الجواب لان المفكر الجزائري الأصل الفرنسي الجنسية  والعقلية ركز في مشروعه الفكري  على خلع القداسة والتعالي  على القوانين البشرية  السائدة في المجتمعات الإسلامية منذ التاريخ الأول للإسلام ، وهو تقديس لا يزال يتخذ  له أحجاما  ضخمة من قبل الحركات الأصولية اليوم ،  ويشكل واحدا من المعضلات الكبرى في تخليص العقل الإسلامي  من أثارها السلبية .

يذهب أركون في دعوته لتجديد العقلية الإسلامية الى ان الخطاب ألقراني نفسه كثيرا  ما  دعا الى نزع القداسة  عن الآلهة الغريبة السابقة على الإسلام ، وتطهير المقدس  من كل أنواع الروابط أو الشرك  التي كان يمارسها الديني الوثني .

رحيل محمد أركون يعني نهاية أخر واهم المفكرين العرب الذين كرسوا حياتهم للبحث في الجذور والحفر عند الأصول ،  وفي مناسبة صدور كتابه المشترك ” من مانهاتن الى بغداد ” بالشراكة مع الكاتب والباحث الفرنسي ” جوزيف مايلا ”  والذي تدور أحداثه حول أوضاع العالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر قال أركون :” كوني مؤرخا للفكر الإسلامي  ، لا أزال اربط  بين الأوضاع التي نعاني منها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبين ما اسميه ب ” تاريخ الفكر الإسلامي ” فابحث عن الجذور التاريخية والعقائدية والفكرية والثقافية للأوضاع التي نشاهدها في المجتمعات  الإسلامية كافة ، ولا سيما المجتمعات العربية التي تنتمي الى حوض البحر  الأبيض المتوسط “، مشيرا بذلك الى  الثقافات الكبيرة الموجودة في تاريخ الفضاء المتوسطي .

لماذا كرس أركون مشروعه الفكري لإحياء العقل العربي وإعادة بث النهضة العقلية في جسد الأمة ؟

يصدمنا أركون في تحديده ان إحدى مشكلاتنا الأساسية في العالم العربي اليوم هي ان المواطنين العرب لا يقرؤون ولا يشاركون  في الجهود التي يبذلها الباحث المجتهد ليغير نظرتنا الى أنفسنا كأعضاء في مجتمعات وكمواطنين .

يفتح أركون جروح الجسد العربي  عبر تساؤلات  شرعية عن من تم تكليفهم  تدريس التاريخ مثلا ، وتدريس تاريخ الفكر والأدب في مدارسنا العربية ،  ويتساءل عن تأهيل المدارس والمعلم عندنا ،  ليس فقط في مرحلة الجامعة  بل في متابعته للقضايا المطروحة في المجتمع كافة أيضا .

ولان امة اقرأ لا تقرا ، فانه لذلك مهما أنتجنا من كتب ومهما اجتهدنا  في تقديم مادة غزيرة للجمهور العربي فإنا لا نصل الى نتيجة  ولهذا يوصي المفكر الراحل الكبير بحتمية طرح التساؤل : من يقرا  ؟ وماذا يقرا ؟ ومن يهتم بالاستفهام  عما يحصل في بلداننا للمساهمة مع الباحثين في تبليغ التلاميذ وشرح الرؤية لهم وتوضحيها .

من المسؤول عن حالة غياب العقل العربي التي يتشكى  منها البروفيسور أركون ؟

حتما ولابد ان الغالبية العظمى في عالمنا العربي والإسلامي ترى ان المسؤولية تقع على  الاستعمار الذي أراد لبلادنا ان تبقى في الظلام مرة والى الابد .

غير ان أركون يرى ان مثل هذا السؤال يردنا الى حالة ” التحليل السياسي ” ، ويكشف عن مفارقة مهمة في حياتنا الحاضرة  لابد وان نواجه أنفسنا  بشأنها ، فنحن ننتقد الدول الاستعمارية وننسى البعد الأخر ، أي ما يحصل في المجتمع المدني  .

ومما لا شك فيه ان مشروع أركون للحفر في جذور الانسنة الإسلامية ، كان ولابد ان يتقاطع حكما  وحتما  مع اشكالية الأصولية الإسلامية … كيف يؤصل الرجل لهذه الظاهرة وأسبابها ؟

 

يرى أركون وجوب ان نذكر  أولا  التزايد الديموغرافي أو السكاني الهائل الذي حصل في وقت قصير جدا ووسع بالتالي من القاعدة  السوسيولوجية  للأصوليين ، أو قل وسع من القاعدة الشعبية  للمخيال الاجتماعي المغذي من قبل الخطاب القومي للتحرير الوطني والمضاد للاستعمار أولا ،  ثم من قبل الخطاب الأصولي الذي تلاه  أو حل محله في السنوات الاخيرة ، فهذا الخطاب الأصولي أراد  تأسيس الهوية  من جديد  أو إعادة الاعتبار لها بعد ان خانتها النخبة المعلمنة التي حكمت البلاد بعد الاستقلال بحسب رؤيته .

ولا يوفر أركون ان هناك عوامل  خارجية لعبت دورا في إذكاء الأصولية الإسلامية وانتشارها ومنها قوله ” ان الحداثة الاقتصادية والتكنولوجيا الغربية  تمارس  ضغطا مستمرا على كل المجتمعات العربية والإسلامية  التي لم يتح لها ان تساهم في تشكيل هذه الحداثة . فهي لم تشارك  في أي مرحلة من مراحل إنتاجها  أو توليدها أو تسييرها .

وفي الواقع فان  جميع النخب السياسية  التي استلمت السلطة بعد الاستقلال – إلا نادرا –   لم تهتم بالتحديث العقلي أو الفكري الباحث عن المعنى والحرية ، وهكذا أدت هذه السياسة الى اختلال التوازن بين الحداثة المادية والتكنولوجية   من جهة ، وبين الحداثة الفكرية والعقلية  من جهة أخرى ،  ومع تزايد الأزمات الاقتصادية  والاجتماعية ، فشلت أنظمة الاستقلال في ان تقدم إجابات فاعلة فجاءت الأصولية لملء الفراغ الذي تسبب به فشل الأنظمة السياسية .

اميل أمين

هوامش: ١-٢-٢٠١٧