نبذة تاريخية: تأسس اتحاد الملحنين في روسيا في عام 1960، ويضم في عضويته كبار الملحنين وعلماء الموسيقى المحترفين في بلادنا. ترأسه في أوقات مختلفة ديمتري شوستاكوفيتش، جيورجي سفيريدوف، رودان شيدرين، فلاديسلاف كازينين. ومنذ ديسمبر كانون الاول عام 2015 يرأس اتحاد الملحنين في روسيا رئيس اتحاد الملحنين في جمهورية تتارستان، الحائز جائزة الدولة المعروفة باسم "جائزة توكاي"، فنان الشعب في روسيا وتتارستان رشيد  فهيموفيتش كليمولين.

من بين أولويات الاتحاد تطوير وتعزيز منظمات الملحنين في المناطق والأقاليم. وهكذا، على مدى العقود الماضية تم إنشاء نقابات الملحنين في ياقوتيا، وتوفا، وخاكاسيا، وجمهورية كومي، وأديغيا، و"زابايكالييه" (ما وراء بحيرة البايكال)، وبيلغورود، وكالوغا، وضواحي موسكو، وغيرها. تأسس اتحاد الملحنين في جمهورية تتارستان كأحد المراكز الإقليمية الرئيسية لاتحاد الملحنين الروسي في عام 1939، على أيدي وجوه قيادية في الفن الوطني هم نسيب جيغانوف وصالح صيداشيف ومنصور مظفروف وألكساندر كليوتشاريف وفريد يارولّين وجودت فايزي. وقد أغنى التراث المتعدد القوميات والأديان لمدرسة قازان في التأليف الموسيقي ملحنون أمثال رستم ياخين، وألماظ موناصيبوف واناتولي لوپوف وبوريس تروبين، ورينات ينيكايف وليونيد لوبوفسكي وشامل شريفولّين، وريسيدا أخياروفا، ومسعودة شمس الدينوفا. بفضل هؤلاء وغيرهم من المؤلفين الموسيقيين، حققت الموسيقى الأكاديمية التترية صعوداً سريعاً وهي تتمتع الآن بشعبية كبيرة في المديين المحلي والعالمي.

كليمولين مع رئيس تتارستان ورئيس مجموعتنا مينيخانوف

كليمولين مع رئيس تتارستان ورئيس مجموعتنا مينيخانوف

1- أستاذ رشيد، لقد احتفلت هذا العام بعيد ميلادك الـ60، وحملت معك إلى هذا اليوبيل الهام إنجازات كبيرة في مختلف مجالات الثقافة والحياة الاجتماعية. أود أن أعرف منك أي مكان يحتله الإسلام في أحاسيسك الخاصة بك وفي إبداعاتك؟

ر.ك.: الإسلام أحد الديانات السماوية الفتية التي تتقدم وتتطور بحيوية. وعلى الرغم من أنني شخص علماني، ولكني في داخلتي مؤمن، وكأي شخص مبدع حقا، أتواصل مع القدرة الإلهية ليس من خلال وسطاء بل مباشرة، فخلق الموسيقى عملية إبداعية ذات خاصية معينة هي تواصل إبداعي مع الله. جدتي نجيمة (من جهة أمي) عاشت حياة طويلة (97 عاما)، ودرست في المدرسة الدينية وكانت حقا مؤمنة: كانت تدعى لتلاوة الصلوات، وكانت تعرف جيداً تقاليد الإسلام، والأبيات الشعرية، والمناجاة، والموسيقى الشعبية التترية. إن جدتي لم تكن وحسب خزاناً ينهل منه المرء لمعرفة التقاليد، بل هي التي كونت عالمي الداخلي، تصوري عن العالم. وعلى الرغم من أنني لا أذهب إلى المسجد، ولا أصلي (وهذا يستغرق وقتا طويلا!)، ولكني أحترم المشاعر الدينية للناس وتقاليدهم، بغض النظر عن الدين الذي ينتمون إليه. ولي تآليف كورالية تحت عناوين: "نحن أمام الله مسؤولون"، و"الوداع" "Elvidag"، و"روايات" وغيرها. وقد تمت تأديتها في بلغار، وفي الفاتيكان، وفي مختلف البلدان.

Картинки по запросу татарский музыкальный инструмент البالالايكا التترية

2- ما هو الدور الذي لعبته ثقافة البلدان الإسلامية في المشرق العربي في تكوين وتطوير التقاليد الموسيقية للتتار؟

ر.ك.:  في نهاية القرن العاشر اعتنق أسلافنا بلغار الفولغا الإسلام فكان للتقاليد الفنية التي جلبت من المشرق العربي وإيران آسيا الوسطى تأثير كبير على تشكيل الثقافة الموسيقية للتتار. وهي ليست فقط تقاليد مرتبطة بالإسلام وتلاوة القرآن (معروف قول النبي صلى الله عليه وسلم "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق والكبائر..")، وترتيل النصوص في كتب تعليم الأخلاق ("المحمدية" و"بدوام")، والأبيات والمناجاة. كل هذا هو أولا نوع شرقي خاص من التفكير الموسيقي الذي يقوم لا على القوانين الصارمة للموسيقى الغربية، بل على الارتجال الصوتي الحر الأحادي اللحن، الذي اتحد عضويا مع أساس الموسيقى الشعبية التتارية - اللحن المنفرد والممتد.

 

3- هل هناك أمثلة على التفاعل بين التقاليد الدينية المختلفة (الإسلام والمسيحية واليهودية، وغيرها). في أعمال الملحنين المعاصرين في تتارستان وروسيا؟

ر.ك.: يعمل ضمن قوام الملحنين المبدعين في اتحاد الملحنين التتارستاني، والروسي أيضا، في تعاون وعلى قدم المساواة ممثلو الثقافات القومية والدينية المختلفة. هنا أتذكر للحال أحد كلاسيكيينا - الكسندر كلوتشاريوف، الملحن الروسي، الذي استوعب الثقافة التترية لدرجة أنه ألف أعمالاً تترية حقا. وأبدع الملحنان المعاصران المير نظاموف وراديك سليموف المقدمة الموسيقية لمهرجان "موسيقى الإيمان" الدولي (هو يقام منذ عدة سنوات في قازان وفي سفياجسك): في هذا العمل تضامّت التقاليد الإسلامية والكورال الميلادي الغريغورياني، والانشاد الشهير، والتراتيل البوذية وغيرها. ولسفيتلانا. زوريوكوفا في المؤلف النهائي "يالفارو"  "Yalvaru" لحن الدعاء الإسلامي إلى الله العلي يتشابك مع "كيرياليسون" «Kyrie eleison» الكاثوليكية. ومن المثير للاهتمام أيضا أن عملي "نحن أمام الرب مسؤولون" المكتوب بحسب الشريعة الإسلامية، أدته جوقة سوكولوفا في الفاتيكان، مركز العالم الكاثوليكي.

وهناك أمثلة أخرى على تداخل التقاليد المختلفة. ومع ذلك، أنا على قناعة تامة، ولست وحدي في قناعتي هذه، بأن إنشاء موسيقى روحية يجب أن يأتي من القلب، أن يكون نتاج تأمل داخلي. عليك أن تكون إنساناً مؤمنا في داخلك أيضا، وأن تعرف الثقافة المعينة من خلال روحك، يجب أن يكون هذا في الدم، وإلا كان العمل، بطبيعة الحال، مثيراً للاهتمام ومشوقاً إلى هذا الحد أو ذاك، ولكنه سيبقى، في رأيي، سطحياً، غير طبيعي.

Похожее изображение

آلات موسيقية تترية

4- ما هي المشاريع التي ينفذها اتحاد الملحنين الروسي واتحاد الملحنين في تتارستان والمخصصة لنشر القيم الروحية للثقافة الإسلامية وأفكار التعاون بين الأديان في الفضاءين الروسي والدولي؟

 

ر.ك.: بشكل عام، جميع مشاريع اتحاد الملحنين في روسيا تهدف إلى الإثراء المتبادل ي ما بين الثقافات والشعوب المختلفة. من بينها - "بانوراما الموسيقى السيبيرية"، والمهرجان الدولي "موسيقى الأصدقاء"، و"مولوت-ترانسفير" العائد لمنظمة شباب الاتحاد، وغيرها. ومن الإنجازات العظيمة للاتحاد دار النشر "الملحن"، التي تصدر منشورات أكاديمية فريدة من نوعها في مجال علم الموسيقى - "أكاديمية الموسيقى" و"الحياة الموسيقية" وصحيفة "الموسيقى الروسية" الإلكترونية المستقلة التي تأسست في عام 2011. على صفحات هذه المنشورات تناقش قضايا تطوير الموسيقى العالمية، كما تنشر مواد لعلماء الموسيقى والملحنين والصحفيين، مكرسة لقضايا تفاعل التقاليد الموسيقية الشرقية والغربية، تقاليد آسيا وأوروبا الموسيقية، وموضوعات أخرى راهنة.

ويجري اتحاد الملحنين في تتارستان مهرجانات دولية لموسيقى "أوروبا وآسيا" المعاصرة ومهرجانات موسيقى ملحني الفولغا ومنطقة الأورال. ونشارك في أكبر مهرجان دولي هو "يوم الموسيقى العالمية"، وكنا بين أوائل المنضمين إلى الرابطة الدولية للموسيقى المعاصرة  ISCM، وجمعية الملحنين الآسيويين. وتجرى في ألمانيا، واليونان، واسبانيا، وفي مدن مختلفة في جميع أنحاء العالم – في ستوكهولم، والقدس، وألماتي وغيرها حفلات في إطار مشروع "لآلئ الموسيقى التترية"، و"لآلئ موسيقى الروس والتتار".

في هذه الأنشطة وغيرها تعزف في كثير من الأحيان مؤلفات تمثل ثقافة الشرق، ولا سيما الثقافة الإسلامية. ولمما يسرني أن يكون موضوع المصادر الروحية للمسلمين التتار وحفظ وتنمية تقاليدهم تتم دراسته بنشاط في خلال العقود الأخيرة (مسعودة شمس الدينوفا، جوزيل سيفولينا، أيغول سوفييسكايا وآخرون). مثلا، جوزيل سيفولينا عازفة موسيقى، تعيش الآن في ألمانيا، وتنكب على دراسة التقاليد الإسلامية ليس فقط للثقافة الموسيقية التترية، ولكن أيضا للموسيقى العالمية. والملحنة إلميرا غاليموفا وهي دكتورة في الفنون تعمل في أكاديمية تتارستان للعلوم، وتشتغل على موضوع موسيقى التتار الاثنية، وتشارك في المؤتمرات والبعثات الفولكلورية.

وها نحن منذ عدة سنوات نقوم بتنفيذ مشاريع مثل "الملحنون الروس للأطفال"، و"ملحنو تتارستان للأطفال" يتم في غضونها إنشاء أعمال جديدة، وتُصدر وتوزع المنشورات الموسيقية المطبوعة والأقراص المدمجة السمعية، وتقام حفلات ولقاءات للملحنين خارج الموقع الرئيسي. في مثل هذه المشاريع، يتناول الأطفال والكبار أفكار الحوار الخلاق والبناء بين الثقافات بشكل ميسر.

Картинки по запросу татарский музыкальный инструмент

دومبرا تترية

5- ما هو موقع فن الموسيقى وتعليمها في المنهج التعليمي العام في تتارستان الحديثة وفي روسيا ككل؟

ر.ك.: بطبيعة الحال، يجب أن يحتل فن الموسيقى وتعليم الموسيقى مكانة خاصة في نظام التعليم العام في أي بلد. ومع ذلك، يشهد المجتمع الروسي والعالم كله اليوم أزمة متعددة الجوانب، وتنعكس على حالة تعليم الموسيقى بالتأكيد مشاكل الاقتصاد والثقافة والعلوم والمجتمع. ففي المدارس، وخاصة في المناطق النائية، ليس ثمة ما يكفي من الكتب والنوتات والآلات الموسيقية، وغالبا ما تكون المباني المدرسية نفسها في حال يرثى لها.

ولكن الكثير يرجع إلى حماس الموسيقيين والمعلمين في المدارس. فهذا اتحاد الملحنين في تتارستان قدم مؤخرا إلى متحف عبد الله توكاي في نوفي كورلاي آلة البيانو الخاصة به لأجل أن تقام هناك الحفلات الموسيقية والتعليمية لأطفال المنطقة ولزوار المتحف. وأنا في الآونة الأخيرة أجري الكثير من الأنشطة للطلاب ليس فقط في تتارستان، ولكن أيضا في جميع أنحاء البلاد. فقد وضعنا ونطبق في المنهج التعليمي مشروع "ملحنو تتارستان للأطفال." وهو يتألف من حفلات ولقاءات مع الملحنين وأنشطة من خارج المنهاج الدراسي مع الأطفال على أساس صلات متعددة التخصصات وأشكال اتصال تفاعلية في المدارس الموسيقية و المدارس العامة وفي دور الأيتام وغيرها من المؤسسات الاجتماعية. وما يدهشني دائما هو كيف يعامل مدرسو الموسيقى بحنان وعناية التلاميذ وبأي حماس يتلقون الأعمال الجديدة للملحنين والفنانين الذين يؤدون ألحانهم، وكم هم على استعداد للقيام بواجباتهم المهنية في ظل أي ظروف، مهما كانت أحيانا صعبة ومعقدة. وأعتقد أن هذا هو البطولة الحقيقية، وطالما هناك مثل هؤلاء الأبطال الشجعان، ستبقى ثقافتنا، ومعها تعليمنا، تنمو وتزدهر!

Картинки по запросу татарский музыкальный инструмент

كوبيز - آلة موسيقية تترية

6- ما هي تمنياتك لقراء موقع "روسيا - العالم الإسلامي"؟

ر.ك.: أتمنى أن يصبح أهل القرن الحادي والعشرين ألطف في تعامل بعضهم مع بعض، وأن يحترموا مشاعر وتقاليد وعادات كل واحد منا. بغض النظر عن الأمة التي ننتمي إليها أو الدين الذي نعتنقه. فنحن نحتاج إلى أن يتحمل كل شخص مسؤولية السلام على كوكبنا! وتعطى هنا دورا خاصا الثقافة والفن والموسيقى. ما الذي نراه من حولنا؟ صراعات وحروب ودول مدمرة كالعراق وليبيا وسوريا وأفغانستان - تلك هي السياسة. فيما نرى أن فنانين أمثال فاليري غيرغييف الذي قدم حفلا موسيقيا في تدمر، وموسيقيين آخرين، هم رسل سلام. وما هذا إلا استمرار لتقليد جدير بنا. فقد غنى على جبهات الحرب الوطنية العظمى ليونيد أوتيوسوف وكلوديا شولجنكو وليديا روسلانوفا. وفي أفغانستان غنى ألكساندر روزنباوم ويوسف كبزون ويوري شفتشوك. لقد أمسيت على مر السنوات أولي المزيد من الاهتمام لمشاكل التفاهم فيما بين الناس. ربما في هذا أثرت مشاركتي في المشاريع التي نعدها لأطفالنا. وهذا أمر جيد - إهداء الموسيقى والحب للأطفال، وخاصة الأيتام والمرضى. اما الأطفال، بتقبلهم البريء للموسيقى، وعيونهم التي تنظر بحرارة وابتساماتهم التي تنم عن السعادة، فيجعلوننا أكثر نقاء وإشراقا. دعونا نكون منفتحين بعضنا على بعض وعلى الخير والطيبة!

ترجمة: