وسوف تكون القاعدة الأساسية لهذا العمل، هي تجسيد "سويد" سترندبيرج وبيرجمان على خشبة المسرح بشكل حقيقي وواقعي، ومن ثم تجسيد "روسيا" تاركوفسكي لتحريك وإثارة، بل ولإقلاق عالم سترندبيرج وبيرجمان. أنا لا أريد إطلاقا إخراج مسرحية عن حياة تاركوفسكي أو تصوير مشاهد من سيرته الذاتية، بقدر ما أنا في حاجة ماسة إلى إخراج عمل فني عن عالم تاركوفسكي الذي اجتاح بجدارة وعي الإنسان الذكي والبسيط: عندما ينقلب هذا العالم الفني – العالم الروحي الروسي – إلى عالم المفاهيم والمدركات الغربية، وعندما ينشأ الصدام المأساوي بين هذين العالمين ليمتد إلى ما لا نهاية، بل يمكن أن تصبح نهايته تراجيدية لا نهائية".

وبالفعل نفَّذ رازوفسكي وعده، وأصبحت مسرحيته هذه بمثابة النافذة التي يطل منها المشاهد على عالم تاركوفسكي المئ بالنبض الإنساني المغلف بكافة الأحاسيس والمشاعر الإنسانية الفريدة. ذلك العالم البسيط الغامض والصعب في آن واحد.. العالم الذي يعيشه الإنسان يوميا لكنه يبقى في حاجة دائمة إلى مصفاة/ كاميرا تاركوفسكي الواعية لتحويل عصير العالم اليومي والمعتاد من مجرى الفم إلى مجرى الدم، ولكي تدفع بالصور والتفاصيل الروحية الدقيقة من حيز الرؤية المادية إلى منطقة الوعي الكامنة بين رؤية العقل ورؤية الروح.

وفي إطار الإحياء المستمر لذكرى أندريه أرسينيفيتش تاركوفسكي، ينعقد الكثير من اللقاءات والندوات في الأوساط المسرحية والسينمائية لإلقاء الضوء على العديد من جوانب عالمه الذي لا يزال موضع نقاشات واختلافات حادة وساخنة بين النقاد والمثقفين الروس والغربيين. ففي إحدى الندوات بمسرح "على بوابات نيكيتسكي"، تم إلقاء الضوء على بعض الأفكار والرؤى التي شغلت المخرج الراحل، وظهرت بوضوح في العديد من أفلامه الأخيرة.

كان من بين هذه الأفكار، إشكالية العلاقة بين الشرق والغرب، والتناطح الحضاري – على حد تعبير المخرج المسرحي مارك رازوفسكي – بين المفاهيم والمدركات الشرقية وبين الثقافة الغربية، والانفصال الحاد بين منظومة المفاهيم الشرقية ومنظومة الثقافة الغربية من حيث علاقة كل منهما بالإنسان، وبهويته الشخصية، وتفرده الذاتي. فالشرق والغرب ليسا مفهومين جغرافيين محددين المعالم. وبالتالي، فهناك العديد من المفاهيم والقناعات الشرقية كائنة وموجودة في الغرب. وبالمثل، فالثقافة الغربية تتسلل يوميا إلى مختلف جوانب الحياة في الشرق. والمشكلة ليست في التوزيع الجغرافي بقدر ما هي في "منظومة المفاهيم الغربية" و"منظومة المفاهيم الشرقية" وفي ما يندرج تحت كل منهما من مسميات ومفاهيم فرعية. فالناس في الشرق ينسجون علاقات نشطة ودائبة بينهم وبين بعضهم البعض، ولكنها لا تكون مباشرة بأي حال من الأحوال، لأنها تتم عن طريق السلطة المركزية القوية (المسؤولون، الأجهزة الحكوميو، القائمون على حفظ النظام العلوي... إلخ) التي تتحكم في مقدراتهم المادية والروحية خلال فترة تاريخية معينة، وخاصة عندما يعم الظلم والاستبداد، فيتحول الناس إلى ذرات من الرمال تتصل ببعضها البعض عن طريق تلك السلطة التي تركز كل شئ في يدها فقط.

أما في الغرب، فإننا نرى صورة معاكسة تماما لذلك. فالذات الإنسانية هناك في حالة بحث دائم عن علاقة مع الذوات الإنسانية المجاورة لها، لأن السلطة العليا ليس لها وجود في علاقاتهم. ولكن عندما يبدأ الإنسان الغربي في نسج علاقاته هذه، نجده ينفصل عن ذاته الخاصة، ويبدأ في الإحساس بالمعاناة نتيجة للشعور بالوحدة والاغتراب. وبشكل عام، فإن الوحدة في الشرق هي خير ومصلحة، بينما في الغرب معاناة ورعب. فالإنسان الشرقي، في عزلته، يشعر بالاستمرارية، ويبحث في ذاته، ويصبو إلى الكمال، محاولا استئصال نفسه الكائنة عن نفسه التي ينبغي أن تكون. ومن هنا، فهو يتقرب إلى ذاته عن طريق الإله الواحد أو الأنبياء والرسل، أو عن طريق الأباطرة والقياصرة والملوك في بعض الأحيان. لكننا نرى الآلهة في الغرب مُهْمَلَة ومُحْتَقَرَة، لأن أشكال الديمقراطية تتيح لهم فرصة الاتصال المباشر والسهل بالقائمين على السلطة. وبالطبع، فمأساة الإنسان الغربي لا تكمن في ذلك بقدر ما تكمن في أن هذا الإنسان مُبْعَد عن الآخرين، وفي عزلة عنهم.

التصورات السابقة، هي تصورات الذين شاركوا، على سبيل المثال، في ندوة مسرح "على بوابات نيكيتسكي" حول علاقة الشرق والغرب في ضوء عالم تاركوفسكي. وبعد ذلك امتد الحوار إلى ما يجري من صراعات تاريخية بين الشرق والغرب،. والانتصارات المرحلية التي يحققها كل منهما على الآخر، وفترات التجاذب والتنافر بينهما. ومن هنا تباينت الآراء وتعددت وتنوعت في تحليل تاريخ روسيا، بداية من ثورة فبراير 1917 وازتباطها بالمفاهيم الغربية، ثم ثورة أكتوبر 1917 "البلشفية" في ارتباطها بالمفاهيم الشرقية للحكم.

قد نتفق أو نختلف مع الأفكار السابقة. لكن المهم هنا، أن عالم تاركوفسكي الفني هو الذي فَجَّر كل هذه الرؤى والتساؤلات والأفكار. وربما كانت إحدى ندوات معهد موسكو للسينما هي التي تعاملت بشكل مباشر مع تنويعات سينما تاركوفسكي، وحاولت التعامل معها من خلال المدارس والمذاهب الفنية المتعَارَف عليها. فقد تناول المشاركون الجماليات، أو بشكل أدق علم الجمال في أعمال تاركوفسكي. واستنادا إلى مقولة تاركوفسكي نفسه: "المذهب الطبيعي أبو القريض"، فقد صنَّفَه البعض بأنه أحد أقطاب المدرسة الطبيعية في السينما الذي تميَّز باتجاه خاص جعله مؤسسا لما يسمى بالمدرسة الطبيعية الاشتراكية. وجاءت بعض الاستشهادات على ذلك من فيلمي "طفولة إيفان" و"أندريه روبليوف". بينما وصفه آخرون بأنه مخرجا سرياليا، على اعتبار أن السريالية كتيار فني استطاع أن يؤثر على تاركوفسكي تأثيرا كبيرا، بل وجعله يعمل بمفاهيم الواقعية في إطار السريالية، وخصوصا في أفلام الفنتازيا "سوليارس" و"ستالكر"، على الرغم من أن جميع المؤشرات – على حد قول بعض النقاد – تؤكد أن أفكار تاركوفسكي في مجملها كانت تدفع به إلى السريالية. ومن هنا جاء تأثير سينما تاركوفسكي السوفيتية على المسرح السوفيتي، ومن ثم المسرح الروسي حاليا.

من جهة أخرى وصفه البعض بأنه أحد مخرجي المدرسة الرمزية، مستشهدين بفيلمي "المرآة" و"حنين"، إضافة إلى فيلمه الأخير "تقديم القرابين"، على اعتبار أن تاركوفسكي استطاع بقدرة فنية عظيمة السيطرة على الحدود الفاصلة بين الرمز كوسيلة فنية والرمزية كاتجاه فني من ناحية، وأظهر قدرة فائقة على التعامل مع عملية "الترميز" بعيدا عن المفاهيم السطحية والهشة التي تعطي للعمل الفني شكلا هلاميا غير واضح المعالم من جهة أخرى، وذلك عن طريق التزامه واهتمامه في آن واحد بالجملة السينمائية الإيمائية وحرصه على التعامل معها بشكل طبيعي للغاية.

بصرف النظر عن التصنيفات العديدة للاتجاه الفني عند تاركوفسكي، فهناك ما يشبه الإجماع على أن هذا المخرج استطاع أن يؤسس اتجاها سينمائيا متفردا في السينما السوفيتية، يجمع بين مختلف المذاهب في إطار مصطلح "السريالية الاشتراكية". وعلى صعيد آخر كان مفهوم السينما عند تاركوفسكي "السينما هي اقتناص اللحظة الزمنية المتملصة" في علاقته باستخدام الموسيقى، يشكِّل أهمية خاصة عند العديد من المخرجين السينمائيين والمسرحيين السوفييت والروس. فتاركوفسكي ظل طوال حياته ينادي بالتقليل، قدر الإمكان، من استخدام ما يسمى بالموسيقى التصويرية في السينما. كان يقول: "الموسيقى في السينما ليست ضرورية، لأنها تعرقل الاستماع إلى المشهد السينمائي"... "أنا بحاجة إلى موسيقى من نوع خاص، ولست بحاجة أبدا إلى مؤلف موسيقي". من هنا جاء الاقتناع النسبي بخطورة الموسيقى التصويرية، والموسيقى بشكل عام في السينما والمسرح. وأصبح العديد من المخرجين السينمائيين والمسرحيين يستخدمون تتداخل الأصوات الطبيعية وما تنتجه من إيقاعات موسيقية تزيد من عمق المنظومة الدرامية في العمل الفني، سواء في المسرح أو السينما.

هناك جانب مهم في عالم تاركوفسكي يتمحور بشكل غير عادي حول عالم الطفولة والأمومة. وربما يكون هذا الجانب هو أحد المحاور الأساسية التي ارتكز عليها في فيلم "طفولة إيفان" لإظهار رغبته الملحة في فهم وإدراك طبيعة العنف والاستبداد من خلال قصة الطفل الصغير اليافع الذي صار شيخا عجوزا تحت وطأة الحرب. ذلك الطفل الذي هب مدافعا عن الحياة بإنهائه حياة إنسان آخر، واستعداده اللا نهائي لموته وموت الآخرين في آن واحد. هذه صورة واضحة وجلية، رغم كآبتها، لطفولة جيل تاركوفسكي. أما علاقته بالأمومة فقد كانت علاقة حميمية يشوبها البحث والتقصي، ويسيطر عليها القلق الدائم. وقد اكتسبت لديه مفهوما كونيا باعتبارها تحقيقا واستمرارية للحياة، ومصدرا للوجود الإنساني، وعلاقة وصل بين الحياة والموت، ومنبعا للتواصل بين الأجداد والأحفاد. كان تاركوفسكي يرى ببساطة أن بطن المرأة الحامل أعظم بكثير من كل أيقونات العالم، ولوحة فنية رائعة تمتلك أسمى معاني الخلود. من هنا ارتبطت عنده الطفولة بالأمومة بهموم الإنسان، فاستطاع أن يقطع شوطا طويلا في تنقية العديد من المفاهيم الإنسانية التي تهرَّأت وكادت تندثر بفعل عوامل التخلف بكل صوره ومستوياته.