أهمية وفرادة هذا المعرض تكمنان في العودة إلى تاريخ غير بعيد طالما دُمِغ ابتداء من زمن البيريسترويكا من قبل كثيرين من رجال الفن المعجبين بمدارس الفن الغربية جيدها ورديئها على السواء بحديث لا نهاية له عن "عدم وجود فن سوفياتي" وعن "الفن السوفياتي المؤدلج" الذي ليس بفن وعن "غياب المواهب" وطمسها في ظل "نظام دموي" دينه وديدنه فرض الرقابة الصارمة والحد من حرية الفنان في تلك الإمبراطورية الحمراء. ولئن كانت هناك "ضغوط" تمارس على الفنان من حيث عدم تشجيع التوجه الإيديولوجي لأعماله إذا كان هذا التوجه منافيا للسياسة الرسمية، فقد كانت هناك بالمقابل "ضغوط" من نوع آخر، ضغوط إيجابية تتطلب مستوى عالياً من التحصيل الفني، وكان التزام من قبل الدولة بإتاحة الفرصة لأن يعيش الفنان من رسمه من دون البحث عن زبائن يشترون أعماله. هذه الأمور بدأت تظهر بوضوح أكبر في السنوات الأخيرة حيث يشهد المجتمع الروسي التفاتة إيجابية ولو خفيفة في اتجاه آخر، في اتجاه نظرة أكثر موضوعية إلى الواقع السوفياتي الذي هو جزء من تاريخ الشعب لا يمكن إنكاره، بل ثمة الكثير فيه ما يمثل مدعاة افتخار على شتى الأصعدة.

منظم المعرض هو الاتحاد الدولي لنقابات الفنانين، وهو الهيئة الاجتماعية الوحيدة التي تجمع في ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بين كل اتحادات الفنانين من بلدان رابطة الدول المستقلة، وكذلك نقابة فناني موسكو وسانت بطرسبرغ وكييف، المرتبطة باتفاقات ثنائية مع اتحادات الفنانين في لاتفيا وليتوانيا واستونيا. وقد كانت هذه الاتحادات جميعا تعمل معا حتى الأمس غير البعيد في فضاء سياسي واجتماعي وثقافي واحد. وكانت تخصص أموالٌ ضخمة لتنمية الفنون والحرف اليدوية والحفاظ على التقاليد القديمة في كل هذه الجمهوريات. فكانت في كل واحدة منها استوديوهات سينمائية وجامعات، وأركسترات فيلهارمونيا خاصة بها. وكان لها فنانوها ونحاتوها ومعماريوها.

نرى في المعرض لوحات الفنانين: الأذربيجاني فرهد خليلوف والأرمنية إرانون أصلامازيان، والأوزبكي رحيم أحمدوف والتركماني عزت كليطشوف والبيلاروسي غيورغي فاشنكو والأوكرانية تاتيانا يابلونسكايا والطاجيكي زهراب قربانوف واللاتفي بوريس برزينيش، والمولدافي ميخاي غريكو والليتواني سيلفستراس جياوكشتاس. وبطبيعة الحال، كان أساتذة الفن الروس ممثلين تمثيلا لا بأس به ومن بينهم الكسندر داينِيكا، وسرغي غيراسيموف، ويوري بيمينوف، وديمتري جيلينسكي، وفيكتور بوبكوف، وأوليغ فيلاتشيف. ومن الجدير بالذكر أن مشروع عرض هذا العدد غير المسبوق من أسماء مشاهير الفنانين وأعمالهم ينظم للمرة الأولى منذ 25 عاما مرت منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.

إجراء تحليل عميق لجميع المعروضات أمر غير ممكن، لأن المعرض يحتوي على أكثر من ألف معروضة ما بين لوحات ومنحوتات ورسومات لديكورات مسرحية وأزياء تمثيل، لذلك من المنطقي التركيز على بعض ما جاء به المعرض ...

عوالم غيورغي نيسكي! هنا الرومانسية والسماء الشاهقة وبرد الشمال. القطارات العَجول. شاعرية الارتحال بعيداً واختراق خطوط الطول والعرض، المصانع والطرق السريعة. ديناميكية العصر - من النقطة ألف إلى النقطة باء. طيور الترويكا الروسية التي حلت محلها الجياد الفولاذية.

غيورغي نيسكي كان كما لم يكن أحد غيره يعرف كيف يصور الريح، ونضارة الصبح والهواء المصقع والرطب. كان يحول بفرشاته السحرية مشهداً طبيعياً صارماً إلى أنشودة للسعادة المضطربة. القطار أو الطائرة أو السيارة المنطلقة تنهب الأرض أو الجو نهباً هي دائما تعبير عن الفرح والبهجة ممتزجة بالحزن وبالأمل المفقود. يقدم المعرض سلسلة من أعمال غيورغي نيسكي، لا سيما مشهد "فوق البحيرات" (1959).

وهو يعتبر مؤسس "الأسلوب الصارم"، وهذا أمر مشكوك فيه، لأن التشابه فقط سطحي. ففنانو الاتجاه "الصارم" يرسمون السماوات الثقيلة الوطء والسترات القاسية الملمس. بينما نيسكي خفيف الشطحات دقيقها رغم شدة برودة المياه ونفاذ العواصف إلى داخل العظام. هو - على النقيض من "الصوارم" - يخلق عالما جذاباً لا بد أن ترغب في الذهاب إليه والبقاء فيه.

لوحة يوري بيمينوف Pimenov "احتفال عاطفي بالانتقال إلى شقة جديدة" (1965) هي قصة أخرى. زوجان شابان في شقة جديدة، شقتهما الخاصة هذه المرة. لكن بعد حين يبدأ لديهما حنين غريب إلى العيش جماعياً مع أسرة العاملين في المهاجع المشتركة، حيث يسكن في الغرفة الواحدة خمسة أشخاص. يمكن للمرء أن يحوّل أي كابوس إلى مناسبة يستعيد فيها ذكريات بها حلاوة وحنين. لا سيما أن الناس في حقبة ما يسمى "ذوبان الجليد" السياسي في حقبة خروشوف وتطرّي الأجواء مع الغرب، باتوا يريدون التمتع بكل أسباب الراحة الممكنة: بشقة مستقلة، حتى ولو كانت ضيقة نسبياً وذات سقف واطئ، حتى ولو كانت في منطقة نائية، حيث كانت ترعى بالأمس الأبقار ولم يكن ثمة بعد تلميح إلى أن طريقا معبدة ستوصلك إليها. الناس التي شبعت حتى الامتلاء من ويلات الحرب وأوزارها باتت تنشد الراحة والطمأنينة وهدأة البال. وهي استحقت ذلك. الزوجان الشابان في عناق عاطفي جامح وسط غرفة شبه فارغة. الكتب هي المقتنى الرئيسي بل غالبا الوحيد لهذين الفيزيائيين المغرمين، هذين المثقفين اليافعين، الأرستقراطيين في روحهما. وفي الخارج أرخى الليل سدوله وبدأت أضواء البيوت والشوارع تتلألأ كنجوم قريبة. الحياة تغلي في كل مكان. بيمينوف يبين لنا جزءا من الحمام الأبيض الناصع كالثلج، حمامه هو الخاص به، من دون أن تكون فيه ليفة لهذا أو طست غسيل لذاك. ثم ها هو المطبخ - صغير جدا، ولكن أيضا من دون أشخاص غرباء، من خارج العائلة، من دون العمة كلاڤا التي تحمل المغرفة لتنهال بها على مُناكف، ومن دون العم ڤانيا الذي يصب الغراء نكايةً في حساء جار في الشقة المشتركة. ونرى إبريق القهوة يصب منه بطلا قصتنا السعيدان القهوة ليشرباها ويتبادلا أطراف الحديث عن كل ما هو مكتوب في تلك الكتب إياها... وبعد مضي عشر سنوات، سيصبحان ممتلئين شحماً ولحماً من جراء تناول السجق والترت بدون وازع أو رادع، ويبدآن يحيطان نفسيهما بالأشياء على أنواعها فيضحيان كأنهما في شرنقة، ويشتريان الأثاث المنزلي "شغل البلاد". ويتفرجان على البرامج المسلية المضيّعة للوقت لا أكثر على شاشة التلفزيون الملون. وسوف يقفان على الأرجح في طابور الانتظار لشراء سيارة "لادا" أو "فولغا" من صنع محلي. وحتى الآن لا نزال نرى جمالية الانتقال الرومنطيقي إلى الشقة الجديدة.

لربما تحولت حياتهما بشكل مختلف ... فهذه سبعينيات القرن الماضي. ليست هي فقط فترة بروز البرجوازية الصغيرة السوفياتية في السنين المتأخرة من وجوده، ولكنها أيضا فترة التعلق بالقراءات الأدبية من روايات وأقاصيص. شخصيات ديمتري جيلينسكي هي من المثقفين المرهفين المرسومين بأسلوب عصر النهضة الإيطالية. في تلك السنوات، رُسمت لوحة "وجوه معاصرينا" على غرار بوتيتشيللي ورافائيل وجيوتو. تراث ماضي البشرية الثقافي ما كان ليرقى إليه الشك. كان على الرسام السوفياتي المحترف أن يتعلم على أمثلة الكبار. لوحة "رسم الفنانة زُليقة-باجبيوك-ميليكيان" (1974) تذكرك برسوم السادة من سلالة أرستقراطيي سفورزا أو ميديشي. وجه هادئ متغطرس وأنف معبر وفم كبير.

وفي أيدي المهتمين بالفن ألبوم يضم اللوحات الفنية الروسية القديمة. ترى على لوحة "قصائد" (1973) أيضا فتاة تحمل ديواناً شعرياً صغير الحجم.

ثوب أبيض وحديقة ملأى بالزهور. موضوع حديقة الرب المثلى من العصور الوسطى وعصر النهضة يجد مؤاتاة له في البيئة السوفيتية ويبدأ يعطي ثماره. ومن جديدٍ يعود إلى الواجهة الكتاب. وهو الآن في يدي شاب يرتدي سترة زرقاء. وجه رقيق فيه نبل ولكن لا أثر فيه لأية مشاعر، لأية عاطفة. وهذا على خلفية أزهار باللون الأصفر المبهج. اللوحة هكذا تسمى: "باقة زهر أصفر" (1973)، والصبي الذي يرتدي الأزرق يحمل فقط باقة الزهر. الأثاث العتيق يشكل عنصرا هاما من عناصر البيئة البيتية المحيطة. ولئن راح جيل الستينيات يرمي كل عتيق في صندوق القمامة وهو يحتفل بالانتقال إلى شقة جديدة جالسا على كراسي نحيفة القوائم، فها هو "العتقيّ" القديم الأنيق المغطى بالغبار يُخرَج إلى النور مجددا في السبعينيات من مخابئ الزمن المنصرم.

وها هو المطبخ يعود مكاناً للـ"سولفة" بدلا من مقاهي الشباب. تلك هي الحصيلة الكبرى لنزوح المثقفين السوفيات. حصل هذا بحلول نهاية الستينيات، لذا كان الموضوع الذي اقترحته تاتيانا نازارِنكو في لوحة "الفنانون الشباب" (1968) تروي حكاية قعدات الحُدثان تلك. عالم دافئ، وخلف النافذة صقيع الشتاء.

نهاية الستينيات فالسبعينيات- أهمية وراهنية اللقاءات الإبداعية في الشقق الخاصة بين مجموعات الأشخاص الموثوق بهم. لم يعد أحد تأسره الحلقات الجماهيرية وانفتاح العقد الفائت. لوحة تاتيانا نازارنكو تتسم بالوجوم. شعور من الحزن الكوني: "على ألحان موسيقى فيفالدي ... دعونا نستشعر الأسى..." الناس لا تزال تألف الجمع والجماعة، ولكن، كما ادعى الشاعر المغني الكسندر دولسكي "... العزلة أجمل ....". جَمعة من الشباب تغني مع الأحادي فيكتور بوبكوف - "عطلة الشتاء" (1972) - فلا تبدو هي أيضا كعصبة من الشباب متماسكة. فهي تنقسم كل إلى مجموعات صغيرة وأزواج من شباب وصبايا، مع أن كلا من شخصيات اللوحة منهمك بذاته في الحقيقة. زمن تغلّبِ حيّز المشاعر الشخصية والمعاناة الفردية والبحث عن المغزى، مغزى الوجود. كل هذا سوف يطلق عليه مصطلح "حقبة الركود" في عهد بريجنيف. شفافية ساحرة في لوحة "الربيع في موسكو" (1976) بريشة اناتولي نيكيتش. مصطبة زهور لطيفة المنظر وفتاة تستسلم لأفكارها الوردية. وعلى خلفية هذا موسكو القديمة والجديدة: فيلا ذات أعمدة، وناطحة سحاب من عهد ستالين، ومبنيان من الأسمنت والزجاج ضائعا الهوية ... وعلى الرغم من أن الربيع يتوسط الحكاية، يبدو أن الفنان كان يفكر في الخريف. خريف السبعينيات رمز الحزن الدائم. ليست القصائد فقط حزينة، بل الأغاني القديمة أيضا سيدة الساح (أغنية "خريف الحياة كخريف السنة ..."). إنها الإمكانية المبدئية للتقاعس عن العمل والتأمل والانغماس في التفكير لدى المثقفين. لذلك، حتى شهر آذار، شهر بواكير الربيع، بدا وكأنه شهر تشرين الثاني، شهر الخريف بامتياز...

الثمانينيات سنوات السرعة والتقدم: "زمن الإجهاد النفسي والعواطف والانفعالات ينطلق أسرع وأسرع". الثورة العلمية والتقنية وأجهزة الكمبيوتر وحرب النجوم. الاتحاد السوفياتي يطلق عليه الرئيس الأميركي ريغان اسم "إمبراطورية الشر"، ولكن الناس تسكت لأنها تعرف ما هي الحرب من تجربتها المرة. وهناك أغنية بعنوان "هل يريد الروس الحرب؟" جحيم الواقع المرير في لوحة سرغي هوفسبيان "المشكلة-1" (1985) ونقطة اللاعودة. طاولة مفاوضات وكراسي فارغة وخلف النوافذ سحابة فُطر نووي جميل جمالاً لا يطاق. جوقات من الكشافة (الطلائع) كانت تغني في الثمانينيات مع المغني السوفياتي يوسف كوبزون: " لا يزال كوكبنا الأرضي على قيد الحياة، / وما زال الربيع يحلم بنور الشمس، / وسنطالب بحقنا في الحياة، / قبل أن يفوت الأوان، قبل أن يفوت الأوان".

المعرض في  بيت الفنان المركزي هو محاولة أخرى للقول: إن الشعب السوفييتي لم يكن قطيعاً عدوانياً مسيساً كما صوره خصومه في الغرب. كان هناك كل شيء - العمل، والحب، والإبداع، والسفر، ومطالعة الكتب، والجدالات والمناكفات أيضاً. الصبية الصغار في لوحة سيرجي بازيلييف "ذات مرة في الطريق" (1983) يبدون شبيهين بمعاصرينا. ما هي اهتماماتهم يا ترى؟ إنهم يتشاجرون ويتصالحون أو فقط يقررون في أي اتجاه يذهبون؟ لكن هذا لا يعني أنهم سيذهبون حتما في الطريق الصح ...