمر " .

[38] - اليعقوبي – م . س – ج 2 ص 168 - 174 ، د . محمود إسماعيل – سوسيولوجيا الفكر الإسلامي – م . س – ج 1 ص 58 .

[39] - مرتضى العسكري – أحاديث أم المؤمنين عائشة – م . س - ج 1 ص 168 – 171 ، محمد بن النعمان المفيد – الكافئة في إبطال توبة الخاطئة – تحقيق / علي أكبر زماني – (طبعت مع رسالة المسائل العُكبرية للشيخ المفيد) – بيروت 1993 – ص 8 – 11 .

[40] - اليعقوبي – م . س – ج 2 ص 175 .

* احتج الإمام علي على معاوية بن أبي سفيان بموقفه من عثمان في محاولة منه لإظهار حقيقة أغراضه : " ثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه فأينا كان أعدى له وأهدى إلى مقاتله . أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفه ، أمَّن استنصره فتراخى عنه وبث المنون إليه حتى أتى قدره عليه . كلا والله لقد علم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلاً " .

الإمام علي بن أبي طالب – نهج البلاغة – شرح / الإمام محمد عبده – طبعة دار الكتب العلمية – بيروت 1990 – ص 337 .

[41] - أحمد صبري – م . س – ص 142 ، 143 .

[42] - اليعقوبي – م . س – ج 2 ص 178 ، 180 .

[43] - د. محمود إسماعيل – سوسيولوجيا الفكر الإسلامي – م . س – ج 1 ص 62 ، محمد بن عبدوس الجهشياري – كتاب الوزراء والكتاب – تحقيق / مصطفى السقا / إبراهيم الإبياري / عبد الحفيظ شلبي – الهيئة العامة لقصور الثقافة - القاهرة 2004 – ص 26 .

* سُمح للأرستقراطية القديمة بالعودة لحيازة الأراضي والإقطاعيات مرة أخرى ، كما جرى تحويل أراضي الصوافي والتي كانت موقوفة على بيت المال إلى إقطاعات لأفراد الأسرة الحاكمة، أو من دار في فلكها من زعامات القبائل والولاة والقواد ، على أن الملاحظ هو تغير شكل حيازة الأرض الزراعية والتي كانت طوال العهود السابقة قاصرة بشكل عام على " حيازة الانتفاع " ، إلا أن في العهد الأموي تحول هذا الشكل إلى " حيازة الملكية "، وهو تحول جاء في إطار القوانين التي أصدرها معاوية لتقوية وضع الإقطاع .

[44] - يوليوس فلهوزن – الخوارج والشيعة – ترجمة د. عبد الرحمن بدوي - دار الجليل – القاهرة 1998 – ص 98.

[45] - مرتضى العسكري - م . س – ج 2 (أخبار القرآن على عهد الإمام علي) ، علاء الدين المتقي الهندي – كنز العمال – تحقيق / الشيخ بكري حياني ، الشيخ صفوة السقا – طبعة مؤسسة الرسالة  - بيروت 1989 - ج 2 ح 4185 ، 4186 ص 339 .

* نقل السيد مرتضى العسكري في بحثه الهام عن القرآن في روايات المدرستين عن كتاب كنز العمال قول الإمام علي بن أبي طالب : " من وُلدَ في الإسلام فقرأ القرآن فله في بيت المال في كل سنة مائتا دينار ، إن أخذها في الدنيا، وإلا أخذها في الآخرة " ، وعن سالم بن أبي الجعد : " أنّ عليا فرضَ لمن قرأ القرآن ألفين ألفين " ، ومن الواضح أن هاتين الروايتين تحاولان إظهار مدى اهتمام علي بن أبي طالب بالقرآن ، وهو شيء بديهي ، على أن الروايتان تواجههما العديد من عوامل الضعف ، فأولاً اختلاف المقدار المفروض للقراء ما بين 200 دينار ، و2000 درهم (على الأغلب) ، إضافة إلى أن وجود هذه المكافأة لم يكن ليوجد أي مجال لتمرد القراء ، ثم ظهور الخوارج فيما بعد ، ويبدو أن هذه المروية كان تهدف إلى تبرير بعض ممارسات الخليفة الثاني عن طريق الإشارة بتطبيق علي بن أبي طالب لها، وهو أسلوب درجت عليه بعض المرويات في الأوساط السنية لمواجهة هجوم الشيعة على الخلفاء الثلاثة الأوائل .

[46] - د . إبراهيم بيضون - الإمام علي في رؤية النهج ورواية التاريخ – بيروت 1999 – ص 101 ، أبو الفرج الأصفهاني – م . س – ص 34 ، عز الدين بن الأثير – م . س – مجلد 3 ص 277 .

* نقل ابن أبي الحديد مروية هامة في هذا الصدد ، حيث ذكر أن معاوية بن أبي سفيان دفع أربعمائة ألف درهم لسمرة بن جندب كي يروي أن الآية القرآنية (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله) (البقرة / 207) نزلت في عبد الرحمن بن ملجم .

مرتضى العسكري – من تاريخ الحديث – كلية أصول الدين - قم 1424 – ص 102، 103.

[47] - يوليوس فلهوزن – م . س – ص 40 ، 41 .

[48] - م . س – ص 27 .

* لا يقصد من هذا الاستنتاج القضاء على القراء بصفة عامة فقد تواجدوا في الحرب ضد الحجاج بن يوسف الثقفي فيما بعد إلا أن تأثيرهم كان قد بدأ في التضاؤل ولم يعد لهم دور أكثر من كونهم مثيري الحماسة لدى الجماهير ، مع وجود فارق واضح بين قراء العراق في مرحلة ما قبل الإمام علي وبين قراءه بعد توليه الخلافة .

* وجود خلفيات إجتماعية للاجتهادات الدينية لا يعني كونها مجرد غطاء قشري خاصة فيما يتعلق بالدين الإسلامي والذي يقوم مشروعه بالأساس على الارتباط بين المعتقد وحركة تطور المجتمعات .