إن فيلم "طفولة إيفان" يفسر في هذه البطولة ضرورتها وازدواجيتها في آن واحد: فليس لدى الصبي أي مزايا على الإطلاق، ولا توجد لديه نقاط ضعف أيضا. إنه في مجمله ما نتج عن صناعة التاريخ له بعد أن أُلقى به على الرغم منه في الحرب، وبعد أن تم تشكيله كليا من أجلها. وهو يوحي بالرعب والفزع للجنود المحيطين به لأنه لا يستطيع إطلاقا الحياة في زمن السلام بعد أن تجذَّرت فيه القسوة المولودة من الرعب والكآبة والفزع، والتي تبعث فيه القوة وتساعده على الحياة، وتقوده إلى الدفاع عن المهمة الخطيرة للاستطلاع. فماذا كان يمكنه أن يصبح بعد الحرب؟! وحتى لو أنه سيعيش، فإن البركان المتفجر دائما في صدره لن يهدأ أبدا. فهل حقا لا توجد في الفيلم، بشكل واضح، وجهات نظر نقدية للبطل الإيجابي؟

إن تاركوفسكي يجسده كما هو في الواقع: معذب ورائع أيضا. ويجعلنا نشاهد المصادر المأساوية والمظلمة لقوته، ويدلل على أن هذا الوقود الحربي قد جُهِّز وأُعِد بشكل جيد لزمن الحرب. ومن أجل ذلك فقد حكم عليه أن يصبح وحيدا ومعزولا في مجتمع السلام. إن التاريخ يختار الناس ويدفع بهم في خضم حركة ما، ثم يجبرهم على الموت تحت وطأتها. وهناك وسط الناس المسالمين الذين على استعداد للموت من أجل السلام، ومن أجله فقط يحاربون، نجد هذا الطفل المحارب المجنون، يحارب فقط من أجل الحرب، ومن أجلها فقط يعيش في وحدة قاتلة وسط الجنود الذين يحبونه. وبما أنه طفل، فإن روحه الجزعة الواجمة تحتفظ في داخلها برقة الطفولة. لكنها ليست قادرة بعد الآن على الإحساس بها، أو التعبير عنها. ولو تركت هذه الروح مع أحلامها، وأعطيت الهدوء والسكينة لعدة دقائق، فقط لعدة دقائق لكي تجتر هذه الأحلام، يمكننا ببساطة أن نكون واثقين تماما بأنها سوف تتحول من تلقاء نفسها إلى كوابيس.

لقد أحاط تاركوفسكي إيفان بالحياة.. الحياة بالرغم من الحرب. وفي الحقيقة، فإن غنائية الفيلم تكمن في أشياء عديدة: في السماء المضيئة بفعل زخات الرصاص والانفجارات، وفي المياه الهادئة والغابة اللا نهائية. وهذه هي أيضا حياة إيفان نفسها: الحب وجذوره المفقودة، وكل ما كان، وكل ما سيكون على الرغم من أنه لا يتذكر أي شئ عن ذلك، وعن ما يراه الناس فيه ومن حوله، وعن كل ما لن يقدر أن يراه بعد الآن. وليس هناك أكثر إثارة للتوتر والقلق من هذا الحدث الطويل: مرور عبر النهر، طويل وبطئ ومجهد وهادئ مثل الهدوء المخيم من حولهم. وعلى الرغم من هلع وانعدام ثقة الضباط المرافقين لإيفان، والذين ترعبهم فظاعة الصمت الكئيب المطبق من حولهم، نجد الطفل الذي يتعقبه الموت لا يلاحظ أي شئ إطلاقا، ويقذف بنفسه على الأرض ثم يختفي ذاهبا لملاقاة عدوه.. وإذا بالقارب يتجه إلى الشاطئ المقابل، والصمت يخيم على النهر... وإذا بالمدافع تصمت وأحد الجنود يهمس للآخر: "إن الصمت هو الحرب"... وفي نفس هذه اللحظة، هناك في مكان آخر، يعلو صوت الصراخ والصفير مفجرا ذلك الصمت: إنه النصر والسلام! والجنود السوفييت الفرحون يقتحمون دائرة برلين، ويصعدون الدرج الضخم مسرعين، وعلى ما يبدو أن أحد الضابطين قد قُتِل. وهناك في زاوية ما توجد بعض الكتيبات والأوراق العسكرية: فالرايخ الثالث كان أيضا بيروقراطيا، فعلى كل شئ ولكل شئ عُلِّقَت صور مطبوع عليها أسماء أصحابها. ويرى الضابط الشاب في واحدة منها صورة إيفان "فانيا" وهو مشنوق بسنواته الاثنتي عشر. وفي خضم بهجة البشر الذين ضحوا بكل شئ من أجل حقهم في بناء الاشتراكية، نرى الهوة القاتمة وإلى جوارها أشياء كثيرة، ونرى الخسارة الفادحة: موت الطفل في حالة من الحقد واليأس. ولا شئ، حتى الشيوعية نفسها، يستطيع أن يعيده مرة أخرى.

إن تاركوفسكي يعرض علينا كل شئ: الفرحة الغامرة، والمصيبة الخاصة الهادئة، وعدم وجود الأم – الإنسان الوحيد القادر لحظتئذ على كتمان الألم والكبرياء في صدرها. إن الرجال سيذهبون لحال سبيلهم، والباقون منهم على قيد الحياة سوف يكدحون قدر طاقتهم. ولكن هذا الموت البسيط، وتلك القشة اليابسة التي كسرها التاريخ ستظل سؤالا ليس له إجابة، من أجل أن تجبرنا على رؤية كل شئ من منظور جديد: منظور تراجيدية التاريخ.

وفي النهاية يبقى إيفان، وتبقى طفولة "فانيا" أمامنا كلغز محير تحول فيه الطفل الصغير اليافع إلى شيخ عجوز، وهب مدافعا عن الحياة بإنهائه حياة إنسان آخر، وكان على استعداد دائم لإنهاء حياته وحياة الآخرين في آن واحد. لقد استطاع تاركوفسكي أن يضع هذه الطفولة مع الحرب كمعادل تراجيدي، إذا جاز التعبير، لمأساوية التاريخ الذي يحاول البعض الضغط على حلزونه ليصبح دائرة تحيط به وبأسلحته وذاته المتضخمة. كما يبقى تاركوفسكي الغائب – الحاضر الذي استلهم أوجع ما في التاريخ من ألم ووضعه على مرآة الفن ليعكس مصير أي طفل في أي حرب في أي بقعة من العالم.

 

من أشهر أفلام أندريه تاركوفسكي "طفولة إيفان – 1962"، الذي حصل على الجائزة الأولى "الأسد الذهبي" في مهرجان فينيسيا الدولي عام 1962. والفيلم الملحمي "أندريه روبليوف – 1966"، الذي حصل على إحدى الجوائز الكبرى في مهرجان كان عام 1969. كما حصل فيلمه "سوليارس – 1973" على الجائزة الخاصة في مهرجان كان عام 1972، ثم حصل على فيلم "المرآة – 1975" على جائزة النقاد في إيطاليا عام 1981، وعلى جائزة أخرى في إسبانيا في نفس العام. كما حصل فيلم "حنين – 1983" على إحدى جوائز مهرجان كان الكبرى عام 1983. وحصل فيلمه الأخير "تقديم القرابين – 1986" على الجائزة الخاصة في مهرجان كان عام 1986. هذا إلى جانب العديد من الأعمال السينمائية الأخرى، والأعمال المسرحية والغذاعية الضخمة في الاتحاد السوفيتي وفرنسا والسويد وإيطاليا والدول الاسكندنافية.

وبعيدا عن حياته السياسية والتفاصيل المحيطة بها، فقد مات في فرنسا بعد رحلة طويلة مع مرض السرطان في 29 ديسمبر 1986 ودفن في مقابر الروس هناك.