محمد اركون

اما عن مفهوم التراث لدى محمد اركون فإنه يرى بإننا لو قمنا بدراسة سوسيولوجية لتطبيق الشريعة في المجتمعات العربية الأسلامية لتبين ان هناك ثلاث طبقات ليست متراتبة فوق بعضها وأنما في حالة تفاعل متبادل داخل التراث الأسلامي . وهذه الطبقات هي :

 1 – طبقة "المستوى العميق" المتمثلة بالقاعدة الثقافية والتقاليد العرفية السابقة بكثيرعلىالأسلام ولكي ندرسها جيداً ينبغي ان نستخدم منهجية التحري الأتنولوجي ومنهجية التفسير الأنتروبولوجية.

2 – طبقة مستوى " الصريح المعروف " بحسب لغة القانون الأسلامي الذي يحيلنا الى " المعاش الضمني " المعقد بسبب علاقاته مع المستوى الأتنولوجي مثل مكانة المرأة ما قبل الأسلام ومع ظهوره .

3 – طبقة المستوى المتمثل بالقوانين التشريعية الحديثة التي تتعايش مع الطبقتين السابقتين ضمن ظروف متغيرة حسب البلدان مثل عملية الختان للمرأة التي ما زالت تحصل في السودان ومصر رغم وجود الشريعة المناهضة لهذا الفعل.

وبرأي اركون ان" كل ممارسة او فكر جديد لم يصدَق عليه التراث ينبغي ان يرفض بأسم البدعة ".([1])

ولكن الأشكالية الكبرى هي ان تنوع الشعوب التي اعتنقت الأسلام قد خلقت حالات جديدة ومستحدثة لم يكن منصوص عليها لا في القرأن ولا في الحديث ، ولكي يتم دمجها في التراث كان على المعنيين ان يصدَقوا عليها وأن يقدسوها بواسطة حديث النبي او بواسطة تقنيات المحاجة او القياس .

وهكذا دخل على التراث الأسلامي الكثير من البدع والتي اصبحت مع مرور الزمن وكأنها جزء اساسي من التراث .

وهذا يعني برأي اركون ان " هناك اتجاه سلفي اسطوري وأتجاه ابداعي عقلاني عملي . اما الأتجاه الأسطوري ، فإنه يفرض على العقول تصوراً ووظائف للتراث ( وكان يعبر عنه المسلمون بالسنة النبوية والأصول الدينية والفقهية والحديث )، وأتجاه ابداعي عقلاني استكشافي يتمثل في العلوم العقلية والنظم السياسية والنشاط التجاري والحرف الفنية ".([2])

من هذا المنطلق اصبح المسلمون امام اربعة خطابات متنافسة :([3])

1 – الخطاب الأسلامي الحالي الذي يحاول ان يسيطر بواسطة قوة التجييش السياسي وبسبب انتشاره الواسع سوسيولوجياً وبسيكولوجياً .وينغرس هذا الخطاب في البعد الأسطوري للتراث .

2 – الخطاب الأسلامي الكلاسيكي الذي يقرأ التراث من داخل مجموعات نصية موثوقة او صحيحة .

3 – الخطاب الأستشراقي الذي يعتمد منهجية النقد الفيلولوجي والتاريخي الذي تغلب عليه النزعة التاريخاوية والوضعية الخاصة بالقرن التاسع عشر .

4 – الخطاب الذي تستخدمه علوم الأنسان والمجتمع والذي يهدف الى اعادة النظر في الخطابات الثلاثة السابقة من اجل الكشف عن الأسئلة المطموسة فيها والمرمية في دائرة المستحيل التفكير فيه ودائرة اللامفكر فيه .

وبذلك خطا نقد الفكر العربي والإسلامي بصفة عامة عند أركون خطوات نحو إقامة قطيعة معرفية مع الكتابات الإيديولوجية التي قرأت التراث،وذلك بإرساء أسس المـناهج الغربية كتقنيات إجرائية تساعد على بتر الصلة مع التيارات السلفية العربية والثقافة السائدة ، بغية إقامـة منهـج علـمي حديث يتجـاوز نـظام الفكر المؤسس،وذلك لتحقيق التغييرالاجتماعي والفكري على حد السواء.

ولقد استوجب انجاز هذا المشروع من اركون اجراء تمييز بين اربع عمليات من التفكيرهي :

-         الفكر المنتج و"تمتد المرحلة المنتجة للفكر العربي من ظاهرة القرأن الى القرن الخامس الهجري . ولا اعني بهذا التحديد الزمني ان الفكر العربي  لم يوجد ولم ينتج قبل ظهور القرأن وبعد القرن الخامس ، ولا اقصد البتة المقابلة الجدلية الخيالية الشائعة بين الجاهلية والأسلام من جهة والعصر الذهبي والأنحطاط من جهة أخرى " . ([4])

-         الفكر المستغِل أي الذي استغل العلوم والمعارف الموجودة في البيئات الثقافية التي ساد فيها الأسلام في القرون التكوينية الإنشائية ."فالفكر المستغِل له ديناميكية خاصة لأنه خضع لدوافع تايخية واجتماعية قوية وبقي في الوقت نفسه متصلاً بنماذج الفكر المنتج".([5])

-         الفكر المستهلك وقد تفوق على الفكر المستغل اعتماداً على الكتب الجامعة للحديث  (مسند ابن حنبل والصحيحين للبخاري ومسلم والكافي للكليني ...الخ ) ،"كل هذا النشاط التدويني التصنيفي مهد السبيل لأنتصار الفكر المقلد الأستهلاكي للتراث على الفكر الأستغلالي".([6])

ويمتاز الفكر الأستهلاكي بالأغفال عن العلوم العقلية وخاصة الفلسفة وأختيار عناصر العلوم الدينية ليضعها في مختصرات خاصة بكل مذهب ( كمختصر الخليل في الفقه المالكي ، او الفية ابن مالك في النحو ، او كتب السيوطي في علوم مختلفة ).

-         الفكر الدارس والمبلغ خاص بعصر النهضة وعصرنا الراهن ،"ذلك ان الفكر العربي الأسلامي اصطدم لأول مرة في تاريخه بالعدائية الغربية ".([7])

 

وبذلك يتبين لأركون ان للتراث اربعة جوانبمتلازمة([8] ):

-         جانب ما فكر فيه( أي ما وصلنا من مؤلفات وأثار )

-          جانب ما يمكن التفكير فيه ( التراث المكتوب والشفهي )

-          جانب ما لايمكن التفكير فيه وهو قسمان : عالم الغيب والأيديولوجيا

-         جانب ما لم يفكر فيه بعد ( المخطوطات المنتشرة في العالم والتي لم يتم تحقيقها بعد)

ثم ينطلق محمد أركون نحو نقد الإسلاميات الكلاسيـكية ( الاستشراق) الـتي يـرى بأنـها تناولت الفكر العربي الإسلامي تناولا خارجيا وظيفيا لا يتعدى حدود الدراسة الشكلية البحتة ، فهي لم تدرس ذلك الفكر من خلال عملية انخراط ابستمولوجي كاملة بــهدف الــوصول إلى مكامن الضعف في الثقافة العربية الإسلامية، وإيجـاد الحلول المناسبة لتخطيها, وإنما كـــان هدفها هو تثبيت مـركزية الفكر الغربي.

وبرأي اركون أن منهجية الاستشراق لا تؤدي في معظم الأحيان إلى تعرية الـمشاكل وآليات الهيمنة والتسلط السائدة في المجتمعات العربية الإسلامية بل تبدو في معظم الأحيان متواطئة مع الأرثوذوكسية والـفئات المهيمنة داخـــل هـــذه المجتمعات بالذات، فهي باختصار لا تـؤدي إلى تحرير الفكر وهو آخر شيء تفكر فيه.

فــدراسة الــموروث الفكري العربي من قبل المستشرقين حجب الكثير من التفاعلات الفكرية العربية وسار بالـموروث في اتجاه المـوقف الإخــباري ،لأن الباحـــث الغربي حــرم الفكر العربي و الإسلامي من الدراسة العلمية القائمة على أساس تطبيق الإجراءات المنهجية الحداثية كالألـــسنية والأنتروبولوجيا والتفكيكية وغيرها من الإجراءات العلمية، التي تساعد على كشف حـــقائق الـفكر الـــتراثي العربي الإسـلامي وتساهم فـي تغيير واقـعه الفكري المتأزم. فلقد اكــتفى الباحث الغربي بسجن التراث في إطار الاثنوغرافيا (الـنظرة الفولكلورية الإحتـقارية) كمنهج للدراسة .

ان اهمية مشروع اركون تكمن في انه يسعى إلى تحليل الواقع الفكري والاجتماعي بعيدا عن سلطة السياج الـدوغمائي المغلق  وذلك بتطبيق مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية والتي يعتبرها وسيلة ناجعة لإبطال مــقولة أن الـتراث هو ذلك الـمعطى الفكري المكتفي بذاته،والذي نستطيع توظيفه في واقعنا المعاصر لحل أزماتنا الفكرية الراهنة،ولذلك يـحــاول اركون الـــنفاذ إلى عمـــق المشكلات من خلال عملية انخراط ابستيمولوجي كاملة.

ومن خلال نقد العقل العربي والإسلامي يحاول أركون صياغة الموقف الإشكالي العام، والذي يتمثل في تلك العلاقة القائمة بين التراث والحداثة فهذه الإشكالية حظيت طيلة سنوات كثيرة باهتمام كبير من قبل النقاد والمفكرين، الذين ترصدوها منذ عصر النهضة إلى يومنا هذا، و قد صيغت هذه الإشكالية بطرق مختلـفة أدت إلى ثـــراء الساحـــة الــنقدية والفكرية بالكثير مــن المواقف المختلفة والمتضاربة في أغلب الأحيان، ويحاول أركون حل هذه الإشكالية من خلال إرساء (وعي تاريخي) الذي أحله محل التفسيرات اللاهوتية والأسطورية بهدف ان يكتسب الـــفكر العربي الإسلامي بعدا علميا أكثر . ولهذا نجد اركون في هذا الصدد يميز بين مصطلحين متقاربين (الحداثة و الــتحديث) ،ويرى بأن هذا الأخير (التحديث) مــــقتصر فقط على تطبيق المناهج الغربية والفكر الـــغربي بطــريقة آلية على الواقع الفكري الإسـلامي العربي دون أي خلق أو محاولة تعديل، أما الحداثة التي يعــــنيها اركون فهي التي تتخطى حـدود الزمن و تلغي حواجزه لأن الحداثة أكبر من أن تــــؤطر بسياج التاريخ فـهي موقف للروح أمام مشكلة المعرفة .

يعتقد محمد أركون أن التراث الإسلامي- منذ انبثاقه في لحظاته التأسيسية الأولى- لم يعالج ضمن إطار التحليل والفهم النقدي ، والذي من شأنه أن يزيح اللثام عن المنشأ التاريخي للوعي الإسلامي وتشكل بنيته. والحال أن كل ما أنتج في فترة ما يسميه أركون بالعصر التدشيني قد انصب كله على النص الديني، ففي "هذه الفترة ظهرت علوم الفقه وعلوم الشريعة…الخ، ودخلت الفلسفة إلى البيئة الإسلامية، وحاول جل الفلاسفة الجمع ما بين العقل الديني والعقل الفلسفي عبر تأويل النص الديني" .([9])

إن تعامل أركون مع النص القرآني- وهو النص المؤسس للثقافة العربية الإسلامية- يقوم أساسا على إعادة النظر في قداسته، والكشف عن آليات تعاليه، من خلال البحث في طبيعته اللغوية، ومشروطيتهالتاريخية، وكيفية تكونه انتروبولوجياًوصولاً الى مرحلة استقراره على الصورة التي هو عليها اليوم. فما يهم أركون ليس النص كوحي إلهي، وإنما يهمه الخطاب القرآني المنزل وفق حركة عمودية مجسدة في لغة بشرية شفوية في البداية، ثم مكتوبة بعد ذلك.

يعتقد أركون بأنه ليس بإمكاننا بلورة معرفة علمية تجاه التراث الإسلامي - الذي يشكل النص الديني أحد ركائزه- إلا إذا أقحمنا المناهج التي ظهرت في حقل علوم الإنسان والمجتمع، فاللجوء إلى هذه العلوم يساعدنا على تجاوز كل من المنهجية الإيديولوجية والمنهجية الوصفية السردية، لكي نسلط الضوء على منهجية نقدية وتفكيكية قادرة على تعرية التراث الإسلامي في جميع مستوياته، وتمكننا من استحضار العديد من الأشياء المنسية، والتفكير في كل ما لم يفكر فيه بعد، وفتح أضابير المستحيل التفكير فيه، ومن ثم معرفة الكيفية التي تشكل عبرها العقل الإسلامي في جل المراحل التي قطعها، لكن القرآن، حتما، هو المرحلة الاولى، لذلك يدعونا أركون إلى التركيز وإعطاء أهمية قصوى لهذه المرحلة باعتبارها البداية والأساس، لأن فهم الأمور لا يتم إلا إذا فهمنا ما حصل في البداية.
يتوخى أركون من تطبيقه للمنهجية النقدية دراسة الظاهرة القرآنية في شموليتها، من «خلال تطبيق التحليل الألسني، والتحليل السيميائي الدلالي، والتحليل الاجتماعي أو السوسيولوجي، والتحليل الأنثروبولوجي، والتحليل الفلسفي، وعلى هذا النحو نحرر المجال لولادة فكر تأويلي جديد للظاهرة الدينية، ولكن من دون أن نعزلها أبدا عن الظواهر الأخرى المشكلة للواقع الاجتماعي- التاريخي الكلي».([10])

والعلاقة ما بين ادوات التحليل التي يعتمدها اركون، أي اللغة والتاريخ والأنتروبولوجيا ،هي علاقة جدلية شبيهه بدائرة تعيدنا الواحدة الى الأخرى اياً تكن نقطة انطلاقنا  في البداية .

محمد أركون (1928 - 14 سبتمبر 2010 م[1]مفكر وباحث أكاديمي ومؤرخ جزائري راحل.



[1]- محمد اركون : الفكر الأسلامي نقد واجتهاد ، ص 108

[2]- محمد اركون : التراث وتحديات العصر ، ص 158 – 159

[3]- محمد اركون : الفكر الأسلامي قراءة علمية ، ص 17 - 18

[4]- محمد اركون : التراث وتحديات العصر ، ص 158

[5]- المرجع السابق ، ص 160

[6]- المرجع السابق ، ص 161

[7]- المرجع السابق ، ص 162

[8] - المرجع السابق ، ص 166 - 167

[9] - محمد اركون : تاريخية الفكر العربي الأسلامي ، ص 21

[10]- محمد اركون :القرأن من التفسير الموروث الى تحليل الخطاب الديني ، ص 70

 

الدكتور مهدي شحادة رئيس المركز العربي الاوروبي في لبنان