ولئن كان غيتري كتب أنواعاً عديدة من المسرحيات، فإن تميزه الأساسي كان في نوعين أولهما كتابة مسرحيات حول مشاكل الحب والغيرة والزواج، والثاني كتابة مسرحيات مستقاة من حياة بعض المشاهير في الحياة الفرنسية ماضياً وحاضراً. أما أوج قوته في هذين المجالين، فتجلّى حين كان النوعان يختلطان لديه، فيتوقف حين يكتب مسرحية عن شخصية تاريخية محددة عند الجانب العاطفي أو الإشكالي من الحياة الزوجية - أو الغرامية - لتلك الشخصية. ولعل هذا ينطبق في شكل خاص، على مسرحيتيه الشهيرتين «جان دي لا فونتين» و»ديبورو». وإذا كان العالم كله يعرف من هو لافونتين، صاحب الحكايات الشهيرة المكتوبة شعراً، فإن تعريفاً سريعاً بديبورو يفرض نفسه هنا. فهذا كان عند بدايات القرن التاسع عشر واحداً من أبرز فناني الإيماء في المسرح الفرنسي. بل كثر يعتبرونه المجدد الأكبر في هذا الفن. لكن الرجل كان في المقابل غير سعيد في حياته الشخصية. وهذا بالتحديد ما أراد أن يصوره غيتري في مسرحية سيقول عنها كثر أنها تكاد - بعد كل شيء - أن تكون أقرب الى حياة غيتري نفسه، منها الى حياة ديبورو. أو بالأحرى، تكاد تصف فصلاً من حياة غيتري في شكل موارب من خلال الفصل الذي يقدمه عن حياة الشخصية. علماً أن المصادر التاريخية لم تؤكد أبداً أن أحداث المسرحية تشكل بالفعل جزءاً من سيرة ديبورو.

 

> كتب غيتري «ديبورو» في عام 1918 خلال الفترة نفسها التي كتب فيها «الغيرة» و»جان دي لا فونتين»، ما جعل كثراً يعتبرون هذه الأعمال الثلاثة معاً تشكل نوعاً من «ثلاثية» حول الحياة الزوجية، حتى وإن كانت «ديبورو» تتجاوز هذا البعد. ففي هذه المسرحية، يخلط الكاتب بين الأنواع، ما بين الشخصيات التاريخية الحقيقية والمتخيلة. ففي هذه المأساة الكوميدية، يصوّر غيتري هذا الأخير رجلاً عفيفاً وفناناً حقيقياً لا يتورع حين تزدحم المعجبات من حوله عن إبراز صورة لزوجته أمامهن كي يبرهن لهن أنه مولع بها ولا مكان لغيرها في حياته. لكن يحدث ذات يوم، أن يلتقي ماري دوبليسيس المرأة الجميلة التي استوحى منها ألكسندر دوما الابن شخصية غادة الكاميليا... فيحدث أنه يقع من فوره في غرامها كما كان يحدث لكل من يلتقي تلك المرأة/ الغانية. وتكون النتيجة أنه ينسى زوجته وابنه وأصدقاءه ليعيش في رفقتها مهملاً حياته وعمله. في البداية، تستسيغ ماري اللعبة، لكنها تسأم ذلك كله، من دون أن تجد حلاً للمسألة. وفي النهاية، حين يقطع ديبورو نهائياً مع زوجته أمام وطأة غرامه ويهرع الى ماري سعيداً متحمساً ليخبرها بذلك وبأن الجو قد خلا لهما أخيراً، يجد ماري في أحضان عشيق جديد لها، هو بالتحديد آرمان دوفال، الشخصية المحورية في «غادة الكاميليا». وهو على رغم شعوره بالصدمة العنيفة وانفطار قلبه، يتحلى بالصبر ويقبل الواقع على أمل أن تعود ماري الى رشدها وإليه قريباً. لكن السنوات تمضي ويفقد ديبورو الرغبة حتى في العودة الى خشبة المسرح... الى درجة أنه ذات مساء وإذ يؤدي دوره في شكل بالغ السوء يتعرض لصفير الجمهور وغضبه فيقرر ألا يعود الى خشبة المسرح أبداً. وحين يسأله مدير أعماله ما العمل الآن، يقنعه بأن يبعث ابنه كي يؤدي أدواره مكانه، وفيما تتناهى إليه أصداء النجاح الكبير الذي يحققه ابنه، يشعر ديبورو وهو في عزلته أخيراً بشيء من السعادة طالما أن ابنه بات قادراً على تأمين المجد الفني لاسم ديبورو مذّاك وصاعداً.

 

> كتب غيتري هذه المسرحية في وقت كان يعتبر واحداً من أفضل كتاب المسرح الفرنسي، الى حد أن بعض النقاد كان يرى فيه موليير جديداً، ومع هذا لاحقاً حين انتهت الحرب العالمية الثانية، هبطت أسهمه في شكل مفاجئ وبدأ الناس يدبرون عن أعماله، ووصل الأمر الى ذروته حين أقيل من عضوية أكاديمية غونكور في 1948، من دون أن يحرك أحد من معارفه ساكناً. وذلك بكل بساطة، لأن ذلك الكاتب الكبير والممثل المتفرد، والذي كان واحداً من أوائل الأدباء الفرنسيين الذين اكتشفوا فن السينما وخاضوا غماره باكراً، حدث له حين كان الألمان يحتلون فرنسا ويحكمونها من طريق حكومة الماريشال بيتان في فيشي، أن أبدى إعجابه بهذا الاحتلال ولم يخف تأييده للماريشال الخائن.

 

> ومن هنا كان ذلك الخطأ الكبير الذي وقع فيه غيتري، وجعله ملعوناً طوال السنوات التي فصلت بين انتهاء الحرب العالمية الثانية ورحيله عن عالمنا في عام 1957. مهما يكن، فان رحيل غيتري بدا كأنه قد أزاح الغبار عنه وأنسى الناس مواقفه الى جانب فيشي، إذ سرعان ما عادت مسرحياته تمثل مجدداً، وعادت أفلامه تعرض، وراحت تصدر عنه كتب ودراسات حاول بعضها على أي حال أن يجد مبررات وأعذار لمواقفه. مع هذا كله، لم يكن ساشا غيتري فرنسي الأصل، بل كان، عند ولادته في 1885 روسياً وهو ولد في سانت بطرسبرغ، وكان والده ممثلاً مشهوراً يدعى لوسيان غيتري، اصطحب ولده باكراً الى باريس، حيث تلقى دراسته في الوقت نفسه الذي اختلط فيه بعالم المسرح بفضل فن أبيه ومكانته. وهو كان في السابعة عشرة من عمره - كما تقول الحكاية - حين كتب أول مسرحية مثلت من تأليفه، وبعد ذلك بعامين تزوج وبدأ يستقر في حياته، وراح يكتب نصوصاً مسرحية بدأت تلفت إليه أنظار الجمهور الباريسي. وهو أيضاً لفتت السينما نظره فإذا به يحقق في 1915 فيلماً عنوانه «هؤلاء من عندنا» لعل أهم ما فيه أنه حمل، ربما، الصور المتحركة الوحيدة التي التقطت لبعض كبار فناني ذلك العصر من رودان الى رينوار، ومن أناتول فرانس الى مانيه وسان - سانس وتريستان برنار.

 

> في تلك الآونة، كان الجمهور الفرنسي يقبل بوفرة على مسرحيات البوليفار التي كان غيتري يكتبها بغزارة، ولما أحس الكاتب أنه يكاد ينزلق كليا في ذلك النوع من المسرح الذي كان، حينها، يصل الى حد التهريج، راح يثبت مكانته كمثقف، وككاتب من نوع آخر، عبر مسرحيات كان يكتبها ويخرجها بنسفه وأحياناً يتولى فيها الأدوار الرئيسية، وتتناول في ما تتناوله فصولاً من حيوات شخصيات أدبية وعلمية وفنية معروفة. وهو في هذا الإطار، كتب مسرحيات عن «باستور» (1918) و «موزار» (1926) و «جان دي لافونتان» (1928) و «تاليران» (1947)، والحقيقة أن تلك المسرحيات كان لها فعل السحر في نفوس الطبقة المثقفة في فرنسا، ودفعت أعضاء أكاديمية غونكور الشهيرة الى جعله، بالانتخاب، واحداً منهم، وهو أمر ظل يفخر به حتى اللحظة التي أقيل فيها من الاكاديمية.

 

> ولئن كان غيتري كتب الكثير من المسرحيات، فإن عدداً قليلاً من مسرحياته يمثل الآن، ويركز أهل المسرح على مسرحياته القديمة بأكثر مما يفعلون بالنسبة الى مسرحياته الأقل قدماً. ومن هنا، فإن المسرحيات المعروفة أكثر لجمهور ساشا غيتري هي أعمال مثل «حارس الليل» (1911) و «ديبورو» (1918) وبخاصة «جان دي لافونتان» (1928) التي يحلو لكثر من النقاد أن يعتبروها أهم مسرحية له، إضافة الى هذا هناك مسرحية «أبي كان على حق» (1919) التي كان لا يخلو منها موسم مسرحي فرنسي.

 

> مقابل هذا، تكاد تغيب مسرحيات مهمة لغيتري مثل «متى نلعب الكوميديا؟» و «لا تسمعن يا سيداتي» وكلها مسرحيات تعود الى الفترة بين 1935 و1947. أما مسرحيات غيتري الموليارية مثل «زواج طيب» و «يد صغيرة»، فإنها المسرحيات التي جعلت ناقداً كبيراً مثل ليوتو، يرى في غيتري خطاً جديداً للمسرح الفرنسي، بلغته الطبيعية وقدرته على رصد المجتمع الفرنسي وانطلاقة ترعته الروحية. ومع هذا، فإن هذه المسرحيات تكاد تكون مجهولة كلياً في أيامنا هذه.

ابراهيم العريس

الحياة: ٢٣-٦-٢٠١٧