ذلك يعني ان البيئة التي تعصفُ بها الأزمات, هي من وجه معيَّن, بيئة سلبيّة دفعها الإختصام بين ساكنيها الى جعل التّحاور سبيلا" الى المصالحة ولمَّ الشّمل.
الشيء نفسُهُ يسري أيضا" على منطق التحاور في بيئات حضاريّة ودينيّة , وبين دول ومجتمعات لها تحيّزاتها المعرفيّة والايديولوجيّة وشبكة المصالح التي تؤلَّف بين أبنائها . 
في مقام حوار الاديان الذي يشهدُ حساسية خاصة اليوم ,تبدو الصورة الإشكالية ذات بعد معرفّي من الدرجة الاولى . .فلو دخلنا في تأصيل هذا البعد لوجدنا انّ من لوازم الحوار المؤسّس على العقلانيّة الدينيّة  اقتران الإيمان بالمعرفة. فلا يستوي مثل هذا التّحاور ، ما لم تتلازم هاتان القيمتان لتغدوا معا" أساس كُلّ لقاء. كل منهما تُسدّد الأُخرى وتؤيّدها بما لدى الساعي بصفاء السريرة من مبان أخلاقية , ويقينيات دينية , يشكلان معاً، بالنسبة اليه، ارادة السعي نحو التعرُّف.
المنطق الذي يحكم الشخص المتديّن داخل دين ما لجهة ما يبذله من جهود نفسية وروحية وفكرية من اجل تمتين ارتباطه المعرفي بدينه، هو نفسه المنطق الذي يحكم الشخص اياه ليبذل الجهد اللازم باتجاه التعرُّف على دين غيره . ذلك ان الامر يستلزم في هذه الحال، سَيْريّة نشاط مدفوعة بالايمان بالغير كنظير في النوع الانساني من جهة، ومن جهة ثانية، بإرادة التعرُّف على هذا النظير بوصفه شريكاً في رحلة البناء الحضاري للانسانية.
الايمان والمعرفة، هنا، لا يتجزءان ولا ينفصلان. والمؤمن المنتمي الى دين او مذهب معيّن، يحتاج إيمانه الى معرفة بما يؤمن به، لكي يثبِّت في قلبه وعقله، ذلك الدين الذي ينتمي اليه.
حتى المؤمن المستجد. اي الذي اعتنق ديناً جديداً (New Born) يرفض - كما يقول المفكر الفرنسي اوليفييه روا - ان يصنّف إيمانه - كما يفعل الانثروبولوجيون - ضمن خانة نظام رمزي ثقافي كسائر الانظمة الرمزية الثقافية. فالامر عنده يتعلق بحقيقة مطلقة. اما إدراك هذه الحقيقة معرفياً فيعود الى عملية تدريجية تراكمية تجري في إطار الشروط الحاكمة على الجغرافيا الدينية التي يعيش ويمارس تديُّنه فيها.
لكن الحقيقة المطلقة التي آمن بها ذلك "المؤمن المستجد "تبقى الاساس الذي يقوم عليه حضوره في الوجود. وهذه الحالة هي التي يطلق عليها اللاهوتي البروتسانتي الالماني كارل بارث عبارة «قفزة الايمان» (Le Saut de la Foi) التي تؤلف الديني عند ذاك الصُّنف من المؤمنين. وبهذا لا يمكن ان يكون هناك"ثيولوجيا" أي انتماء ديني) من دون وجود ايمان. حيث ان الجدل بين المعرفة والايمان هو جدل مرتبط بالضرورة بكل الديانات السماوية. وقد اثبت بعض التيارات الدينية الفلسفية المسيحية مثل التوماوية (Thomisme) ( (نسبة الى توما الاكويني...( غياب التضاد بين المعرفة والايمان، وانهما معاً يقويان بعضهما بعضاً. لكن من شأن ظواهر ثقافة التجريد ان تكسر هذه العلاقة الجدلية، وتزعم ان النصوص المقدسة يمكن لها ان تتحدث خارج اي سياق ثقافي .
حين يكون مقتضى التعرُّف, التلازم الذي لا ينفك بين الايمان والمعرفة، تكون حرية المتعرِّف اول حاصل لمثل هذا التلازم. بها يفارق خشيته وتريُّبه من ان اللقاء مع ثقافة المتعرّف قد يلحق الأذى بثقافته الدينية وايمانه. فالحرية  التي يجري تحصيلها بفضل هذا التلازم تجعل كل من فريقي التعرُّف أن يكون على ثقة من ان دخوله الى الدائرة التي يجري فيها استكشاف ما هو مجهول بالنسبة اليه، انما هو عملية ضرورية لتحصين معرفته وايمانه من شوائب الجهل. وبهذا السياق يصبح دخول فضاء التعرُّف واجب يفتح على سفر إدراكي يعود بحصاده الوفير لمصلحة الذات المتعرّفة نفسها.
ذلك يعني ان التعرُّف المؤيَّد بالحرية المدركة والواعية ,هو عملية مركبة: من جهة تلبي الحاجة الى التواصل واللقاء الذي تفترضه ضرورات الحياة ضمن جغرافيا حضارية ودينيّة مشتركة، ومن جهة ثانية تنجز الحاجة الى فهم ما كان غير مفهوم من المعارف الايمانية والدينية والحضارية للفريق الآخر..
حين تصير الحرية شرطاً مقوِّماً للايمان والمعرفة نصل الى ذلك المثلث الذي لا يستوي التعرُّف على نصاب العدل الا باجتماع اركانه معاً: الايمان والمعرفة والحرية. عندئذٍ يتوفر للملتقين، الحقل الذي ينأى بهم من شوائب الحذر والخشية, وتخلو لهم مساحة من  الرحمانية لتبادل المعارف وانجاز القضايا المشتركة.
 
الى ذلك فإنّ من لوازم التعرّف الذي يسبق اي حوار أن يتوفّر ما نسميه بـ "سعة النظر". وهذه القيمة الأخلاقيّة المعرفيّة هي ركيزة اساسيّة من مرتكزات التعرُّف.وقوامها ان يحوز طرفا العلاقة على وعي مسبق بضرورتها .وفي تصوّرنا أنه مثل هذا الوعي  لن يتحقق الاّ بشرط اللقاء بين جدولين متآخيين :
أ-جدول الفضيلة :ومنشؤه الفطرة الخيَّرة الكامنة في ذات الإنسان .منها يستمد الفضائل ,وبها يحسُنُ السيرُ ويتجمَّلُ السلوك . فكلما نمّاها ووسَّعها فاضت عليه بالتخلُّق والغيرية .
ب-جدول المعرفة:وهو مركّب من خطّين متلازمين تلازما" ذاتيّا" :معرفة الذات ومعرفة الغير .وكل من هذين الخطين يتأتيان من النظر في العلوم والمعارف على سبيل التعلُّم والإكتساب ,كما يتأتّيان من الخبرة والمعاينة والتواصل ...
كلا الجدولين يتحركان في سياق واحد . ولئن ظهر لنا انّ جدول الفضيلة أمرٌ ثابت من حيثُ كونه مبتنيا" على الفطرة التكوينيّة لذات الإنسان , فهو يجري بلا انقطاع ضمن حركة جوهريّة تتظاهر لنا فنراها بآثارها كلما مضينا في المعاينة والإختبار ونحن صراط الخير وعرفان الجميل . 
متى حاز المُتعرَّف الجمع بين جدولي الفضيلة والمعرفة ,تحقق له الطور الأول من سعة النظر ..فقدأنجز بذلك  حقل إدراك زاخر بقابليّات النموّ ,والإستعداد والتوسّع والشّمول. 
الكلام على هذه المطارحات يكتسبُ اهميته الاستثنائية اليوم في سياق النقاش حول حوار الأديان.ولعل ما يمنح اطروحة التعرّف اولويّتها الخاصة , انها تكشف عن واحد من أهم وابرز عوامل القطيعة بين الأديان الكبرى , اي ما كان  التحاور فيه يجري على قاعدة الجهل المتبادل.  وهو ما قصدناه بواجبيّة الالتزام بقاعدة التعرّف لتجاوز الجهل ومعرفة الذّات وحقيقة الآخر قبل الشروع بأي حوار .
ذلك أيضا" ما وجدناه في تصدير هذه المقالة ,باعتبار الأولويّة للتعرُّف الذي يسبق كل تحاور  خلاّق.
 
ان هذه الجدلية الجمعية التي عليها يتوقف انجاز المتعرف لسعة النظر يضعها فيلسوف التأويل الالماني هانز - جورج غادامر ضمن سياق ما يسميه بـ«تلاحم الآفاق»  (Fusion of Horizons).
سوف نجد ذلك في القسم  الثاني من كتاب «الحقيقة والمنهج» في إطار حديثه عن الوعي التاريخي، مما يعني ان هذا المفهوم ينتمي الى البحث التاريخي اكثر مما يُنسب الى علم الجمال،ذلك لانه يقدم الاساس النظري للتواصل التاريخي بين الماضي والحاضر (...) وحين يشرح غادامر مفهوم الافق (Horizons) يرى إليه على أنه مدى الرؤية الذي يحيط بكل شيء ويمكن في الآن نفسه ان يُرى من موقع خاص متميز. ولسوف نشهد الصورة على وضوحها حين نتحدث عن ضيق الافق، و عن امكانية توسيعه، والانفتاح على آفاق جديدة... الخ. فالكلمة (اي الافق) كانت استعملت في الفلسفة الغربية منذ نيتشه (Nietzsche) وهوسرل (Husserl) لتميز الاسلوب الذي يرتبط فيه الفكر بتحديده المتناهي، وطبيعة قانون توسيع مجال الرؤية. فالشخص الذي ليس لديه أفق هو شخص لا يرى من بُعد بشكل كاف، وعلى ما يظهر في تأويلية غادامر. فإنّ مفهوم الافق يفرض نفسه، لانه يعبّر عن رؤية شاملة وفائقة ينبغي ان يتحلى بها الشخص الذي يسعى الى الفهم والتعُّف الى كشف المجهول والوقوف على سّره المُستتر . فإنّ المرء يكتسب أفقاً يعني ان عليه ان يتعلم لينظر فيما وراء ما يكون في متناول يده، ليس من اجل النظر بعيداً عنه، لكن ايضاً لكي يراه على نحو افضل داخل مجال اوسع وتناسب حقيقي. (2)
ان هذه التأويلية المُسمّاة "تلاحم الآفاق" تتدخل في ايضاح و جلاء مفهوم التعرُّف بوصفه توسيعاً للرؤية والفهم. بهذا لن يكون للمتعرَّف الحظُّ في إنجاز غايته وهو مستغرق في حدود الأنانيّة. اي في ما تقتضيه  تلك الحدود التي تتناهى عند افق المصلحة المباشرة. ذلك ان  مثل هذا التناهي يوازي إقصاء معرفة ما ليس تحت سطوة الاصابع. فحتى يتسنى للمرء الاستحواذ على مساحة ما فلا بد له من الإعراض عن إدراك ما يجري في المساحات المتبقية. اي تلك التي يسكنها الغير وتبقى مضمونها بها بالنسبة اليه.
إن التعرُّف لكي يتحول الى قيمة، يفترض له ان يتحرك في فضاء اللامتناهي. بحيث لا يتوقف المتعرِّف عن استدراج مساحات اضافية ليمارس فيها استكشاف المناطق المجهولة لدى النظير فيحيلها الى مساحة علم ودراية.
قد يكون الفيلسوف الفرنسي بول ريكور من ابرز الذين توصلوا في غرب ما بعد الحداثة الى منطقة معرفية مثيرة للجدل، حول الوصل الحميم بين الذات والآخر. وسيظهر ذلك على تمامه في كتابه المعروف «الذات عينها كآخر» (Soi - Même Comme un Autre).
تأويلية ريكور تنهض على منبسط الوحدة بين الذاتية والغيرية, ليصيرا معا" حقلاً واحداً زاخراً بالتوليد الخلاّق. الذاتية عند ريكور هي " آخَرية " مكّونة للذاتية نفسها. فـ«الذات عينها كآخر» كما يريدها ريكور توحي منذ البداية بأن ذاتية الذات عينها، تحتوي الغيرية اي ذاتيّة الغير, الى درجة حميمة. حتى انه لا يعود من الممكن التفكير في الواحدة دون الأُخرى. او لنقل في لغة هيغل، ان الواحدة تدخل في الاخرى. ولقد اردنا - والكلام لريكور - حين استعمالنا "الكاف"، في كآخر، التأكيد على الدلالة الاقوى. اذ لم نشأ فقط ان نقيم مقارنة - الذات عينها شبيهة بآخر - بل اردنا التضمين: الذات عينها، بما هي... آخر(3).
في "التضمين" الذي قصده ريكور ليحل مشكلة الصلة بين الذات والآخر، تمكث الإشكالية الفلسفية برمتها. فحين اختار عنوان كتابه «الذات عينُها كآخر» انما اراد ان يعكس تلاقي المقاصد الفلسفية الرئيسية الثلاثة , التي تحكمت برأيه في صياغة الدراسات المكونة لهذا الكتاب :
القصد الاول هو التأكيد على اولية ما يسميه بـ«التوسط التفكري» (Mediation Reflexiné). فهاتان الكلمتان تكتسبان اهمية قصوى في كل فلسفة ريكور، بل تكادان تختصرانها. فكلمة تفكُّرية اشتقت من كلمة (Reflexion) التي تعني أمرين في آن واحد: الانعكاس اولاً والتفكير ثانياً. والتفكير مفهوم مركزي عند ريكور . وهو لا يعني التأمل النظري المحض، بل هو ذاك المجهود المستمر الذي تقوم به الذات لفهم ذاتها عبر اكتشاف معنى تجربتها، عن طريق التساؤل في الاسس التي تقوم عليها، لأنها غير قادرة على الاستناد الى يقينية مطلقة. والتفكُّرية تدعو الذات والانا و"الكوجيتو" الى المرور عبر الطريق الطويل الذي يمرّ عبر توسط الغير. والغير هنا هو كل عالم الرموز والإشارات التي تتلقاها الذات الفاعلة من العلوم الاخرى , وخصصا" العلوم الانسانية مثل , الالسنية والتحليل النفسي. الاولوية اذاً -  هي حسب ريكور - لهذا التوسط وليس لغرور الانا التي كانت تظن انها قادرة على تأسيس ذاتها بذاتها (...) لقد دخل ريكور على اللعبة الفلسفية التي عصفت بها السجالات بين النخب الغربية في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. فلقد كانت هناك فينومينولوجيا هوسرل المفرطة في التشديد على الأنا وكان هناك سارتر مع وجوديته. وكانت الذات هي المنتصرة، ثم كانت البنيوية مع كل ما يدور معها او حولها من الفلاسفة وهم كثر، من فوكو الى التوسير الى دريدا، وقد اعلنوا جميعاً موت الذات لصالح البنية. اما ريكور فقد وقف موقفاً وسطاً. ورأيه ان الذات لم تمت ولم تستطع كل المعطيات ان تمحوها، ولكنها في الوقت عينه لم تعد كما كانت، لانها قبلت ان تتطعم بكل معطيات العلوم الحديثة. الذات التي عظمتها كوجيتو ديكارت وسحقتها تفكيكية نيتشه خرجت جريحة فقط، وقد تخلت عن حقيقتها المطلقة لتقبل بتواضع حقيقتها الذاتية التي مرت عبر "معمودية الغير". التوسط اذاً- بحسب ريكور - هو قبول الفلسفة للآخر وسماع كلمته (5).
 
محمود حيدر
 
هوامش:
1- اوليفييه روا - حداثة وعلمانية وعودة الديني - مجلة "قضايا اسلامية معاصرة" - العدد (41-42) شتاء وربيع 2010. 
2- ماهر عبد المحسن حسن - «غادامر... مفهوم الوعي الجمالي» دار التنوير - بيروت 2009 - ص 244
3- Gadamer, Truth and Method, P. 270
4- بول ريكور - الذات عينها كآخر - ترجمة وتقديم جورج زيناتي - اصدار المنظمة العربية للترجمة - الطبعة الاولى  بيروت 2005  ص 72 .
5-انظر جورج زيناتي في شروحه وهوامشه .