هذه الاعتبارات هي بمثابة   رد فعل ضد الإضفاء المتزايد  لطابع  النسبية على  “للثقافة” التي، وإن لم تبتكر  الصيغة  الجامعية لتطور العرفان -knowledge ،  قد دققت هذه الصيغة وعممتها ، وغزت العالم  باسم القيم  والتقنيات الكونية  وأعني   الغرب( الذي تبقى حدوده كما نعرف غير قارة و موضوع نقاش ) أن  تكون الفلسفة مبحثا  أو مشروعا غربيا بالأساس ، فإن ذلك  يتضمن تناقضا صميميا بين نمط تفكيرها الخاص جدا (و”المحلي” « local »  وطموحاتها الكونية و”الشمولية”، وبالخصوص ادعائها تقديم إطار ومنهجية لمواجهة الثقافات). ولعلنا هنا بصدد طريقة جد مبسطة لطرح السؤال، ولكنها تسمح بشد الانتباه إلى صراع حاد لا يمكن التمادي في تجاهله2 .  و هذا الصراع  في نظري –أيا كانت درجة تعقيده-لا يمكن تجاوزه   بواسطة تكرار الأطروحة الأورومركزية التي تحكم فلسفات التاريخ  الكلاسيكية  ( والتي ليست كما يتضح  سوى  صيغة معلمنةsecularized للنموذج اللاهوتي المتعلق   بفكرة “الاصطفاء” « election ») – إذ  تعني أن التاريخ – بفعل معجزة أو  تحت ضرورة ما-  ينتج بمكان  أو حيز خاص  الشروط المميزة  التي تسمح ببلورة الكوني بوصفه كونيا (عن  طريق الإعلان  أو الاعتراف  أو التأسيس)، كما لا يمكن تجاور هذا الصراع بمجرد  ممارستنا  لنقد ذاتي  يطالبنا باستبطان   الوعي “بوهم الكوني” في قلب صياغتنا لمقولة الكوني نفسه، وخصوصا في شكل إلمام  واسع بوظائف الهيمنة التي أدتها  هذه المقولة ( وهي وظائف كان لها  تأثيرها في الصياغات  الفلسفية لهذه المقولة) ، وكذا أهمية  أشكال  الكبح اللازمة لذلك (أي مجموع  الاختيارات الاعتباطية والتقويمات العنيفة والمعايير المقيدة “للعقلانية”، والتي قد  تسمح بعودة مكبوتات قد تكون مدمرة بقدر  أو آخر  ) . إنني أميل إلى الاعتقاد بأننا في حاجة إلى  شكل من النقد غير المتمركز ، يكون بمقدوره مواجهة المفارقة الأساسية “للكونية الواقعية”3 أي لسيرورة ناتجة عن عولمة تلحق الخلل “بالنزعة الكونية” «     universalism » ” كما تم تصورها في خضم  التاريخ الغربي، وكما تبناها الفلاسفة على اختلاف نزعاتهم(  من ترنسندنتالية ,وجدلية  ووضعية وتحليلية…) . يتعلق الأمر ببعض “المؤسسات الغربية”(الجامعة إحداها، ولكن أيضا السوق والتكنولوجيا والبيروقراطية…) التي  يتم تبنيها  كونيا على نحو متزايد ،في حين تتناقص هيمنة  خطابها الأصلي الخاص بإضفاء الشرعية على الذات .

إن نقدا من هذا الصنف  لن يتم تحقيقه إلا من خلال  مواجهة بين وجهات نظر متعددة ومتباينة ، وسيكون هذا  النقد  بدوره نقادا صراعيا ، وإلا فلن يستطيع أن يغير شيئا يذكر في “المرآة” الفلسفية لمن يتطلع أن يكون  جامعا وكونيا.  ويبقى أن “اللغة” التي على هذا النقد أن يتبلور من خلالها لا تزال مجهولة ، ولربما تولد  هذه اللغة  في قلب المواجهة الصراعية نفسها. في نهاية الأمر، إن ما يبدو وكأنه يضفي طابع التعقيد على حيز الفلسفة أو على موقعها هو أن  مشروع تطوير خطاب كوني حول الكوني – و ما أسمح لنفسي هنا بتسميته بقول الكوني بعقر المؤسسة “الكونية الاتجاه  بامتياز(وأعني الجامعة أو الأكاديمية)- قد كان دوما محط نزاع. فلم يكن للفلسفة خصوم فحسب، بل إنها لم تتوصل من التيقن من قول الكوني على طريقتها الفلسفية الخاصة إلا بفضل هؤلاء الخصوم.

يستوقفنا  هنا المشكل الذي صاغه كانط في مؤلفه: “صراع الكليات” ، في زمن بدأت فيه علومنا تحرز  على وضعها الحديث modern status(1798). لقد كانت الفلسفة تعتبر مبحثا  أقل شأنا  وهي تنافس اللاهوتtheology والقانون والطب في تحديد الغايات القصوى للبشرية ( وهي الغايات التي أمدنا بها النقد الكانطي الأول في شكل أسئلة ثلاثة :ما الذي يمكننا معرفته؟ ما الذي يمكننا فعله؟ وما الذي يمكن أن نأمل فيه؟) ، إلا أن الفلسفة كانت في نظره العلم الوحيد الذي يتعرض  لهذه الغايات استنادا إلى مبادئ عقلية خالصة (وليس  إلى وحي أو سلطة أو ممارسة تجريبية)، فعليها وحدها إذن تقع  مهمة رسم حدود صلاحية الغايات التي تقترحها “الكليات العليا”(كوضع الروح،وحقوق المواطنين وواجباتهم، و الوقاية الصحية للحياة) ، وذلك بخلق”منطقة”  ضمن كيانها تجعل من هذه الغايات موضوعا لمعالجة نقدية مقبولة كونيا، بحيث تحجم الفلسفة عن فرض  هيمنتها على المباحث الأخرى كما كان اللاهوت يفعل من قبل بجامعات القرون الوسطى.4 وسيكون على الفلسفة إذن أن ترسم -على نحو غير مباشر- الحدود النظرية والعملية لهذه العلوم( وهو ما يعتبر حاسما بالنسبة للاعتراف العمومي بها كعلوم). واليوم، علينا أن نعترف بأن “صراع الكليات” هذا لم يخمد، ولكنه اتخذ أشكالا أخرى، بحيث احتلت علوم مختلفة  موقع المعارضة اتجاه الفلسفة ، بدءا من الرياضيات والمنطق إلى اللسانيات، ومن التاريخ إلى العلوم الاقتصادية والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، ومن الفيزياء إلى البيولوجيا وعلم النفس.

يبدو أحيانا أن الفلسفة لا تتمكن من الحفاظ على مكانتها المتميزة إلا لكون براديغمات معرفية أخرى تدخل في مواجهة بعضها البعض من أجل تحديد معايير “العلم الأساسي”.  إن ما يجعل هذه الصراعات صعبة الحل وفي نفس الوقت حاسمة لاستجلاء الأهمية التي تكتسيها  مسألة الكوني والتي نحن بصدد تقديمها( وإعادة تحديد مضمونها) ، هو كون الحدود ليست أبدا بالبديهية (علما بأنها لم تكن كذلك أيضا بالنسبة للاهوت أو القانون أو الطب في بدايات العصر الحديث).  من غير الممكن أن نقرر بشكل جازم  ما إذا كانت  الفلسفة العلم الذي يفكر (بطريقة ترانسدنتالية) في المبادئ والدلالة ومشاكل التأسيس ، وفي الغائية العملية لبعض العلوم الأخرى ، أو  ما إذا كانت على العكس من ذلك شكلا من الأشكال الكونية للمعرفة ، يمد الفلسفة  بأسئلتها و ونماذج استدلالها  ، أو  يستخدمها كما تستخدم الأدوات لأجل الوضوح ألمفاهيمي الخاص. بعبارة أخرى من المستحيل أن نجزم بأن ماهية الفلسفة تتحدد من داخلها أو من خارج حقلها, وهو ما يسمح لنا في الحالتين معا بفهم علاقتها الخاصة(والمتميزة) بالتعبير عن الكونية بأساليب ومضامين مختلفة كل الاختلاف.

إذا  ما عدنا إلى ماضي قريب ، قد نوافق بكل تأكيد  على أن هايدغر وسارتر و برتراند راسل أو فرويد أو فيبر أو وكواين كانوا كلهم فلاسفة ن ولكن ليس بالمعنى المباشر كما هو واضح ( وإلا فبمعنى مبسط ، لكونهم سعوا جميعا وراء” تجريدات” وقاموا بتصريفها). ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن هذه الصراعات وهذه المواجهات بين مختلف الخطابات حول الخصوصية الكونية ن أو هذه “الصياغات التعبيرية  المختلفة للكوني”، والتي تمثلها النماذج العلمية المختلفة ،ستتوقف يوما عن التأثير في التصور الذي تكونه الفلسفة- كحكم وطرف- عن نفسها. في المقابل ، لا شيء يضمن لهذه المباحث  أن تتبوأ مكانها في  إطار الجامعة  أو أن يتخذ شكل  نسق  لعلوم أكاديمية منتظمة.

ورغبة في إعطاء  هذا النقاش شكلا متميزا وفي التأكيد على أهميته العملية، أريد أن أقارن  بين مختلف الاستراتيجيات التي تم تصورها لحل المفارقات التي يتضمنها التعبير عن  الكوني ( كيف نقول الكوني ونعبر عنه؟أين يتم هذا القول؟). لهذه الاستراتيجيات بكل تأكيد جذورها في تاريخ الفلسفة نفسها، ولكنها تمثل أيضا مواقف “نقدية ” مستمرة .

سأحاول أن أقدم لمحة وجيزة بخصوص ثلاث من بينها أعتبرها ضرورية بمعنى ما، إنها ليست الوحيدة ولكنها تمنحنا توجهات مختلفة واضحة المعالم. أعتقد  في الواقع  أنه لا يكفي الفلسفة أن تتفحص كيف تأتى لها أن تطالب بوظيفة قول الكوني وأن تحظى مؤسسيا بالشرعية في القيام بذلك (ولو أن ذلك لم يخل يوما من صعاب)، كما لا يكفيها التأمل في العناصر العرضية التي تتدخل في هذا الوضع أو قلب هذه العناصر أو إلغاءها المحتمل. إن أكبر تحدي يواجه الفلسفة بهذا الصدد، يكمن في مجاز الشرعنة الذاتيةself-legitimizing   الذي تقوم بإقحامه  ، فالصعوبات  المفاهيمية التي يثيرها هذا  المجاز ، ولكن أيضا إنتاجيته و قدرته على إثارة إنجازات و تطورات غير مسبوقة، استدعي كل ذلك فحصا جيدا سيهيئ  الفلسفة  إلى مغامرات فكرية جديدة ، ويدفع بها منذ الآن إلى  التحول كي تستمر دائمة الحضور  بمختلف السياقات الإبستمولوجية والاجتماعية والثقافية. أما الإستراتيجية الأولي فهي إستراتيجية اسببينوزية-فيتغنشتاينية . أكيد أن اسبينوزا  و فيتغنشتاين مفكران مختلفان جدا(وإن كنا نحاول” قراءتهما مجتمعين”) ،ليس فقط بخصوص مساءل تقنية من قبيل تجانس الحقيقة مع بعض المضامين الافتراضية  المتميزة ، ولكن أيضا فيما يخص المنظور  العام المتعلق  خصوصا برفضهم للاعتبارات “المنهجية”و”الميتا- لغوية في الفلسفة ، وبفكرتهم المشتركة  حول استحالة وجود” مفاهيم مضخمة “super-concepts ). وبخصوص مسألة الكوني، أعتقد أنهما يتقاسمان مقاربة ثنائية النمط،   بالمعنى الذي يسمح لهما   بالتمييز بين ” نزعة كونية نظرية” و”نزعة كونية عملية”  تكون  لغتاهما متنافرتين جذريا، بحيث تتكلم الأولى لغة التفسير والتمثيل(أو الوصف) بينما تتكلم الثانية لغة  المعايير والنتائج وأنواع الاستعمال. و من الأكيد أن مهمة الفلسفة تتجسد في العمل على خلق تواصل بين اللغتين. ولكن، بما أنه لا يوجد في هذه المقاربة ما يشبه وجهة نظر خارجية (مثالية أو ترانسدنتالية) تسمح بتقليص الاختلاف (أو-وهو نفس الشيء- ما قد يبدو كتوزيع “لمجالات” تكميلية،”كالطبيعة” أو” الحرية” على سبيل المثال لدى كانط)، فإن الفلسفة تتحول إلى فن لوصف أو ابتداع سبل مؤدية من “مكان” إلى آخر غير منفصل عنه في الحقيقة (أي أنه لا ينتمي إلى “عالم” مختلف)، ولكنه بالرغم من ذلك  متميز عنه نوعيا.

بعبارة أخرى تصبح الفلسفة فنا لفهم الأسباب التي تجعلنا نسكن نفس العالم(“المحايث”) على طريقتين متناقضتين  وكونيتي النزعة  معا في نفس الوقت . ما يمنح هذا التشابه -بين الرجلين – نكهة إضافية هو كونهما  قد  أجبرا بحكم تقلبات حياتهما الفلسفية إلى وضع كتابين مختلفين حاول كل منهما بأسلوبه ومقصده الخاصين أن يعرض من وجهة نظره (  عبر لغته الخاصة) احد الشكلين للكونية، بحيث لا يحيل شكل  -لنفس السبب-  إلى الشكل الأخر  إلا من خلال النمط  المحرج لحاجز داخلي أو لشرخ  أو نقطة انفلات لا يمكن وصف دلالته إلا على نحو سلبي. إن هذه الوضعية ليست  بالمريحة ’ خصوصا بالنسبة للفلاسفة الذين راموا النسقية. ولن نفاجأ إذ نجدهم يحاولون حل المشكل أو تذويبه من خلال إدخال وساطات (كترجمة  مشكلة في اللغة الأخرى :فعند اسبينوزا على ما يظهر’ نجد مشكلة الممارسة قد ترجمت مثاليا في لغة نظرية’ وعلى العكس من ذلك , نجد أن مشكلة النظرية قد ترجم لدى فيتغنشتاين إلى لغة الممارسة’ غير أن ذلك لا يمثل بكل حال من الأحوال إلا مجرد خطوة أولى) ، وبدل أن نناقش الوساطات(أي “الأنساق”) أود أن أثير الانتباه إلى هذا التعارض المحرج  نفسه, والذي يشكل في نظري الجانب الأكثر أهمية. لقد كتب اسبينوزا في سرية مؤلفه “الأخلاق” الذي هو بالأساس بناء لشكل من الحياة الفكرية المبنية على فهم العلاقات السببية بين الأشخاص الطبيعيين( بما فيهم البشر), ولكنه نشر( على نحو مجهول فعلا) رسالته اللاهوتية –السياسية Tractacus theologico-politicus، وهي مناقشة سياسية وتاريخية حول إمكانية تحرير المجتمع السياسي من شكل معين للإيمان الديني ، لأجل بناءه على أساس المساهمات الحرة لمختلف  الديانات في التعرف العملي على الخير المشترك أو المنفعة العامة. و نشر  فيتغنشتاين من جهته  رسالته المنطقية الفلسفية  Tractacus logico-philosophicus  وهي محاولة لتحديد “المنطق” أو “اللغة”(die sprache)  المشتركة بين كل أنواع الوصف ( وأكثرها دقة أنواع الوصف العلمي) المتعلقة ب”العالم ” كمجموعة  “وقائع” (tatsachen) أوعلاقات موجودة فعلا بين الأشياء، ولكنه كتب أيضا( أو كان يهيئ ) “الأبحاث الفلسفية” إلى جانب ذلك ، حيث موضوع التفكير لم يعد الشكل المنطقي المتواجد على نحو موحد  ضمن علاقة  أوضاع الأشياء الطبيعية أو  صورتها أو وصفها اللساني ( فهي فكرة على قدر من التشابه المثير مع ما سمي بتوازي الأشياء والأفكار عند اسبينوزا) بل أصبح هذا الموضوع يعني التنوع اللانهائي لألعاب اللغة ، حيث تعمل تجمعات مشتركة عمومية (أي مجموعات بالمعنى الواسع ذات استمرارية أو مؤقتة، تنشأ على أساس تقاسم بعض الدلالات أو بعض التأويلات) على تلقين نفسها كيفية إعطاء صيغة للحياة  أو تحويل تجارب حياتية إلى كلمات . عند اسبينوزا ، يسمى الكوني  ب”الإله أو للطبيعة “، وهو يفسره بواسطة السلسلة اللامحدودة للعلاقات السببية ( أو” المنتجة”) بين الأشياء(بما فيها الأفكار) ،  وباستحالة  الاحتمال( كتاب الأخلاق، 1، ف: 28-29).، أما عند فيتغنشتاين فيسمى هذا الكوني “بالشكل العام لوظيفة الحقيقة”(الرسالة المنطقية الفلسفية، القضية السادسة وما يليها) ، فهو يقدمه (“ويعرضه على الأنظار”) بوصفه النسق التام للعمليات التي تجعل حقيقة قضية أو علاقة تطابقها مع الواقع تابعة بقدر ما  من الاحتمال (أو من اليقين في أقصى تقدير ) لحقيقة قضايا أخرى. يسمى الكوني العملي لدى اسبينوزا ب”الدولة الحرة” أو “الجمهورية الحرة” ، ويتحدد كإمكانية تسمح  لمذاهب ومعتقدات غير متجانسة ( ولربما متنافرة) – متجذرة في طرائق مختلفة بتمثل  وضع البشر ضمن العالم ،  وبتعيين مقاصدهم  والمساهمة ذاتيا في تحقيق هدف مشترك ، أو تمد الذوات  بأسباب  فردية  تجعل منهم أشخاصا  نافعين بعضهم لبعض.

أما عند فيتغنشتاين فيظهر هذا الكوني العملي  بطريقة  أكثر احتمالية من الطريقة التي تشتغل بها اللغة اليومية عمليا (والتي ليست إلا مجموع كل استعمالاتها) كشرط إمكان لإنجاز “تواضعات”  تسمح بتدبير مقنن لأشكال حياتية  مختلفة ومتناحرة . نلاحظ على مستوى مفاهيمي أن هاتين الكونيتين تتبعان خطاطتين  مختلفتين ، تنبني الأولى منهما  على وحدة مثالية  لتجارب متعددة (ولو على شاكلة وحدة منفتحة لانهائية وفي توسع مستمر، كالتي يشير إليها  مفهوم “الطبيعة” عند اسبينوزا)، بينما تستند الثانية على التكافؤ العملي الذي يقره اتفاق  بين تعددية للقناعات أو المعتقدات ، تشهد في نفس الوقت بتعذر اختزالها إلى  تصور بسيط أو أحادي المعنى، وهذا التكافؤ نفسه لا يمكن تصوره إلا كمعطى عملي (أي كنتيجة عرضية- هشة أو قابلة للمراجعة –لأعمال مشتركة تسمح بإمكانها ، أو كأثر رجعي لا ينفي عنها واقعها ولكنه يحولها إلى سيرورة حركية قادرة على الصيانة  الذاتية). و نلاحظ أخيرا أن المرور من نمط للكونية إلى نمط آخر لدى اسبينوزا كما لدى فيتغنشتاين يظل تطبعه المفارقة إذ لا يمكن في الحقيقة وصفه إلا كعرض سالب للواحد ضمن لغة الآخر.   وهذا يعني حالة ارتياب عميق لا يقل واقعية  ولربما لا يتعذر التعرف عليه غالبا لدى اسبينوزا وفيتغنشتاين ( ما دام هذا الأخير سيحول بشكل معلن  “وثوقيته” الأولى إلى “نسبوية” ظاهرة’ بينما يكون  اسبينوزا ، بالنسبة للذين  أطلعهم على أسرار مذهبه “المتكتم” قد استعمل في رسالته في اللاهوت والسياسة لغة لا تيسر فهمه من قبل الجمهور الواسع).

لاغرابة أن تكون هذه النقطة مكمن بزوغ المشاكل الكبرى المتعلقة بتمثل الذات أو الفاعل .لقد قيل(و لربما بسخرية) أن وضع الذات هذا يشكل عنصرا صوفيا في “تراكتاكوس” فيتغنشتاين ، لكونها ، من وجهة نظر ” المطابقة” للعالم المادي،  لا يمكنها الظهور إلا كلازمة لكلية لغة منطقية تستعصي على الصياغة اللفظية . إلا أن هذا العنصر الصوفي عنصر عملي أيضا، إذ يتطابق مع “فعل” إظهار الشكل المنطقي ، فهو إذن يتوفر من خلال تحليل “القواعد” و”الألعاب ” في كتاب “الأبحاث الفلسفية” على عنصر معادل  لا علاقة له بما هو صوفي : إذ يندرج على العكس من ذلك تحت التجربة اليومية للتعلم ( بما أن  العمليات المنطقية  تشكل بدورها لعبا لغويا ، فهي تطالب بحفظها عن ظهر قلب، و تدخل في  مملكة العادة والتقليد، وهو ما لا يعني بالضرورة أن يكون  محتواها نفسه تواضعيا أو قابلا للتعديل)،. قد نقول أن المشكل يصبح لدى اسبينوزا في نهاية مؤلف” علم الأخلاق ”  مشكلا يتعذر  تفاديه، وذلك عندما تنبثق شخصية الحكيم  – وقد تحررت من وهم حرية الاختيار بعد اجتيازها  لأنواع المعرفة الثلاثة – كذات مفكرة قادرة على ربط كل فرادة (بما فيها فرادة الفيلسوف نفسه كجسد و روح) بضرورة سببية. ولكن ، بأي عالم يعيش هذا الحكيم أو يوجد؟ وبما أن اسبينوزا لا يؤمن بوجود “عوالم أخرى”، فلا يمكن تحقق هذه الحياة   خارج عالمنا هذا، ولكن لا يمكن  أن يحدث ذلك  أيضا داخل العالم الاجتماعي حيث العلاقات بين الأفراد تتأسس على اللغة وعلى الخيال،إلا إذا افترضنا (كحل ملتوي تقترحه الرسالة في اللاهوت والسياسة) أن بوسع الحكيم أن يتمثل   علمه و حكمته بنتائجها  الأنثروبولوجية  في شكل “دين حقيقي”  أوفي شكل ” إيمان كوني” حيث تعاد ترجمة  “الطبيعة” إلى “إله”(وهي عملية شبيهة بعملية استئصال  للمبادئ الاجتماعية والأخلاقية المتعلقة بالصيغ التاريخية للتوحيد). يتعلق الأمر هنا بفرضية أكثر مما يتعلق ببرهنة، وهي تقود في نظري إلى التأكيد على صعوبة تجاوز الغموض  الذي يكتنف مفهم الكوني.

ولكن ،أليس هذا الغموض هو ما يشكل أهمية هذه البناءات النظرية  وقوتها (والتي تتعدد نماذجها  في الفلسفة، فاسبينوزا  و فيتغنشتاين اللذين  تم عزلهما  هنا لتوضيح عرضنا ينحدران معا من تقليد رشدي مرتبط  بنظريات “الحقيقة المزدوجة”)؟ بل  إن عنصر الشك لديهما  هام في هذا النوع من القضايا. إن هذه البناءات النظرية تدعونا للتخلي عن فكرة(ومثال) الكونية ، و تظهر لنا  على العكس من  ذلك   إمكانية  الدفاع عنها نظريا وعمليا. إنها  تزيح عنا  في نفس الوقت  وهم استخلاص “أشكال كونية للحياة”  انطلاقا من معرفة علمية بالعالم أو من أية نظرية أو مذهب كان ، وأن قواعد التكافؤ بين “الذاتيات “(وإذن التعايش والعمل المشترك وإنتاج “خير” مشترك ما، أو الإنهاء العملي للصراعات ) باستطاعتها أن تكون بديلا عن  الاتفاقات والمؤسسات. هذا يعني أن مؤسسات كونية أو على الأقل تلك التي تطمح أن تكون كذلك تشكل مشروعا سياسيا يقوم على أساس، وهو ما قد يشكل علاجا ناجعا ضد المعتقدات المنذرة بنهاية العالم. أريد الآن ن أصف إستراتيجية مختلفة كليا  تهدف بدورها إلى التدليل على أن مفارقات الكونية تملك خاصية صميمية ، ولكنها تضع هذه المفارقات على مستوى آخر وتدفعنا في اتجاه خلاصات مغايرة. سأسميها بالإستراتيجية  الهيغلية- الماركسية،لأن واضعها هو هيغل ( خصوصا وحصرا في  فينومنولوجيا الروح ، ففي ما يخص هذه المسألة ،سوف  تتحدث أعماله اللاحقة لغة مختلفة كل الاختلاف) بوصفها “وعيا”( أو تمظهرات للوعي) أو “تعارضا” (أو اعترافا صراعيا) ، قبل أن تتم صياغتها من طرف ماركس بوصفها “أيديولوجيا ” و”هيمنة إيديولوجية”. كل من هذين القاموسين يسمح بتعميق  بعض دلالات  الإشكالية (والتي تنتمي أصلا إلى مجال” المثالية الألمانية”، بتقلباتها النظرية والسياسية المأساوية، والغنية مع ذلك بحمولة شاسعة تسمح بإلقاء الضوء على بعض المشاكل الأكثر عمقا في التقليد الجدلي بصفة عامة).

وتوخيا للتبسيط، يمكن القول  أن الفكرة المتضمنة  هنا هي كالتالي :يستحيل وجود كونية ما في حقل الأفكار أو التمثلاث ( والتي تتضمن في هذه الحالة الأفعال والممارسات ، إذ لا وجود  لممارسة بشرية أو تاريخية في غياب التمثلات، ليس فقط بالنسبة “للآخرين” ، ولكن أيضا بالنسبة للذات نفسها) ،  إن لم تكن في شكل هيمنة على أفكار وتمثلات أخرى (والتي يتم إلغاءها أو حجرها أو الزج بها  في وضع ثانوي أو إقصائي لما  هو ” خاص” حتى لا نقول لما هو “قبلي”tribal  ).تصبح الكونية والهيمنة  متعادلتين،  وعلى العكس من ذلك لا  ترقى ايديوليجية ما (أو نسق للتمثلات أو صورة ما للوعي)   إلى الكونية     إن لم تتحول  إلى أيديولوجيا مهيمنة ،   وعلى نحو أدق،  إن لم تشتغل سيرورة هيمنية و “كإيديولوجينا مهيمنة “(herrschend Ideologie) . يتعلق الأمر هنا بنظرية نقدية للغاية-أزاحت الكثيرين إلى الظل  ( و تمت معارضتها بعنف خصوصا من قبل فلاسفة و مفكرين  “وثوقيين” من دعاة الخطابات الشمولية  المطلقة سواء كانت دينية أو دنيوية أو أخلاقية أو علمية) . لقد بدت هذه النظرية صعبة التداول حتى بالنسبة لمبتكريها( خصوصا ماركس وتلامذته الذين كانوا يناضلون في يأس ضد فكرة -ولربما ضد بداهة -استحالة  تحول خطابهم إلى خطاب كوني كخطاب للتحرر الاجتماعي ، إلا  أن يقيم هذا الخطاب  بدوره شكلا من أشكال “الهيمنة”). فليس التأثير النقدي( والنقدي الذاتي) ما يهمني هنا بقدر ما تهمني البنية الفلسفية  للاستدلال  نفسه. سأبتدئ بما يمكن تسميته ب”المفارقة الهيغلية” للكوني: أي الفكرة التي تحظى بتوضيح على امتداد “فينومنولوجيا الروح “والتي مفادها أنه ، نتيجة للتحديد الداخلي أو للتناقض الداخلي بالأحرى ، يستحيل  التعبير عن  الكوني دون تحويله مباشرة إلى خطاب خاص( أو تمثل خاص )  . على الكوني أن يقال( وأن يتم النطق به)  حتى وإن تم ذلك عبر حوار داخلي أو مستند إلى ذاته. (يتبع)

موقع كوّة

ترجمه عن الفرنسية الأستاذ مصطفى لعريصة

ملحوظة كوة: عنوان المقالة هو الكلام كونيا، وارتأينا تعديه حسب المضمون

هوامش:

 

1هذه الدراسة نسخة مراجعة ومعدلة لمقالة نشرت سابقا بالعدد الخاص بعيد ميلاد Topoi  “المجلة الدولية للفلسفة ،فعدد 25ن سنة 2006 ، وقد كان موضوع العدد هو: “ما العمل فلسفيا؟”. اشكر مدير تحرير المجلة على دعوتي للمشاركة في هذا العدد.

2 أن نتساءل ماذا كان هناك “فلاسفة” خارج الثقافة الغربية (و التي تتضمن بالمناسبة مجموع التقليد العربي الفارسي) ليس أقل أهمية  من أن نتساءل هل هناك أشكال” للتوحيد” خارج الجنيالوجيا اليهودية-المسيحية-الإسلامية (فالسؤالان  لا يعدمان علاقة بينهما) ، فالمقولة التي تحدد   البحث هي نفسها التي تشكل موضوع البحث. انظر بهذا الصدد الكتاب الهام ل Kenta Ohji  et Mikhail Xifaras : Eprouver l’universel, essai de géophilosophie, Paris, Kimé, 1999.

 

3 في بحث سابق بعنوان « Ambiguous Universality »( والذي يشكل الفصل الثامن من :Politics and the other Scene, Londres, Verso, 2002) ، أميز تحليليا بين ثلاثة أنواع من الكونية: بوصفها 3واقعا” و “خيالا” و “رمزا”.

4علم واحد كان عليه فيما بعد  أن يقارب هذا الوضع الرئيس هو “المادية الجدلية” التي تم تحديدها وإحاطتها بالتقديس في المجتمعات الاشتراكية منذ 1930 إلى الثمانينات من القرن العشين. وقد بقي هذا العلم غير منتج إذ لم يرق أبدا إلى نموذجه الوسيطي ولو أنه حرك بعض الحنين داخل الكنيسة الكاثوليكية.

5منذ الفصل الأول من الفينومينولوجيا(“اليقين الحسي”) منح هيغل “الوعي” قدرة لسانية هي شرط وصفه  الانعكاسي لذاته، وهو تطابق عمل ماركس على  استخلاص بعض مقدماته المادية.

6« Ich, das Wir, und Wir , das Ich ist »( Phénoménologie de l’esprit, ch.IV, introduction, trad ; J-P Lefebvre ; Aubier, 1991, p. 149)

7انظر كارل ماركس’ الرأسمال، الكتاب الثالث، لفصل 27،”دور الاقتراض في الإنتاج الرأسمالي”

8يدفعنا هذا الأمر إلى استحضار الصيغة الجدلية لفرو يد في (دروس جديدة، 1932 :”أين الهو، على الأنا أن يحدث”)

9عن التصورات المتعاقبة حول الترجمة في التاريخ الغربي وحول ” مشاكل الترجمة”التي تطرحها هذه التصورات ، انظر على الخصوص المدخل المطول” فعل الترجمة، الترجمة” في القاموس الأوربي للفلسفات تحت إشراف  (Barbara Cassin, Paris, Seuil /le Robert, 2004)

10 تلك هي نقطة انطلاق بول ريكور في واحد من أبحاثه المتأخرة  (حول موضوع شغله طيلة حياته)  Sur la traduction, Paris, Bayard, 2004 .

11 تم إدراجه كفصل ثاني (« Translation and Meaning ») من كتابه:Word ang Object(1960) trad fr . Le mot et la chose, Flammarion 1977.

12من بين الشروح النافذة حول كواين  L’Anthropologie logique de Quine, g apprentissage de l’obvie, 1992 لساندرا لوجيي التي أنا مدين  لها بهذا الصدد.

 

13 انظر الترجمة الفرنسية لأعمال والتر بنيامين: Œuvres I, Gallimard, Folio , Essais, 2000

14 تم نشر هذا البحث لأول مرة سنة 1923 كمقدمة لترجمته ل:”لوحات باريسية” لبودلير.

15 إن فكرة بنيامين حول “تجمع اللغات كنتاج  لامحدود للممارسات الترجمية والذي ل تشكل تلاؤم اللغات من خلاله إرثا من الماضي ولكن حدثا مستقبليا” لا يتوقف عن المجيء” ، هذه الفكرة شبيهة إلى حد مدهش بمفهوم دريدا حول ال،ex- appropriation  . و الغريب  هو أن دريدا- في بحثه:  Tours de Babel , 1985, ألذي يعيد ذكره في Psyché, Invention de l’autre,1987 )- قد انتقد بشدة تصور بنيامين” للغة خالصة” ولعله  أخطأ الاعتبارات النهائية لبنيامين المتعلقة بترجمة الكتاب المقدس ترجمة حرفية (verbum pro verbo)  ولعله ظن أنها تهدف إلى توضيح نفس التصور. بينما أعتقد أنها تقترح نقيض- أطروحة  ساخرة.

16جزء كبير من هذه الاعتبارات صادر عن  تصورات تمت صياغتها أساسا في اللسانيات التداولية وفي سوسيولوجيا اللسانيات، وهي موضوع  توافق  واسع, وقد قام باحث  لساني فرنسيJean Jacques Lecercle صاحب كتاب:Interpretation as Pragmatics, 1999 باقتراح  عرض تركيبي واضح حول هذه النقاشات في Une Philosophie marxiste du langage, 2004.

17Cf. « Europe as Borderland », The Alexander von Humboldt Lecture in Human Geography, Université de Nimègue,10 novembre 2004. يعاد ذكره مجددا في Europe Constitution Frontière, Édition du Passant, Bordeaux, 2005.

18Cf. Judith Butler, « Restagingthe Universal.Hegemony and the limits of formalism » ? DANS j ;Butler ? E.Laclau, S.ZIZEK, ContegencyHegemony Universalty, conteporary Dialogues on the Left, Verso, 2000, PP 34-37

19إنه النجاح الباهر لكلود ليفي شتراوس الذي بين في “ميتولوجيات” كيف أن مجموع الأساطير الهندية للقارة الأمريكية (تلك التي تم تدوينها على الأقل) يمكنها أن توضع في علاقة “ترجمة متبادلة”ما دامت كل أسطورة من بينها بوصفها حكيا، تنحدر مباشرة أو غير مباشرة من أية أسطورة أخرى عبر تطبيق بعض القواعد الدلالية,وهذه الفكرة( التي ليست بالغريبة عن فكرة اللغة الخالص لبنيامين)يمكن أن تتسع “لأنساق أخرى من العبارات”.ولكنها تغفل مع ذلك البعد الصراعي للتحولات, انظر: Patrice Maniglier, «  L’humanisme interminable de Claude Lévi- Stauss », Les Temps Modernes,n .609, Guin-Aout 2000,pp 216-241.

20Z.Bauman, in Search of Politics, Stanford ,1999,p.202.

21Cf.Jean François Lyotard, Le Différend, Ed.Minuit, 1983