هكذا كانت النهاية لكن ماذا عن البداية؟ هي إحدى عروض "Slava Snow Show" في قاعة المؤتمرات في ضبيه، التي تستمر إلى 26 من الشهر الجاري، وهي عبارة عن تحفة فنية مسرحية درامية - تراجيدية لمؤسسها المهرج الروسي سلافا بولونين وفرقة من المهرجين أبهروا العالم فيما قدّموه. جالت الفرقة العالم العربي أخيراً وقدمت عروضها في البحرين وأبو ظبي والكويت وقطر، وتفرض النظرية الآتية: من قال إنّ المهرج هو للسيرك فقط؟



أجواء السحر العالقة في أذهاننا عندما كنّا صغاراً اختزلت في عرض مزج بين المرح الصاخب والمشاعر الانفعالية وتداخل الحلم بالواقع ليعيد من يشاهده قسراً إلى طفولته. فمن منا لا يتمنى العودة إلى هكذا لحظات. في العرض المسرحي سخرية درامية غير مبتذلة تجعلك تعيد النظر في العروض المسرحية المقدمة، ويجعلك تفخر بأنك جزء من هذا العرض. هو تكريم للمهرج واعتباره شخصية درامية ساحرة وليست أسيرة أجواء السيرك التهكمية. خرج بولونين بفكرة تأسيس هذا النوع في العام 1993 بعد مشاركته في إحدى عروض السيرك في الجزائر " Cirque du Soleil"، وقرر أن يسلّط الضوء على الجانب الخفي من شخصية المهرّج الذي يملك من الحس المسرحي ما لا يملكه كبار الممثلين الرائدين على الخشبة الكلاسيكية. وتكمن جمالية العرض في كون الجمهور جزءاً من التجربة الذي يتعرض لهجوم من المهرجين في أسلوب طريف وسط صرخات وقهقهات طفولية من الكبار.



 





"النهار" في كواليس قبل العرض

ندخل إلى غرفة أحد أعضاء الفرقة ويدعى برادفورد ويست، يضع المكياج قبل ارتداء الزي الخاص بشخصيته، نسأله هل أخذت دروساً في وضع المكياج، يجيب بأنه يضع المكياج فقط ولا يفكر، بل يجسد ما يشعر به. أحد أعضاء الفرقة يجيب عن ويست بالقول: "تعلّمت فن مكياج المهرج من الاطفال في عمر 3 سنوات لأن الطفل أفضل فنان".







أريتم زيمو: الطفل أفضل معلّم

 

 
هو عرض مسرحي من مشاهد عدة، مهرجون باللونين الأخضر والشخصية الرئيسة باللون الأصفر يؤديها أرتيم زيمو الذي عبّر لـ"النهار" عن سعادته لتواجده في لبنان، "وهي جولة تشكل أفقاً ودفعاً لتقديم العروض الممتعة التي تزرع البسمة على جوه الناس".
ينقل زيمو أن "مؤسس الفرقة "سلافا" قرر أن يغيّر النظرة إلى المهرّج وإخراجه من إطار السيرك والحركات البهلوانية التي يقوم بها، فأسند اليه دوراً درامياً تخترقه لحظات نفسية ممزوجة تارة بالسعادة والطرافة وأخرى بالحزن والغضب، بشخصية قوية متقلّبة، فأوجد شخصية المهرج المسرحي المليئة بالمشاعر البعيدة كلياً من أسلوب السيرك"، يضيف: "لدى اطلاعي على الفكرة المطروحة، أحببتها وبذلت جهدي لأجسدها في النحو المطلوب لأنه اتضح أنها حلم بالنسبة لي. ونستوحي هدف عملنا من الجمهور الذي بات يشعر بعد انتهاء أي عرض بأنه عاد طفلاً"، لافتاً إلى أنّ "الطفل أفضل معلّم ولهذا السبب نحن لا نتدرب قبل تقديم عروضنا بل نتفاعل فيها".

 

"سلافا" لم يحضر لبنان لأداء العروض لانشغاله في التحضير لمشروع جديد، وتولّى زيمو أداء الشخصية الأساس إلى جانب ستة مهرجين ارتدوا الزي الأخضر، فضلاً عن وجود ثمانية تقنيين وزّعوا أدوارهم لانجاز التقنيات البصرية والمؤثرات الصوتية والإضاءة وهندسة الديكور.



 

 

 

إعادة لبنان إلى خريطة الترفيه

أما مدير شركة "سوليست" المنظمة للعروض كلود طحشة أوضح لـ"النهار" أنّ الهدف من استضافة الفرقة العالمية "إعادة لبنان إلى خريطة الترفيه لاعتبار أنّ لبنان هو المصدّر الأول للترفيه وعروض التسلية"، ويضيف: "لن نسمح ان تقوم فرق بجولاتها في المنطقة من دون أن تمرّ في لبنان". وعن صعوبة استقطاب هكذا عروض، يعترف طحشة انّ "النظرة إلى لبنان صعبة بسبب الإعلام والأخبار التي يتم التداول فيها بأسلوب غير مسؤول يؤثّر على واجهة لبنان الترفيهية".

المؤثرات البصرية وموسيقى

 

 
منذ بداية العرض وحتى نهايته لا يمكن إغفال براعة التقنيات البصرية لجهة الإضاءة والدخان وكانت كفيلة في تأسيس أرضية المشاهد التي نفّذها المهرّجون. أجواء الثلج المصنوع من رقيقات ورقية والديكور الخلاّق غير المتكلف ساعد في ايصال عدد كبير من الرسائل فقام بدور اللسان الناطق عن المهرجين.

 

ولا بد من الاعتراف أنّ الموسيقى كشفت شخصية مؤسسها المليئة بالمشاعر، حزينة رغم فرحها. اختار "سلافا" لعروضه الموسيقى السيمفونية لبيتهوفن وكارل أورف وموريس رايفل، إلى جانب أصوات القطار والرياح والشتاء والعاصفة الثلجية خدمت المشهد المسرحي الكلاسيكي.



ماذا عن المهرجين

 

 
يملك المهرجون ما لا يملكه العديد من ممثلي المسرح، القدرة العالية على التعبير بوجوههم المضحكة المبكية، القدرة الجسدية والليونة في تنفيذ الحركات الايمائية من دون أي جهد أو تزلّف. الارتجال والتفاعل مع الجمهور بعفوية تلامس القلب حقق الهدف المنشود لأنهم ينظرون إلى الجمهور بوصفه طفلهم ووظيفتهم رسم الضحكة، غير أن هذه الضحكة تخذلهم في العديد من المواقف الانسانية المليئة بالتراجيديا. حتى تصميم الرقص غير متكلّف، كله انسجام واحتراف وجسد واحد. رقصة الموت، تحول السرير قارباً، تجول طفل داخل فقاعة، مهرج يلحق بالقطار ويتحول قطاراً ثمّ يظهر في قبعة يتصاعد منها الدخان ويخرج رسالة ورقية تتحول وابلا من الرقائق يفجر عاصفة ثلجية تهب في وجه الجمهور فتتركه في حال من الذهول.

 



 




اسراء حسن
النهار ١٥-٣-٢٠١٧