"يلينا أندرييفنا" - الزوجة (سنها 27 سنة)، ولنأخذ فى اعتبارنا لحظتين:

1-زوجة أستاذ - بروفيسور - تُنَادَى باسمها واسم أبيها.

2-المؤلف يصر على تحديد عمر البطلة بالضبط.

هنا يظهر موضوع السن حتى الآن على مستوى الإشارات فقط، ونتيجة لذلك، فعندما تتطور الأحداث، سوف يتحدث البطل كثيرا عن التوق إلى الشباب. والبطل "سيريبرياكوف" يطلق على نفســه "تقريبا جثة"، وعند هذا الـ "تقريبا جثة" زوجة شابة تبلغ من العمر سبعة وعشرين عاما. وسوف يناديها، تحببا ورفعا للكلفة "لينوشكا"، وسيناديها فوينيتسكي بـ "هيلين"، أما أستروف فسوف يناديها بـ " المرأة الرائعة " ويلينا أندرييفنا... هنا يظهر موضوع الزواج غير المتكافئ. وعلى الرغم من أنه قد تم الإعلان حتى الآن عن شخصيتين فقط : الزوج والزوجة، وهما يبدوان كشريكين مختلفين، وبرغم أن المسرحية لم تقرأ بعد، ولم يبدأ أي حدث، إلا أننا نملك فكرة ما وتلميحا عن الخلاف، ولدينا تصور ما عن المشكلة، كما لو أن تشيخوف يتفق معنا مبدئيا على أن الزواج غير المتكافئ هو مبرر لأسباب الخلاف. وهذه بالطبع ميلودراما مبتذلة ومكررة ملايين المرات في الأدب.

بعد ذلك.. "صوفيا ألكسندروفنا" (سونيا) - ابنة سيريبرياكوف من زوجته الأولى. وهذا ضروري جدا من أجل فهم… "تصور شخصية" سيريبرياكوف. بمعنى أنه أستاذ يمتلك يلينا أندرييفنا كزوجـة "ثانية"، أي أنه كانت له حياة ما قبل يلينا أندرييفنا. إذن فمن الممكن أن يكون الأمر ممتعا، بل أكثر من ممتع للدخول في المسرحية. فماذا عن تلك الحياة في النص؟ هل هناك كلمة أو تلميح أو مميزات لهذه الحياة السابقة؟ لا شئ تقريبا يمكن استخلاصه من فم المربية العجوز مارينا. إن اسم "سونيا" الموضوع بين قوسين في قائمة الأسماء، سوف يأتي داخل النص، خارج الأقواس، وسيصبح أساسيا، كما أنه لا يوجد أي إنسان ينادي سونيا بصوفيا ألكسندروفنا سوى أستروف. وهذا ليس مهما بالنسبة للمؤلف بقدر ما هو مهم بالنسبة للشخصيات الأخرى، مع تذكرنا جيدا أننا قد اشترطنا بأن يكون توزيع القوى على المواقف من منطلق "الزواج غير المتكافئ"، ومن هنا سوف تتفاقم البواعث الدرامية الجديدة، والتي ستكون أسبابا دائمة للصراع والخلافات. ونلاحظ أيضا أن الأسماء الثلاثة الأولى في القائمة تُكَوِّن المثلث الأول للمسرحية: الزوج - زوجة الأب - ابنة الزوج. والأب عجوز متقاعد، وزوجة الأب شابة، وابنة الزوج لم تعد بعد طفلة، أو ليست لديها القدرة على معرفة وفهم "الكبار".

"فوينيتسكايا ماريا فاسيليفنا - أرملة مستشار سري، وأم زوجة الأستاذ الأولى". وهذه أول إشارة إلى الزوجة الأولى. ويتضح أنها من أسرة مستشار سري. ولكن ماذا يعني هذا المنصب… مستشار سري؟ هذا لقب وليس منصبا. فكم كانوا يدفعون من أجل هذا اللقب؟ لا شك أنهم كانوا أغنياء. وماذا تعني كلمة "سري" إلى جانب كلمة "مستشار"؟

وفي النهاية... "فوينيتسكي إيفان بتروفيتش - ابنها". وهو البطل الرئيسي الذي يحمل عنوان المسرحيـة اسمه. ما ترتيبه في قائمة الأسماء؟ الخامس! لم تكن هناك إشارة إلى عمره في القائمة، ولكن ذلك يُعرَف من خلال النص، وعلى لسان الخال فانيا نفسه "والآن عمري سبعة وأربعون عاما". وتشيخوف غالبا ما يستخدم طريقة تداعى البطل على الرغم من أنها أحيانا ما تكون خطرة لأنها تقود إلى "المصارحة" الدرامية، وإلى التقليدية التي تقود بدورها إلى التصوير المباشر بشكل مبتذل. ولكن قدرة تشيخوف هنا تتجلى في أن الجزء التقريري المباشر لفهم الدور متغلغل، متداخل وذائب، وفي حالة تفاعل مع المعاناة الخفية والقلق المسيطر على البطل، مما يجعل هذه التقريرية المباشرة وليدة للحالة الشعورية، ومن ثم يستقبلها المُشَاهد كما لو كانت تفسيرا للتركيبة النفسية للبطل، وليست معلومة مباشرة.

يلي ذلك في القائمة "أستروف ميخائيل لفوفيتش" - طبيب. وتركيز المؤلف على مهنة أستروف لم يأت هكذا عبثا، أو من فراغ، فدور أستروف في مجمله ما هو إلا معاناة ، وخاصة على مستوى ممارسته المهنية للطب، ولذا فهو يتغلب على تلك المعاناة بتركيز اهتمامه على البيئة المحيطة (كمتحمس وليس كمتخصص). "تيليجين إيليا إيليتش" - إقطاعي مفلس. الدلالة والتحديد هنا لكلمة "مفلس" هما نفسهما لكلمة "متقاعد". وإشارة المؤلف إلى فقر أبطاله، وتدني قدراتهم المادية في حالتهم الآنية ، وإلى موقفهم الانهزامي من الحياة، هي إشارة هامة للغاية، حيث إنها تعتبر النظرة المبدئية التشيخوفية للناس الذين يقومون بأدوارهم في مسرحه. ودون إدراك هذا "المفهوم"، من الصعب فهم العالم التشيخوفي، ومن غير الممكن امتلاك ذلك المفتاح الذي يمكن بواسطته فك طلاسم هذا العالم. إن أبطال تشيخوف منذ البداية ضعفاء وعاجزون. وبرغم أن المسرحية لم تبدأ بعد، إلا أن هناك الكثير المعلن عنهم، فهم "متقاعدون" و"مفلسون"… إلخ. وهذا التقويم البسيط والمسبق من قبل المؤلف بمثابة تخطيط لمصائرهم المأساوية التي لم تظهر بعد فى تصرفاتهم وسلوكياتهم وحواراتهم. فهؤلاء الأبطال ينتمون إلى تلك الفئة المهدورة حقوقها، وهم من الدرجة الثانية "بل ويمكن أن يكونوا من النوع الثاني". وبالتالي، فقد حكم عليهم سلفا بتلك المأساة التس يعيشونها.

وأخيرا "مارينا" - المربية العجوز والعامل. والاسم المعاصر لهذه العجوز يثير الدهشة لعدم التطابق الواضح بينه وبين صاحبته، فهو ليس إطلاقا اسما لشخصية تشيخوفية، وسوف توصف، في أقرب إرشاد مسرحي، بالسخرية التشيخوفية اللازمة: "عجوز رخوة ، قليلة الحركة، تجلس بجوار السماور وتحيك جوربا"… أما الإشارة إلى العامل بأنه "عامل" فتكشف عن الطابع الوظيفي للدور، إلا أننا نحاول أثناء الإخراج تنمية وتطوير هذا الدور، وعدم إعطائه أبعادا ميكانيكية اعتيادية، على الرغم من أن الكاتب قد وضعه في ذيل قائمة الأسماء.

ويأتي أول إرشاد مسرحي "تدور الأحداث في ضيعة سيريبرياكوف"، وهو شبيه بالإرشاد الأول في مسرحية "النورس" حيث تدور الأحداث في ضيعة "سورين"، وبالإرشاد الأول في مسرحيـــــة "إيفانوف" حيث تدور الأحداث في قطعة أرض صغيرة بأحد القضاءات الروسية، وبالإرشاد الأول في مسرحية "الشقيقات الثلاث" حيث تدور الأحداث في عاصمة إحدى المحافظات، وبالإرشاد الأول في مسرحية "بستان الكرز" حيث تجرى الأحداث فى ضيعة "رانيفسكايا". لقد استطاع تشيخوف أن يتمرد على العالم كله، ويحاربه، وينتصر عليه بمسرحياته، وبالأحداث التي تجرى بكاملها في تلك البقع المنسية، في زوايا وغرف مهجورة ومهملة، في أكثر الأماكن منافاة للعقل فى روسيا. وبهذا سوف تبدأ الشخصيات حديثها، سوف تبدأ الحوارات و"المونولوجات" التشيخوفية المعروفة، ولكن المهم والرئيسى هو إيقاع المسرح التشيخوفي نفسه. فماذا وراء الكلمة؟ ما العلاقات بين الأبطال بعضهم البعض؟ بأي كلمات يموهون أفعالهم؟ كيف نتعرف من خلال الزخارف الكلامية على حقيقة دوافع وأسباب أفعالهم الظاهرية، غير المبررة، وتصريحاتهم التي تبدو للوهلة الأولى غير منطقية؟ أين الحد الذي تنتهي عنده عملية فعل ورد فعل الشخصية، والحد الذي تبدأ عنده حياة الأشباح التشيخوفية، وبقدر الابتكار عند الحد الأول تكون الطبيعية عند الحد الثاني؟ لماذا، ولأي سبب يكتئبون ويتعذبون، وأحيانا يطلقون النار على بعضهم البعض (على أنفسهم مثل تريبليف - مسرحية النورس) ويخطئون الهدف مثل (الخال فانيا)؟ ماذا تعني الإرشادات التشيخوفية، خاصة تلك التى تتكون من كلمة واحدة "صمت"؟ متى تظهر، وأين تختفي منظومة الشخصيات في الضيعة الموجودة في حيز الرؤية على خشبة المسرح، والتي تعيش في الواقع خارج (الزمن والعالم) الأبعاد الأربعة ( X . Y . Z . T )، حيث الكآبة التشيخوفية كآبة كونية، أما كآبة الحياة العادية فهي فاتنة وساحرة بشكل ما؟

فيا أيها "الخال فانيا" فيم تفكر، وعن أي شئ؟ وما سر هذه المسرحية التي يحلِّق فوقها الموت وهي تنظر في المستقبل؟ 

ترجمة: