اليوم وبعد مرور ثلاين عاما على رحيل تاركوفسكي، ومرور أربعة وخمسين عاما على عرض الفيلم وهبوب العاصفة النقدية سالفة الذكر، ننظر بدهشة وتمعن وقلق إلى طفولة وشباب مئات، بل عشرات المئات والألوف مِنْ مَنْ هم على شاكلة إيفان، ونتساءل: هل كان فعلا تاركوفسكي برجوازيا صغيرا وانتهازيا؟ هل كان مقلدا للمخرجين الغربيين في الأسلوب الفني، وفي طرق تناولهم لأحداث الحرب العالمية الثانية؟ وهل... وهل؟ أم كان نبيا يمارس عمله وينظر إلى الأمام على مدى عشرات السنين؟!

في التاسع من أكتوبر عام 1963، نشرت رسالة المفكر والفيلسوف الفرنسي المعاصر جان بول سارتر الموجهة إلى رئيس تحرير صحيفة "أونيتا" الإيطالية ماريو أليكاتا، والتي كانت بمثابة الأوسكار الحقيقي الذي لم يحصل عليه أبدا تاركوفسكي، واعتبرتها الصحافة والأوساط الثقافية الإيطالية، وقتها، سهما موجها إلى صدور كل المثقفين، وخاصة الإيطاليين والفرنسيين، بمن فيهم النقاد والصحفيون الذين هاجموا الفيلم وحجبوا الثقة عنه: "عندما منحت لجنة التحكيم جائزة الأسد الذهبي للفيلم، فهي بذلك قد عبرت عن تقييمها العظيم له. ولكن هذا التقييم أصبح دليلا في يد البعض على اتهام تاركوفسكي بالتوجهات الغربية، ومحاولتهم تصويره بالبرجوازي الصغير، الأمر الذي دفع اليساريين الإيطاليين للنظر إليه بعين الشك. وبسبب هذه الأحكام الباطلة والآراء القائمة على غير أساس، حُرِمَت الطبقة الوسطى الإيطالية من مشاهدة هذا الفيلم..... إنهم يتحدثون عن المذهب التقليدي، وعن المذهبين التعبيري والرمزي المنقرضين. ولكن اسمحوا لي أن أقول ، إن هذه الطرق النقدية الشكلية، هي بعينها طرق قديمة ومندثرة. فعند فلليني وأنطونيوني تسعى الرمزية للاختفاء والتواري من أجل شئ واحد فقط، وهو أن تصبح أكثر وضوحا وبداهة. كما أن الرمزية لم تختف أبدا من الواقعية الجديدة في إيطاليا. فقد كان من الواجب أن يدور الحديث عن المفاهيم الرمزية للعمل الفني. ولكن يبدو أنه لا يوجد لدينا الوقت الكافي لذلك، مع أنهم وجدوا وقتا لمحاكمة تاركوفسكي على طبيعة مذهبه الرمزي. بل وأوجدوا في رموزه تعبيرية وسريالية! وهذا ما لا يمكن الاتفاق معهم فيه إطلاقا، لأنه وقبل كل شئ يمكن تعرية التهم الموجهة إلى المخرج الشاب والتي نتجت أساسا من الاضمحلال وضيق الأفق الأكاديميين. وهذا ما يمكن أن يقال أيضا عن الوضع هناك في الاتحاد السوفيتي".

لقد تصور بعض النقاد وقتها في الاتحاد السوفيتي كما في إيطاليا وفرنسا أن تاركوفسكي قد قلد على عجلة منه بعض الأساليب والأشكال الغربية القديمة وتعامل معها بدون تفكير أو روية. ومن ثم فقد وجهوا إليه اتهامات فظيعة بخصوص أحلام إيفان، حيث قالوا: "أحلام!! نحن هنا في الغرب توقفنا منذ زمن طويل عن استخدام الأحلام!"..

ولكن الغريب هنا، أن تتم مصادرة حق الإنسان في الإبداع بهذا الشكل الغريب والمتجني في آن واحد ووصفه بالبرجوازية والانتهازية. ومع ذلك فقد كان تاركوفسكي يعرف السينما الغربية بشكل غير جيد، لأن ثقافته – أولا وأخيرا – كانت سوفيتية بكل المقاييس. وفي الوقت نفسه كان هو إنسان روسي في المقام الأول والأخير أيضا. وبشكل عام فليس هناك مانع من انتصار البعض حتى ولو عن طريق الخطأ والمغالطة. ولكن يجب مراعاة أنه يمكن خسارة كل شئ إذا قررنا فرض الأساليب البرجوازية مسبقا لتفسير وتأويل العمل الفني، والتي يجب أن يتم استخراجها من الفيلم نفسه، ومن صميم المعالجة الفنية – السينمائية. فإيفان المتهور لحد الجنون، والمتوحش أيضا، هو البطل الصغير. وفي الحقيقة هو الضحية المثيرة للشفقة، والبريئة، لهذه الحرب اللعينة. وهو ذلك الصبي الذي لا يمكن لأحد إرغامه أو حثه على الحب، لأنه قد تشبع بالقسوة والمرارة اللتين تغلغلتا في كل كيانه.

إن الأحداث الأولى للفيلم تأخذنا إلى عالم الحقيقة، وعالم الهلوسات الكابوسية القاتمة. أي إلى عالم الطفولة وعالم الحرب، عندما تجسد لنا الهروب الحقيقي لإيفان عبر الغابات ورؤيته موت أمه. لقد ماتت أمه بالفعل. وبمعنى أدق، فقد قُتِلَت الأم. لكن ملابسات قتلها التي لن نعرفها، كانت بشكل مختلف. والجديد والموجع هنا، هو أن كل هذه الملابسات لن تظهر لنا على الشاشة إطلاقا. لكنها ستُعَبِّر عن نفسها في رموز صويتة مفاجئة. فهل هناك أقسى من ذلك؟! وهل هناك أكثر فزعا من أن يتابع طفل صغير أحداث قتل أمه؟! وهل يمكن للمشاهد أو المتفرج أن يتخيل – يحلم – بطفل تابع مشهد قتل الإنسان الوحيد الذي ليس له غيره في هذا العالم؟! إذا، فما حال الطفل الذي حدث كل ذلك أمامه؟ لقد قتله النازيون عندما قتلوا أمه وأطلقوا النار على أهل قريته. وعلى الرغم من أنه ظل حيا، إلا أنه رأي مستقبله المحطم في خضم تلك اللحظة المهولة، التي يرى النقاد "المثقفون" أن رؤيتها في الحلم شئ قديم ومبتذل.

لقد أشار سارتر في رسالته إلى حالة واقعية مشابهة: "لقد رأيت بنفسي الشباب الجزائري الذي لم يستطع إطلاقا نسيان ما ارتكبه الاحتلال الفرنسي من جرائم بشعة، ولم يستطع أبدا أن يفصل عن ذاكرته الهلع والذعر من جراء تلك الممارسات اللا إنسانية. فلم يكن هناك فرق لديهم بين ما يحدث في الواقع من فظاعات، وبين ما يرونه في الكوابيس الليلية. لقد كان الاحتلال يقتلهم. وبالتالي، تولدت لديهم الرغبة في القتل، وأرغموا أنفسهم بالفعل على ذلك. وكان عنفهم البطولي قبل كل شئ يكمن في حقدهم الدفين وهروبهم من الندم والحسرة. وعندما كانوا يحاربون، كانوا ينفصلون عن الخوف وينسونه تماما. وإذا جردهم الليل من سلاحهم، عادوا إلى رقة ولطف سنوات الصبا. ولكن الرعب والقسوة يسيطران عليهم مرة أخرى، وإذا بهم يعيشسون ثانية ذكرياتهم التي يحاولون نسيانها".

إذا، هكذا هو إيفان بالفعل. وهكذا هو تاركوفسكس أيضا، الذي استطاع أن يجسد على الشاشة عدم وجود فرق بين الليل والنهار بالنسبة لهذا الطفل الذي يسعى قبل كل شئ إلى قتل نفسه، ويجسد أيضا أن هذا الطفل في كل الأحوال لا يعيش معنا، وأن أفعاله وهلوساته تكمن في اللاوعي. لننظر كيف تشكلت علاقته بالكبار: هو في مفرزة حربية، الضباط فيها جيدون وشجعان، هؤلاء الرجال "الطبيعيون" الذين لم يعيشوا معاناة الطفولة التراجيدية يسهرون عليه ويحيطونه بالدفء والحب والرعاية والعطف، يريدون بأي ثمن إعادته إلى حالته "الطبيعية".. إلى الوراء، إلى المدرسة. وللوهلة الأولى، يبدو أن الطفل يمكنه فعل ذلك، ويمكنه أن يجد لنفسه أباً بينهم، عوضا عن الذي فقده، كما حدث في قصة ميخائيل شولوخوف "مصير إنسان". ولكن هناك شيئا ما أعمق بكثير من فقدانه للأبوين، إنه ذلك الرعب الأبدي المتأصل من جراء انتهاك الإنسان واغتصابه، وهو ما يقضي عليه بالوحدة والاغتراب. وفي النهاية يبدأ الضباط في التعامل معه بمشاعر يختلط فيها الحنان بالدهشة والشك. فهم يرون فيه كائنا غريبا وجيدا في آن واحد. لكنه في الوقت نفسه غير مريح وغير مطمئن، يحقق نفسه فقط عن طريق قوته التدميرية، ولا يستطيع قطع الخيط الذي يربط الحرب بالموت. كما أنه ليس بحاجة إلى هذا العالم القاسي لكي يحيا ويعيش. فهو يتحرر من الخوف والرعب أثناء المعارك الحربية، ثم تسيطر عليه بعد ذلك حالة من الرقة واللطف والحنين، حيث الضحية الصغيرة تعرف أن المطلوب منها هو الحرب والدم والانتقام. هناك ضابطان يحبانه. ولكن ماذا بخصوص الطفل نفسه؟! يمكننا القول ببساطة، إنه يكرههما. فالحب بالنسبة له طريق مغلق دائما وإلى الأبد على الرغم من أن كل شئ في هلوساته وكوابيسه يملك سببا موضوعيا. والمسألة هنا ليست في بعض لحظات الشجاعة، أو في تقصي الحالة "الذاتية" للطفل، إنما في كون العالم كله بالنسبة له يبقى عبارة عن فزع وهلوسة. وحتى هو نفسه، ذلك المتوحش والشهيد المعذب، يمثل فزعا وهلوسة ورعبا بالنسبة للآخرين في هذا العالم. ولذلك، فكوابيسه ستظل دائما موضوعية، ومن خلالها سنستمر في رؤيته من الخارج، بالضبط كما في المشاهد "الحقيقية" التي تأخذنا إليها بداية الفيلم عندما قتلت أمه أمام عينيه، ورأينا موتها في ملامح وجهه أمامنا.

جنون؟ واقعية؟ سريالية؟ عبث؟ هذا وذاك موجود في الحرب. وفي زمن الحرب: كل الجنود مجانين. وهذا الطفل المتوحش شاهد موضوعي على جنونهم، لأنه أكبر مجنون فيهم. لذلك، فالحديث عن التعبيرية أو الرمزية وغيرها من المصطلحات التي أطلقها النقاد وقتها كانت تشكل في مضمونها علاقة شك وارتياب وخوف من الفيلم وصاحبه. وبالتالي، فالحديث كان يجب أن يكون، ولو حتى في البداية، عن طريقة ونمط الحكي والمتطلبات الضرورية للعمل الفني من أجل فهم النوايا والتوجهات، ومن أجل فهم الموضوع أولا وأخيرا. فالحرب تقتل كل من يؤججها ويشارك فيها حتى ولو عاشوا بعدها. وبشكل أكثر عمقا، فالتاريخ يستدعي أبطاله للحياة، ويصنعهم عن طريق موجة ما، وعن طريق نفس الموجة أو إحدى نتائجها وملابساتها يدمرهم حين ينهي قدرتهم على الحياة، بينما لا يُكِن لهم المجتمع الذي ساعدوا في الحفاظ عليه أي ألم أو معاناة.