يعد المسرح أحد أشكال التعبير الثقافية الراقية ، وهي وسيله عميقة الحضور في الفكر والثقافة الغربية ؛ فالمسرح اليوناني- على سبيل المثال -  يعد الأُنموذج الأول المكتمل الذي استلهم كثيراً من التجارب الدينية في طيبة وبابل ، وأخرجها في أشكال من التعبير راقية ، ارتبطت بالروح اليونانية ، وجسدت طبيعتها الثقافية ، وتفكيرها النقدي الحر .
فإن المسرح أحد اشكال القوة الناعمة ، مثله مثل الأدب الذي كان حاضراً، في ثقافة الروس وتركت أثراً عميقاً في وجدانهم وأثرت أيضاً في محيطهم الثقافي الاسلافي أو فيما بعد في المحيط الغربي أو الاشتراكي ، إذ كان المسرح أحد أشكال الثقافة المؤثرة ، وإن كان لم يصل الى مستوى الأدب الروسي ، وأثره العميق في العالم .بوصفه أحد أشكال التعبير العميقة في المحيط الاقليمي والعالمي بطرق ناعمة بعيدة عن الصلابة ،  فالقوة الناعمة هي "القدرة على إحداث أمر معين ، وتأثير فرد أو جماعة بطريقة ما على سلوك الآخرين " اذ القوة الناعمة هي "القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام ، وهي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج والأهداف المتوخاة بدون الاضطرار إلى الاستعمال المفرط للعوامل والوسائل الصلبة " () وهو ما تجلى في انتشار الثقافة الروسية في محيطها الاسلافي والغربي ومن ثم العالمي والذي وظِّف من قبل الاتحاد السوفيتي في نشر قيم الاشتراكية عالمياً .بعد أن أدرك أثر الثقافة والتثاقف في السياسة اذ "إن ما يقتل الناس ، كما الذي يحييهم ،هو الأفكار "()
 
 

أولاً : مراحل نمو المسرح الروسي :

 تحتل الثقافة مكانة مهمة في روسيا وخصوصاً المسرح ، منذ اليوم الذي اكتسبت به موسكو مكانه مرموقة بعد انتصارها على التتار عام 1480م ، وتوحد روسيا في ظل حكم أمير موسكو، الذي أصبح يدعى قيصر فيما بعد ، ظهر ما يعرف بالأدب الموسكوفي الذي ركزّ على الموضوعات السياسية ، وأبدى اهتماما كبيراً في الأسلوب.والى جانب توسع جغرافي روسي ، خلق تنوعاً حضارياً وثروةً ثقافيّةً ومنه " المسرح " ، فكانت هناك أشكال متنوعة من المسارح ، بين الدراما والكوميديا إلى جانب مسرح الاطفال ، فإن الحديث عن المسرح في روسيا ذو شجون ، منذ سحر البدايات .إذ ترجع أصول المسرح الروسي إلى قرونٍ عديدة ، حيث المراسم الوثنية من الأسلاف القديمة، مثل طرد فصل الشتاء والترحيب بالربيع، والمهرجانات المسيحية في وقت لاحق من عيد الميلاد وعيد الفصح، أو الطقوس المختلطة من الكرنفال، مماثلة لشعائر ديونيسوس اليونانية، وكانت تعد عروضاً مسرحيةً حقيقية وما تبقى منها في روسيا من مخلفات القرنين( الثامن عشر والتاسع عشر) الميلاديين، وحتى القرن العشرين، وقد تم جمعها ودراستها من قبل الإنثوغرافيين والفلكلوريين، ويظهر محرك قوي للتعبير عن الذات في مختلف الطرق التي تنبع بالتأكيد من عصور ما قبل التاريخ، وعلى أي حال ، من عصر ما قبل المسيحية. () اذ كانت البدايات على شكل احتفالات شعبية في الأعياد الدينية ، يوم كان الناس يحتفلون بمواسم الانقلاب الشتوي والانقلاب الصيفي ، كانت تقام اثناء تلك المواسم  احتفالات دينية وفلكلورية مليئة بالألعاب ويتخللها الرقص والغناء والعزف الموسيقي على الآلات الشعبية ، وغيرها من أشكال التسلية الموجودة يومها .إلا إن تلك العروض المسرحية الأولى "كانت عروضاً وثنيةً مع تلاوات مثيرة من الخرافات والحكايات والأمثال، والغناء والرقصات، وقد تعرضت تلك العروض الى المطاردة من قبل الكنيسة الأرثوذكسية والسلطات ؛بسبب كونها أنها ماتزال تروي التراث الروسي الوثني الذي حاول المنشدون من خلال عروضهم المسرحية  إحياء الطقوس القديمة اذ كان المنشدون بمثابة نوعٍ من المرشدين الروحيين يمثلون التراث القديم لأهل البلاد ،وسعيهم الدائم من أجل المحافظة على صلة وثيقة للتقاليد الوثنية. إلا إن هذا التراث تعرض الى الحذف والنسيان بفعل عنف المطاردة للكنيسة وحليفتها الدولة إذ بقيت تلك المطاردة لمدّة طويلة - حتى نهاية القرن السابع عشر الميلادي إذ ظهر مسرح بديل من قبل الكنيسة فقد أخذ شكلاً جديداً من التوظيف للمسرح من التراث الوثني الى التراث الكتابي ؛فقد ظهر في القرن السادس عشر الميلادي مسرح كنيسة أداء قصص الكتاب المقدس اذ شهد العام   1672م افتتاح أول مسرح في روسيا وقد تناول موضوعات الكتاب المقدس ." ()
لكن بقي المسرح قريباً من الناس من خلال الفرق المتجولة ومع هذا المسرح ظهر الممثلون الذين كانوا يمارسون العزف على الآلات الموسيقية ويجيدون الغناء والرقص ، ومع مرور الزمن بدأ هؤلاء يتوحدون على شكل فرق متجولة تجوب أقاليم البلاد وتقدم مواهبها، كما بدأت هذه الفرق بإقامة منصات في الساحات العامة للمدن. الممثلون كانوا يستعملون في عروضهم الدمى والأقنعة والآلات الموسيقية البدائية مثل الآلة الوترية والمزمار وغيرها، وفي حين أن الجمهور كان عادة من الأوساط الاجتماعية البسيطة. بيد أن ظاهرة العروض هذه كانت في واقع الأمر البوادر الأولى للمسرح الروسي .
إلا إن تاريخ الرسمي للمسرح الروسي يبدأ في ذلك اليوم  الذي لا يمكن نسيانه في 17 أكتوبر 1672م، عندما تمكن الكوميديون، من إخراج عدد قليل من الألمان، وقدموا أول أداء لهم في محكمة موسكو () وبهذا أخذ المسرح الروسي بالتطور ، تواصلاً مع أشكال المسرح الغربية اذ نشأ المسرح الدرامي في روسيا في عهد القيصر ألكسي ميخايلوفيتش (1629- 1676م) ، في حقبة سبعينيات القرن السابع عشرالميلادي، حين طرح أحد النبلاء على القيصر فكرة تأسيس المسرح على الطراز الأوروبي لأغراض التسلية في البلاد. ومع مرور الزمن أصبح موضة لدى النبلاء إقامة مسارح خاصة بهم في قصورهم، فنشأت مسارح في عزب النبلاء التي ساعدت على ظهور الممثلات بعد أن كان الممثلون سابقاً من الرجال حصراً. في هذه المسارح كانت تقدم أعمال المؤلفين والموسيقيين الأوروبيين مثل الكاتبين جان جاك روسو (1712-1778م) ،وديني ديدرو (1713-1784م) والموسيقيين مونسيني وغريتري وبيتشيني وموزارت. وتدريجيا بدأ  المؤلفون الروس بالظهور أيضاً الذين كتبوا مسرحيات تاريخية روسية .
القيصر بطرس الأكبر (1629-1725م) فقد اهتم بالمسرح وعمل على توظيفه في التأثير على الناس كقوة ناعمة الى جانب معرف عنه من شده وصلابة ومن اجل هذا ، أعاد الحياة إلى المسرح الروسي الرسمي، إذ استدعى الفرق المسرحية الألمانية والفرنسية والإيطالية لتقديم عروضها في روسيا إيمانا منه بأن الثقافة الأوروبية ستأثر في تطور روسيا، وعمل على نقل المسرح من قصور النبلاء إلى عامة الناس ؛ليشاهد العروض جميع الراغبين وليجعله تجسيدا لانتصاراته.وبهذا عمل على توظيف المسرح  خدمة لأهدافه السياسية سواء ، بانفتاحه على الغرب أم بتأميم المسرح وجعله بيد السلطة الرسمية ومن ثم أصبح باب للتأثير والاحتفال بالانتصارات التي تحققها جيوشه ، لكن بعد وفاة بطرس الأكبر ضعف الاهتمام بالمسرح .
حتى انتعش المسرح من جديد في عهد الامبراطورة آنا ايوانوفنا(1709-1762م) إذ بدأت تقدم العروض وتقام الحفلات التنكرية وأمسيات التسليَة؛ لكن هيمنة الفن المسرحي الفرنسي والإيطالي ولاسيما في أساليب التمثيل والديكور والأزياء والربرتوار استمر خلال مدة طويلة.  وقد استمرت الهيمنة الخارجية على المسرح لكن مع ظهور المسرحيات الروسية كان لا بد من نشوء براعم الفن المسرحي الروسي الأصيل إذ أخذ كتاب روسيا العظماء مثل : (بوشكين ،وليرمنتوف ،وغوغول ،وغريبويديف ،واوستروفكي ،وتورغينيف) وغيرهم بالتأليف للمسرح، وكانت هذه نقلة نوعية ومصيرية للمسرح العالمي .
هذه النبضات منحت الفن المسرحي الروسي دفعة لظهور فنانين روس على خشبته من  أمثال: (شيبكين، وشومسكي ،وسادوفسكي ،وسامارين، وفاسيليف ،وفاسيليفا ،ومارتينوف، وسامويلوف) الذين برزوا في أداء المسرحيات الروسية، بعد ذلك بدأت الأسماء الروسية تزداد في فضاء عالم المسارح لتصبح روسيا واحدة من أهم أعمدة هذا الفن الكبير..()
 

ثانيا : نماذج من المسرح الروسي :

ومن أشكال المسرح الروسي كان المسرح الواقعي اذ طالما عُدّ نيكولاي غوغول (1809- 1852م) كاتباً  للحياة الواقعية في المسرح الروسي، ورائداً في المدرسة الواقعية ، تلك التي تنقل القضايا المعاصرة بلغة تقترب في بساطتها من لغة الحياة اليومية. ومصطلح "الواقعية " يعود بمعناه المعاصر إلى الثلاثينيات من  القرن التاسع عشر، للدلالة على فن لا يولد فقط من الخيال ولكنه ينبثق من ملاحظة الواقع بدقة.
 كانت مسرحيات غوغول شعبية وأصيلة نتيجة قربها الشديد من واقع الجماهير، مما أثار  بعض النقاد ضده ولاسيما المتمسكين بالأشكال القديمة للمسرح. في مسرحيته الأشهر "المفتش العام" التي مُثّلت لأول مرة على مسرح بطرسبرغ عام 1836م، ولاقت نجاحاً كبيراً، تناول غوغول مشاكل الحياة الملحّة، وكال فيها نقداً لاذعاً لواقع الظلم والفساد والرشوة والأوضاع الصعبة التي يعيشها فقراء ذلك الزمن؛ وربما لهذا ما زالت تعرض بنجاح على المسارح العالمية لتماهيها مع مشاكل الطبقة الفقيرة التي لم تتغير كثيراً على الرغم من مرور زمن طويل على كتابة المسرحية. ()
وقد أظهر أنطون بافلوفيتش تشيخوف (1860-1904م)  تحولاً مهماً في المسرح الروسي بل والعالمي ، اذ اتسمت اعماله بالعمق النفسي الذي يظهر في سلوكيات أبطال مسرحياته ، فقد ظهر  تشيخوف  إلى جانب أسماء مسرحية غربية من أمثال( جورج برنارد شو (بالإنجليزية ( 1856-1950م)) George Bernard Shawهنريك يوهان إبسن (Henrik Johan Ibsen (1828-1906 م)وغيرهما ،وقد ترجمت اعماله إلى اربعين لغة ، اذ يعد أحد أهم أعمدة المسرح الروسي ، وقد كانت تجربته محل اهتمام عالمي وقد أقيمت وتقام مهرجانات  تدورحول شخصيته .()
. وبحلول منتصف القرن جاءت قسطنطين ستانيسلافسكي Constantin Stanislavski ، وقد أكتسبت مسرحية النورس في عام 1898م لتشيخوف أول نجاح له. وازدادت شهرة ستانيسلافسكي مع كتاباته التي تصف النظريات التي استعملها في تعليم ممثليه وإخراج مسرحياته. وتشمل أعماله : إعداد الممثل بالإنجليزية (1936م)؛ بناء الشخصية بالإنجليزية (1949م). مما شجع تشكيل جيل جديد من الممثلين فهو كان مهتماً بتطوير الأداء المسرحي وهو يطرح تسائله الآتي فيا ترى ماذا كان في وسعي أن أفعل ؟ وهو يصف حالة غياب الصدق في الأداء ،بقوله :(لقد جعلت أستعرض الماضي خطوة ،فخطوة ، فتبينت رويداً رويداً أن المحتويات الداخلية ....أعني عن إحساس داخلي صادق ،إحساس جميل مثير ..أما الآن فكل ما تبقى من هذا الإحساس الصادق العميق فهو قوقعة خالية التي لفحتها الريح ...)() وكان لهذا اثره في تطور الأداء التمثيلي .
.اما في مطلع القرن العشرين فقد شهد المسرح الروسي حركة نمو كبيرة وظهرت أساليب جديدة ، (في الحقبة السوفيتية استمر المسرح لمدة تقارب خمسة عشر سنة الا انه تعرض الى صعوبات بفعل التضييق على الحريات بفعل الخطاب الشمولي ، فرغم انه - اي المسرح الروسي - كان جزءاً من المسرح السوفيتي يواجه اشكال الشمولية ، الا إنه لم يتوقف عن ظهور أسماء مهمة في مجال المسرح .كان جزءاً من القوة الناعمة السوفيتية الى جانب قوتها الصلبة و التي تنشر الأدب الواقعي والنقد الاجتماعي .. ) .() 
فإن المسرح السوفيتي كان يمثل موقف صراعي،  بين الفكرة المركزية المتسيدة الاشتراكية وبين خصومها الشكلانيين الذي كرسوا المسرح لمبدأ الفن لأجل الفن. وهي رؤية تتقاطع مع الخطاب الشمولي الجماهيري التعبوي السوفيتي .الذي تحكمه قوانين الفن الاشتراكي وقد حلّ محل المسرح النخبوي السابق للثورة في عام 1917م. فهو صراع بين القديم الذي يغلب الشكل على المحتوى فيما الجديد يغلب المحتوى على الشكل . () ، اذ شهدت روسيا نهضةً خلاقةً عميقةً في : ( الكتابة المسرحية والإخراج.( وقد وصل جيل جديد من المخرجين في المراحل الرئيسية في البلاد، وبذلك ظهرت وجهات نظر سياسية جديدة، وكسر الاستعمال المعياري للغة..()