الصوفي والتصوف .. الزاهد والزهد ، تمثل التعبيرات السابقة حالة من التداخل والاختلاط في مفهوم التصوف العام ، حيث ينظر إليها الكثير من الباحثين كتعبيرات للدلالة على شأن واحد وهو الشأن الصوفي .

   إن هذا التصور المتأثر بالنظرة العامية للصوفية يستلزم البحث في المصطلح " التصوف " والاشتقاق " الصوفي " بالاضافة لعلاقتهما بالزاهدين والزهد وأسباب التداخل بين المصطلحين والاشتقاقين إلى درجة إعتبارهم معبرين عن مدلول واحد .

   ومن المثير للغرابة أنه لا يوجد حتى الآن تعريف واضح للتصوف ، بل أن القشيري وهو أحد كبار الصوفية المسلمين في القرن الخامس الهجري اعتبر أنه لا يوجد تعريف موحد للتصوف قائلاً : " فكل عبر عما وقع له "[1] . وينقل الشيخ عبدالمجيد محمود شيخ الجامع الأزهر السابق عن الحلبي أن تعريفات التصوف قاربت على الألف ، لكن الشيخ نفسه بعد استعراضه لأكثر من تعريف تبنى تعريف الكتاني الذي يقول : " التصوف : صفاء ومشاهدة "[2] ، معتبراً أنه يجمع كافة جوانب التصوف .

   ويبرر الباحث الإيراني قاسم غني هذا التنوع في تعريف التصوف : " التصوف أمر قلبي ، وهو من مقولة الأحاسيس الشخصية ، وكل واحد يعتبر التصوف هو ذلك الشيء الذي أدركه وأحس به ، ولا يمكن وصف حقيقة التصوف بتعريف عام جامع مانع يتفق عليه الجميع "[3] . وهو يقترب من تعريف أبو الوفا التفتازاني شيخ مشايخ الطرق الصوفية في مصر : " التصوف فلسفة حياة تهدف إلى الترقي بالنفس أخلاقياً ، وتتحقق بواسطة رياضيات عملية تؤدي إلى الشعور في بعض الأحيان بالفناء في الحقيقة الأسمى . والعرفان بها ذوقاً لا عقلاً ، وثمرتها السعادة الروحية ، ويصعب التعبير عن حقيقتها بألفاظ اللغة العادية لأنها وجدانية الطابع والذات "[4] .

   لقد ارتكز الباحث أحمد صبحي منصور على تعريف التفتازاني ليشن هجوماً غريباً على التصوف باعتباره معادياً للعقل ، كما حاول أن يفسر مصطلح " الذوق " بمعنى الهوى ليجعله مناقضاً للإيمان القائم على العقل حسبما يرى مستدلاً بتعدد التعريفات للتصوف (بلغت ألفاً لدى البعض) التي تشير إلى أهواء المعرفين ومداركهم في الأزمة المختلفة أكثر مما تشير لحقيقة التصوف ذاته[5] .

   الواقع أن الباحث يبدو كطالب ثأر في هذه المواجهة التي افتقدت العلمية وسعى فيها إلى فرض قناعاته الدينية كحقائق ثابتة يحاكم الآخرين بناء عليها ، وبالتالي فلم يسعى لتفسير السبب الذي من أجله جعل الهوى تعريفا للذوق ، بينما يدل كلاهما على معنى مختلف من حيث اللغة أو الاصطلاح لصوفي . فالذوق في اللغة يدل على آداب السلوك التي تقتضي معرفة ما هو لائق أو مناسب من الناحية الإجتماعية ، والذوق العام هو مجموعة تجارب الإنسان الذي يفسر على ضوئها ما يحسه أو يدركه من الأشياء[6] ، فالذوق إذن يرتبط بالإدراك المعتمد على التجربة ، والإدراك ذاته في بعض معانيه يشير إلى بلوغ العلم أقصاه[7] ، مما يعني أن الذوق هو الوصول للعلم عبر التجارب الشخصية . ومعنى الذوق في التصوف لا يختلف كثيراً ، فهو يعني نور عرفاني يقذفه الحق في قلوب أوليائه ، يفرقون به بين الحق والباطل من غير أن ينقلوا ذلك من كتاب أو غيره ، وأهل الذوق من تكون أحكام تجلياتهم نازلة من مقام أرواحهم وقلوبهم إلى مقام نفوسهم وقواهم ، كأنهم يجدون ذلك حساً ويدركونه ذوقاً ، ويلوح ذلك من وجوههم[8] . وبديهي أن هذا النور لن يحصل عليه الصوفي إلا بعد مرحلة من تزكية النفس والعبادة تعبر عنها رابعة العدوية بقولها : " ما عبدته خوفاً من ناره ، وحباً في جنته ، فأكون كالأجير السوء . بل عبدته حباً وشوقاً إليه "[9] . فالذوق الصوفي هو إدراك للحقائق غير المادية ، ولذلك هي تتجاوز جدليات العقل وقدرته على الاستدلال .

   أما الهوى فيعني من ناحية اللغة في بعض معانيه العشق ، الميل ، ويعني أيضاً ميل النفس إلى الشهوة ، الانفلات من الضوابط أو الميل في العقيدة لما يجانب الصواب[10] . وفي التصوف يعني ميل القلب بالكلية إلى وجهة المحبوب ، والإعراض عما سواه وتجريد القصد له في كل حين ، وصرف الهمة إليه[11] ، ويقول عبدالمنعم الحفني : " ولا يصح الاتصاف بالهوى إلا لمن خرج عن هواه وآثر طاعة حبيبه على ما سواه . وطاعة الحق هي أعلى الطاعات ، وهي التي تخالف ميل النفس إلى مقتضيات الطبع ، فكأن الهوى نوعان: الهوى الرباني والهوى الإنساني: والأول يميل بصاحبه إلى الجهة العلوية ، والثاني يميل به إلى الجهة السلفية "[12] .

   لا يوجد مجال للجمع بين المصطلحين إذن سواء من الناحية اللغوية أو من ناحية الاصطلاح الصوفي ، إلا بناء على مزاجيات أحمد صبحي منصور وعدوانيته غير المفهومة تجاه التصوف . كما لا توجد مشكلة حقيقية أو عداء بين التصوف والعقل حسب دعواه ، وخاصة في شقه الفلسفي ، إنما المشكلة قائمة بالأساس بين الهدف الذي يسعى إليه الصوفي وهو معرفة الله ، وبين المنهج العقلي القائم على الاستدلالات المادية الجدلية ، وبمثل ذلك أجاب الامام النوري : " قيل للنوري: بما عرفت الله ؟ فقال بالله ، فقيل: فما بال العقل ؟ قال العقل عاجز لا يدل إلا على عاجز مثله "[13] . والنوري هنا يشير إلى إقتصار العقل على المدركات المادية الناقصة ، أو ما يسميه الصوفية العقل المعاش وهو النور الموزون بالقانون الفكري ، فهو لا يدرك إلا بآلة الفكر . لكن هناك نوعين آخرين من العقل يؤمن بهما الصوفية ، العقل الأول: وهو أول تفصيل الإجمال الإلهي والذي قال فيه النبي : " أول ما خلق الله تعالى العقل " ، فهو أقرب الحقائق الخلقية إلى الحقائق الإلهية . والثاني هو عقل الكل: وهو المدركة النورية التي ظهرت بها صور العلوم المودعة في العقل الأول[14] . ويرى الصوفية أنه لا يمكن إدراك الحقائق الإلهية إلا بالعقل الأول ، بينما يمكن لغير المؤمنين أن يمتلكوا القدرة على الوصول لمرحلة العقل الكل ، فيكتشفون أسرار الطبائع والأفلاك ويذهبون لعبادة هذه الأشياء معتبرين أنها هي الفعالة والآلهة[15] .

   إن اختلاف تعريفات التصوف لا يعود لكونه هوى بالمعنى الذي قصده أحمد صبحي منصور ، وإنما لكونه تجربة شخصية بالأساس ، فهو ليس علماً أو ديناً يقوم على أسس وتشريعات محددة ، وإنما هو تجربة يسعى المتصوف من خلالها إلى : " الفناء في الحقيقة الأسمى ، والعرفان بها " كما يقول التفتازاني ، ومثل هذه التجربة فردية للغاية ونتائجها تكون فردية كذلك ، ومحاولات التعبير عنها تتنوع بحسب إدراك كل صوفي على حده .

   لقد كان الخطأ الأساسي الذي وقع فيه أحمد صبحي منصور ، هو إصراره على محاكمة التصوف كعلم يجب أن يكون له تعريف وقواعد ثابتة ، في حين أن واقع التصوف أنه " حالة " وإن كانت مبنية على الإرادة والرياضة كما يقول الشيخ عبدالمجيد محمود : " والصوفي : عابد ، وهو زاهد ، وهو على خلق كريم . ولكنه يتجاوز ذلك كله إلى شيء آخر ، وهو هذه (الإرادة والرياضة) "[16] .

   وعلى الرغم من تعدد التفسيرات لمعنى التصوف ، فالحقيقة أنها بكل كثرتها تحوم حول أوجه تذكية النفس ومعرفة الخالق بشكل عام بحيث يمكننا بالفعل الاتفاق مع الشيخ عبدالحليم محمود في شمولية تعريف الكتاني له : " التصوف صفاء ومشاهدة " .

   إن هذه الحيرة التي رغب المخالفين للتصوف في إصطناعها كمحاولة للحط من شأنه ، فيما يتعلق بتعريفه ، إمتدت كذلك إلى الاشتقاق الذي نشأ منه اللفظ ، حيث استعرض المستشرق الإنجليزي نيكلسون في كتابه عن التصوف أكثر من مصدر لهذا الاشتقاق مثل : الصفاء ، أو الكلمة الإغريقية سوفوس ، لكنه في النهاية تبنى رأي المستشرق نولدكه الذي عرضه عبر مقال نشر سنة 1894 أن الكلمة مشتقة من الصوف ، وأنها كانت في الأصل موضوعة لزهاد المسلمين الذين تشبهوا برهبان النصارى في إرتدائهم غليظ الصوف ، دليل ندمهم على ما أسلفوا ، وعلى إطراحهم متاع الحياة الدنيا[17] .

   من ناحية أخرى تبنى الباحث أحمد صبحي منصور بعد مناقشة للاشتقاقات المحتملة لهذا اللفظ ، المصدر اليوناني والذي يرجع لفظ صوفي إلى الكلمة اليونانية صوفيا ، مستدلاً بتأثر المتصوفة المسلمين بالمسيحية اليونانية[18] .

   وعلى الرغم من وجاهة كلا الرأيين ، إلا أن التشابه اللفظي بين كلمة صوفيا اليونانية والتي تعني الحكمة ، وبين صوفي العربية لا تعني بالضرورة كونها علاقة الاشتقاق الوحيدة ، خاصة أن الدكتور أحمد صبحي منصور ذاته يثبت بوضوح وجود خلفيات أخرى للتصوف غير مسيحية وغير يونانية[19] .

   في كتابه " الصلة بين التصوف والتشيع " يشير كامل مصطفى الشبيبي إلى العلاقة بين العالم جابر بن حيان وبين التصوف على اعتبار ما وصفه به ابن النديم ، وبغض النظر عن مدى دقة هذا الوصف لجابر بن حيان بكونه " صوفياً " فإن الدكتور الشبيبي قدم ملاحظة بأن التصوف في عهد جابر بن حيان ، قد ارتبط بمظهرين ، أولاً الزهد وإرتداء الصوف ، وثانيا الاهتمام بعلم الكيمياء ، التي نقلها العرب من الحضارات السابقة كاليونانية والمصرية والفارسية ، وهو ما ميز كل من ذو النون المصري وعثمان بن سويد مما يشير إلى أن الاشتقاقين قد يكون لهما دور في تحديد مسمى الـ " الصوفية "[20] .



[1] أحمد صبحي منصور . العقائد الدينية في مصر المملوكية بين الإسلام والتصوف . الهيئة المصرية العامة للكتاب . القاهرة 2000 . ص13، 14 .

[2] عبدالحليم محمود . قضية التصوف .. المدرسة الشاذلية . دار المعارف . القاهرة 2013 . ص 438 .

[3] أحمد صبحي منصور . م . س . ص13، 14 .

[4] م . س . ص 14 .

[5] م . س . ص 16 .

[6] معجم المعاني الجامع . مادة ذوق . موقع http://www.almaany.com/ بتاريخ 24/4/2014 .

[7] م . س . مادة أدرك . بتاريخ 24/4/2014 .

[8] عبدالمنعم الحفني . المعجم الصوفي . دار الرشيد . القاهرة 1997 . ص 100 .

[9] عبدالحليم محمود . م . س . ص 429 .

[10] معجم المعاني الجامع . مادة هوى . م . س . بتاريخ 24/4/2014 .

[11] عبدالمنعم الحفني . م . س . ص 253 .

[12] م . س . ص 253 .

[13] م . س . ص 176 .

[14] م . س . ص 176، 177 .

[15] م . س . ص 177 .

[16] عبدالمجيد محمود . م . س . ص 430 .

[17] ر.أ.نيكلسون . الصوفية في الإسلام . ترجمة وتعليق / نور الدين شريبة .طبعة مكتبة الأسرة . القاهرة 2012 . ص11، 12 .

[18] أحمد صبحي منصور . م . س . ص 19 .

[19] م . س . ص 20 ، 21 .

[20] كامل مصطفى الشبيبي . الصلة بين التصوف والتشيع . طبعة دار الأندلس . بيروت 1982 . ج 1 ص 202 ، 204 .