العوالم الخفية من الوثائق والأحاديث والتصرفات السياسية والقانونية، التى تدور حول رجال السياسة والدول والمؤسسات الاقتصادية الوطنية والعابرة للجنسيات، تنكسر السياجات والأساليب الأمنية التى تحاط بها، وحسابات البنوك، وأرصدة بعض العملاء... إلخ. لا تقتصر أيضًا عمليات انكشاف الأسرار على الدول والمؤسسات الكونية، أو المصرفية أو الشركات والأحزاب ورجال وسيدات السياسة فقط، والمشهورين والمشهورات، وإنما إلى الأشخاص العاديين وحيواتهم الشخصية وهمسهم وبوحهم .... إلخ.

هل سيتحول عالمنا ومؤسساتنا ودولنا ومجتمعاتنا وحياتنا إلى حالة من الانكشاف الكبير، بل والتعرى الاإرادى أو الإرادي؟ فى عديد من مراحل التطور التاريخى للدول والمجتمعات والأشخاص والجماعات أيًا كانت توصيفاتها، وأسماؤها وعلاماتها، كان السر والأسرار جزءًا دفينًا من حياة الأشخاص الطبيعية والاعتبارية لا يعيشون إلا بها ومعها، والتنصت والتلصص، حينًا تحت اعتبارات أمن الدول والمؤسسات والمصارف والأشخاص، وحماية لمصالحها الوطنية أو الاعتبارية فى مجال الصراعات والمنافسات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

 من هنا تأسست منذ القدم مجموعات البصاصين والمتنصتين، ثم أجهزة الأمن والاستخبارات فى الدول والامبراطوريات، ومع المؤسسات والشركات والبنوك، برز مفهوم أمن المعلومات والبيانات فى ظل تطور الدولة القوميةكانت الأسرار جزءًا من مفاهيم القوة والسيطرة والسلطة والحكم فى إطار النظم السياسية، أو فى العلاقات الدولية، ولاتزال تهيمن على أنماط التفكير فى الدنيا كلها، من المعلومات الشخصية والمهنية والجنائية «للمواطنين» ـ فى دولة المواطنة، أو تلك التى لا تأبه بحقوق المواطنة ـ وكان الصراع ولايزال يدور حول المعلومات حول الآخرين دولاً وأشخاصًا وشركات ومؤسسات وجيوشا وأجهزة أمن، ومعارضات، وعصبا إجرامية... إلخ، لأن المعلومات تشكل سلطة وقوة فى ذاتها لحركة الاستخبارات والجيوش وأجهزة الأمن والاقتصاد، وفى كل تفاصيل الحياة العصرية.

 ثمة متغيرات صاعقة أدت ولاتزال إلى انكشاف بعض نظم أمن المعلومات حول الدول والمخابرات والأمن والشركات، والأفراد من خلال عديد الآليات وعلى رأسها المعلومات الوظيفية، وفى استخراج التصاريح الحكومية، وفى العقارات والبنوك والشركات ومؤسسات التعليم، والمستشفيات والأطباء ووثائق الميلاد، والزواج، والإقامة، والوفاة... إلخ. بدأت عمليات الانكشاف المستمرة لعوالم السّر والستر من خلال أجهزة الرقابة والمتابعة على الهواتف العادية والجوالة أيًا كانت، ثم مع الثورة الرقمية على الحاسوب والشبكات «النتية» ومواقع التفاعل الاجتماعي، وكل الشبكات والمساحات بما فيها المواقع الإباحية والجماعات الإرهابية... إلخ، إلا أن الجديد والمتغير الآن يتمثل فى أن كل هذا الانكشاف لم يُعد مقصورا على الدول والأنظمة والاستخبارات والأمن والشركات إلخ!... فقط!، وإنما باتت كل تفاصيل حياة هذه الفواعل وحركتها داخل الدول والمجتمعات والعلاقات الدولية يمكن وصفها بأنها تحت القابلية للانكشاف، وهتك مفهوم الأسرار السياسية والاقتصادية والشخصية... إلخ! والسؤال لماذا؟ والإجابة، لعديد الأسباب وعلى رأسها ما يلي:

1- إن تطورات واكتشافات الحاسوب ومواقع التفاعل الاجتماعى فى ظل ثورة الرقميات المستمرة أسهم فى انطلاقها إبداعات شخصيات شابة وصغيرة السن، وهى التى لاتزال قادرة على التطوير، بل واختراق أسرار الشبكات، ووضع برامج أمن لمواجهة الاختراقات، وأيضاً هدم واختراق هذه الشبكات، كلتا العمليتين مستمرتان فى بناء برامج الأمن، واختراقها التى وصلت إلى العوالم السرية لمعلومات المصارف والمؤسسات، وسحب أرصدة كبيرة بلا وجه حق، أو إلى بعض أسرار أجهزة أمن، واستخبارات فى بعض الدول الكبرى. تحولت عمليات اختراق وهتك سياجات أمن الأسرار والمعلومات إلى لعبة امتدت من أجهزة الأمن والاستخبارات والمصارف والشركات الكبرى إلى هتك أسرار أشخاص وجماعات فى حياتهم الخاصة، بحيث لم يعد مفهوم الخصوصية الحداثى الدستورى والقانونى والسياسى ذا دلالة ومعنى، وتحقق فى سياقات من التغير الرقمى يجتاج حياة الأشخاص والمجتمعات والدول والمؤسسات.

2- ساعد على عملية اختراق حرمات الأسرار الشخصية والخاصة، هذا العالم المتوتر، والمترع بالخوف والعنف والكراهية، والشرور، وغياب مساحات للمشاركة الفعالة للأشخاص فى تقرير المصير والمسارات لأنظمتهم السياسية أو الاجتماعية، وعزلة الطبقات السياسية عن قواعدها الاجتماعية، وفقدان الأحزاب السياسية أدوارها ووظائفها، على نحو دفعت العزلة والوحدة الشخصية، الكثرة الكاثرة من مستخدمى مواقع التفاعل الاجتماعى إلى إبداء الرأي، والبوح، والنقد الجارح، وخطاب البذاءة ومفرداته الحادة والجنسية من أجل كسر الوحدة والعزلة فى الواقع إلى بناء علاقات افتراضية وطنية وإقليمية وكونية ومتعدية الثقافات والقوميات والمجتمعات واللغات ... إلخ! من هنا نشأت الصداقات الافتراضية، وأنماط من القيم الأخلاقية الافتراضية المخلطة، وأشكال من السلوكيات والمشاعر الجنسية والعاطفية والكراهية الافتراضية.

هذه الأشكال المختلفة والمتنوعة من المشاعر والقيم والعلاقات الافتراضية فتحت الأبواب واسعة أمام الانكشافات الشخصية والأسرار حول الذات المتفاعلة افتراضيًا ودوافعها وأشواقها، إراديًا، وسعى بعضهم إلى التطهر الافتراضى والنفسى من آثام وأثقال الذات فى حياتها الفعلية، بل والتعبير عن رغباتها ومتخيلاتها وأحلامها. من هنا أدى تدفق المعلومات الشخصية والأسرار إلى بروز الاختراقات على هذه المواقع وتوظيف بعضها فى التشهير والابتزاز والاستخدام السياسى لها. عالم من الانكشاف والتعرى الذاتى بات يشكل تآكلاً كبيرًا ومتسارعاً لمفهوم الخصوصية والأسرار أيًا كانت. نحن أمام عالم هادر بالتغيير وانهيار المفاهيم بسرعة فائقة.

 

الأهرام

19/1/2017