ليس غريبًا أن تكتسب المطالبة بالإصلاح الديني في الإسلام طابعًا موسميًا أو انتقائيًا في الخطاب الرسمي الإقليمي والدولي، إذ أولويات الحكومات الغربية مصالح اقتصادية وسياسية وأمنية، والأنظمة المحلية الإمساك بالسلطة. وإذا كان هذا الواقع ينعكس على حضور تلك المطالبة وغيابها في وسائل الإعلام بل وحتى على المنابر الأكاديمية المتأثرة بسياسة السلطة، فإن أوضاع العالم العربي المأسوية تفرض طرح المسألة بإلحاح، نظرًا إلى تنامي الأصولية ودور العامل الديني في النزاعات الإقليمية الدائرة. ومن البديهي أن يُنظر إلى موقف المرجعيات الدينية من الأمر.  

يمكن كلمات الإمام الأكبر أحمد الطيب التي ألقاها في مؤتمرين دوليين استضافهما الأزهر الشريف، الأول في أواخر شباط بعنوان "الحرية والمواطنة، التكامل والتنوع"، والثاني في أواخر نيسان بعنوان "مؤتمر السلام العالمي"، أن تفيد موضوعنا، على أقله في ما خص الأزهر وما يمثّله.

يتّخذ شيخ الأزهر في كلمته الافتتاحية في المؤتمر الأول (نشرها موقع "اليوم السابع")، موقفًا دفاعيًا فيدحض اتهام الدّين، وبوجه خاص الإسلام بأنه مصدر الحروب والعنف الذي يضرب أكثر من بلد في الشرق والغرب، قبل أن ينتقل إلى الكلام على مفهوم المواطنة. فيُعزي أسباب المآسي الجارية إلى عدم فهم رسالة الأديان فهمًا صحيحًا، الأمر الذي يسمح "لسماسرة الحروب وتجار الأسلحة، ومنظّري فلسفات الاستعمار الجديد، بتوظيف قلّة تخطف النصوص المقدسة". لذا، وإن كانت الإسلاموفوبيا حاليًّا تحاكم الإسلام وحده وتهمل المسيحية واليهودية "رغم اشتراك الكل في عريضة اتهام واحدة، وقضية واحدة هي قضية العنف والإرهاب الديني"، فإنها ظاهرة ستنال عاجلاً أو آجلاً من المسيحية واليهودية، لأن المتربصين "بالأديان من الملحدين والمعلنين موت الإله والمروجين للفلسفات المادية والآتين من أقبية النازية والشيوعية...والعاملين على إحلال العولمة محل القوميات...كل هذه الدعوات وغيرها كثير، قادمة بقوة". وفي ضوء هذا التحدي، تبرز أهمية "النزول بمبادئ الأديان وأخلاقياتها إلى هذا الواقع المضطرب".

وعندما يأتي الكلام على المواطنة، يشدد شيخ الأزهر على استخدام هذه اللفظة عوض "الأقلية والأقليات"، بالاستناد إلى قرار نبي الإسلام "المساواة بين المسلمين من مهاجرين وأنصار، ومِن يهود ... بحسبان الجميع متساوين في الحقوق والواجبات، وقد حفظ لنا تراث الإسلام في هذا الموضوع وثيقة مفصلة في شكل دستور لم يعرفه التاريخ لنظام قبل الإسلام". وفي الاتجاه عينه، تمّ التأكيد في البيان الختامي للمؤتمر المذكور الذي تلاه شيخ الأزهر نفسه (نشره موقع "مصر العربية") على أنّ "مصطلح المواطنة أصيل في الإسلام، وقد شعّت أنواره الأولى من دستور المدينة". كما وأنّ "تبنّي مفاهيم المواطنة والمساواة والحقوق يستلزم بالضرورة إدانة التصرفات التي تتعارض ومبدأ المواطنة، من ممارسات لا تقرّها شريعة الإسلام". وفي ضوء هذه المتطلبات، يتضح دور "الدولة الوطنية الدستورية القائمة على مبادئ المواطنة والمساواة وحكم القانون" لتقوية التماسك وتعزيز الإرادة المشتركة. ولا يهمل البيان الختاميّ مسألة محاكمة الإسلام وربطه بأعداء الأديان عمومًا، فيشير إلى أنّ تلك المحاكمة "بسبب التصرفات الإجرامية لبعض المنتسبين إليه يفتح الباب على مصراعيه لوصف الأديان كلها بصفة الإرهاب؛ مما يُبرّر لغلاة الحداثيين مقولتهم في ضرورة التخلّص من الأديان بذريعة استقرار المجتمعات".

في الكلمة الافتتاحية في "مؤتمر الأزهر العالمي للسلام" (نشرها موقع صحيفة "الوطن" المصرية)، يرى شيخ الأزهر أن السلام في الإسلام يقوم على إقرار القرآن بالاختلاف "بين الناس دينًا وعقيدة ولغة ولونًا"، وهذا يرتّب حكمًا الحق في "حرية الاعتقاد". وبالتالي، يصبح إطارَا الحوار والتعارف أساسيّين في علاقة الناس بعضهم ببعض. وإذا كان الإسلام قد لجأ أحيانًا إلى الحرب، فليس ذلك "تحت بند الكفر، بل تحت بند العدوان". فالإسلام "دين سلام وليس دين عدوان...فكيف يصحّ في الأذهان وصفه بأنه دين الإرهاب؟...وإذا قيل: لا تحاكموا الأديان بجرائم بعض المؤمنين بها، فلماذا لا يقال ذلك على الإسلام؟ ولماذا الإصرار على بقائه أسيرًا في سجن الإسلاموفوبيا ظلمًا وبهتانًا وزورًا؟".

وفي كلمة المؤتمر المذكور الختامية (نشرها موقع "اليوم السابع")، يلقي شيخ الأزهر ثانية بمسؤولية المآسي الجارية على "تجارة السلاح وتسويقه... والإثراء الفاحش من صفقات مريبة، تسبقها قرارات دولية طائشة". بل وثمّة سبب آخر لفقدان السلام العالمي يتمثّل بتجاهل "الحضارة الحديثة الأديانَ الإلهية، وقيمها الخلقية الراسخة التي لا تتبدل بتبدل المصالح والأغراض، والنزوات والشهوات، وأوّلها قيمة الأخوة". لذا، فليس من حلّ "إلاّ في إعادة الوعي برسالات السماء، وإخضاع الخطاب الحداثي المنحرف لقراءة نقدية عميقة تنتشل العقل الإنساني مما أصابه من فقر الفلسفة التجريبية وخوائها، وجموح العقل الفردي المستبد وهيمنته على حياة الأفراد". وفي سياق الكلام على السلام أيضًا، يشدّد شيخ الأزهر مرة أخرى على ضرورة "تنقية صورة الأديان مما علق بها من فهوم مغلوطة، وتطبيقات مغشوشة وتديّن كاذب يؤجج الصراع ويبث الكراهية ويبعث على العنف. وألا نحاكم الأديان بجرائم قلة عابثة من المؤمنين بهذا الدّين أو ذاك، فليس الإسلام دين إرهاب بسبب أن طائفة من المؤمنين به سارعوا لاختطاف بعض نصوصه وأوّلوها تأويلاً فاسدًا...وليست المسيحية دين إرهاب بسبب أن طائفة من المؤمنين بها حملوا الصليب وراحوا يحصدون الأرواح...وليست اليهودية دين إرهاب بسبب توظيف تعاليم موسى...في احتلال أراضٍ".

يُستنتج أمران أساسيَّان من كلمات شيخ الأزهر الدفاعية: الأمر الأول، تأتي المآسي الراهنة بسبب قلَّةٍ تُفسِّر النصوص المقدسة تفسيرًا خاطئًا، وتجار السلاح، والفلسفات والأيديولوجيات المعادية الأديان، وإقصاء أخلاقيات الأديان، والسياسات الطائشة؛ والأمر الثاني، الانطلاق من المفاهيم الإسلامية للكلام على المواطنية والتعددية والسلام والدولة الدستورية. في ما خص الأمر الأول، مع التسليم بصواب ما جاء فيه، يُلاحظ غياب الكلام على مظالم الأنظمة التسلطية التي كانت في أساس ما بات يُسمّى بثورات أو انتفاضات الربيع العربيّ؛ وفي ما خصّ الأمر الثاني، يُلاحظ غياب الكلام على الديموقراطية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وباختصار على عناصر الدولة الحديثة. وفي الحالتَين، يُلاحظ غياب أي توجه لمراجعة الخطاب الأزهري التقليدي مراجعة نقدية في ضوء التطورات ومتطلبات الحداثة. ولكن هل يمكن الدّين أن يأتي بأي جديد من دون هذه المراجعة؟

لا يزال الخطاب المذكور يراوح عمليًّا في إطار الإصلاح التقليدي ومن وجوهه محمد عبده ورشيد رضا وعبد الرحمان الكواكبي وغيرهم. فهذا الإصلاح يتخذ موقفًا دفاعيًا إزاء حداثة الغرب بل ورافضًا إياها، يرافقه أحيانًا شعور بالإهانة والدونية. ويُعزي آفات المجتمعات الإسلامية إلى وهن التمسك بأخلاقيات الدّين وأحكامه، ولا يرى طريقًا يؤدي إلى التطور والازدهار إلا بزيادة دور الدّين في حياة الأفراد والمجتمعات، ولا يفرق بين الدّين والدولة لأنّ مثل هذه الخطوة تضع شمولية الدّين موضع تساؤل. ولكن لن يكون أي تطوير للدّين والمجتمعات من دون نقد هذا الإطار التقليديّ. ولا عجب، والحال هذه، أن ينتهي "الربيع العربي" حيث بدأ.

يزخر الوسط الإسلامي بإصلاحيين غير تقليديين يفكرون انطلاقًا من أوضاع الشعوب وحاجاتهم، والدولة وبنيتها، وليس انطلاقًا من الدّين. ومقاربتهم صائبة، لأن الدّين يتخذ فيها مكانته السليمة ألا وهي تحسين حياة الناس والارتقاء بها، وليس أقلمة حياة الناس مع ما يبدو حاجات الدّين. يشجع هؤلاء على تفاسير حديثة للنصوص المقدسة، ولا يجدون ثمة ضرورة لتمجيد الماضي، ولا يجدون ثمة خيانة للدّين في تبني المبادئ الديموقراطية التي تفترض ضمنًا التعددية الفكرية القائمة على نقاش يُثيره الشك والاعتراض والبحث. ولكنهم لا يزالون خارج المؤسسة الدينية وخارج برامجها التكوينية، وقلما يُعطى بعضهم فسحة للتعبير عن آرائه في بعض المؤتمرات. ولكن يبقى الأمل بأن يعطي الأزهر مكانة لأصحاب هذا الفكر بدءًا بإعادة قراءة نقدية ضمن البرامج التكوينية لطه حسين وعلي عبد الرازق ونجيب محفوظ، وصولاً إلى فرج فوده.

 

الاب صلاح ابوجودة

النهار: ١٠-٨-٢٠١٧