إن الكوني خطاب بطبعه، أو لحظة في تطور الخطاب توجب قوله من قبل شخص ما . يعارض هيغل بقوة كما نعرف  فكرة  وجود أفكار أو تجارب تستعصي عن القول  أو عن التعبير ( وهو موضوع سخرية في  الفصل الأول من فينومنولوجيا الروح بوصفه يمثل أسطورة “ما لا يقال” « Unaussprechliche ») ، و لا يعني ذلكأن بالإمكان قول أي شيء بصفة مباشرة ، أو في نفس الخطاب من طرف شخص واحد.على العكس من ذلك، يوجد عائق صوري – ملازم للغة- يمنع التعبير عن الكونية دون إخضاعها لتحديدات الزمان والمكان( ودون أن نجعل منها تعبيرا عن حدود هذا الموضع أو ذاك المكان الخاصين)، ولكن بالأساس دون الزج بها في أفق وجهة نظر ملازمة للوضعية المعنية.  وستتضرع قراءة تاريخا نية لهذه الأطروحة بالعبارة اللاحقة لهيغل والتي تنص على أن ” لا أحد يقفز فوق زمانه”( ولا  فوق محيطه دون شك:غير أنه بالنسبة لهيغل لا قيمة “للمحيطات” إلا بالقدر الذي تمثل فيه “مواقع ” متتالية لتطور روح العالمWeltgeist) كقضية ” حتمية ” تعكس محدودية الفر دانية التاريخية. وتكمن أصالة هيغل في  عمله على ترسيخ الكونية في مستوى أونطولوجي أكثر عمقا،، واصفا إياها كنتيجة لبنية الوعي ، أي من خلال التفكير في الكونية كمقولة للتمثل الواعي بوصفه كذلك(ولنقل-في مرور-  في تعارض تام مع فيتغنشتاين و اسبينوزا) . إن “الوعي” – كما يصفه هيغل “فينومنولوجيا”بدءا من الإدراك ( والذي يمكن أن يعزى إلى شخص  أو إلى وعي منعزل) وانتهاءا إلى الأشكال  التاريخية والجماعية “للروح”( قد نتكلم اليوم “الثقافة” بأبعادها المؤسسية والسياسية  كمبدأ لهيكلة التجمعات القومية)-  ملكة للتفكير( مرتبطة على نحو مباشر بملكة اللغة لدى هيغل)5 ،ملكة  تنشئ كليات للمعنى وتضفي عليها طابع اليقين (gewissheit) والحقيقة (wahrheit)، و طابع الكونية باختصار. ولكن الوعي لا يستطيع ذلك إلا بصفة خصوصية، فهو يسمح بالخصوص لتعددية من الأفراد بأن يتقاسموا نفس الذاتية (أو يسمح لذوات فردية وجماعية ، و”للأنا” و”للنحن” بتغيير مواضعهم:” أنا هو بمثابة النحن ، ونحن هو بمثابة الأنا”6. ونتيجة ذلك  ما يستهدفه الوعي من خلال كل شكل من أشكاله ، ليس” العالم” كما هو  ، ولكن “عالمه هو” ،”عالم” أو رؤية  مشتركة للعالم يأتيها انسجامها انطلاقا من عزمها إضفاء مبدإ ما لليقين والحقيقة على كلية التجربة(وقد يكون هذا المبدأ ابستومولوجيا أوجما ليا أو دينيا أو قانونيا…) والذي لا تجوز صحته إلا” في ذاته”. وتأتي الفكرة العامة المتعلقة  بإمكانية التكلم على نحو كوني  دون أن إلحاق طابع الخصوصية بالكوني الذي نحن بصدد النطق به ( أي تحويله إلى نقيضه المنطقي) من كون كل خطاب أو كل نطق للكوني  يخضع دوما لقانون التمثل الواعي، وبعبارة أخرى ، لا وجود “لكوني” إلا بالنسبة لوعي ما  بالمعنى الواسع. لا ووجود إذن  لوعي دون حدوده الباطنية ، أي دون شروط إمكانه.ليس من العسير أن نجد هنا تعميما للفكرة الكانطية حول الوعي الترنسندنتالي كشكل قبلي لتنظيم التجربة , وأيضا نقدا قاسيا لادعائها الترفع عن التجربة ذاتها. وأيا كان الأمر، فلا يمكن هنا  أن نختزل الاستدلال  إلى مجرد “نسبوية “. إن الوعي وكذا اللغة التي تتكفل به(على سبيل المثال: اللغة الأخلاقية للمسؤولية والواجب، أو اللغة العلمية للسببية، أو اللغة القانونية للحرية والمساواة) ينظمان التجربة من الداخل ( من داخل “تاريخها” الخاص) يتوجب عليهما إذن أن يقوما بتذويب الضدين ، ا الخاص والكوني ( أو بالمزج بينها) . لا توجد وسيلة أخرى  للانفلات من هذا الإكراه غير تفهم الانتقال الضروري من شكل للوعي إلى شكل آخر، أي تفهم مبدأ التاريخية المحايث لتحديد هذه الأشكال ( والذي لا يشكل صيغة جديدة للوعي  أو تمثلا للكوني ، ولكه يشكل تفكيرا ذاتيا في الذات  أو تعيينا اسميا لهذا الانتقال). ليس من العسير أيضا أن نفهم كيف تمكن وصف هذا الوعي وعلاقته المفارقة باللغة من أن يولد المفهوم الماركسي للايدولوجيا.أكيد أن “أشكال الوعي” الهيغلية تغطي عددا  واسعا من التجارب  والدلالات ( وهو كم  لا يتضمن فقط الخطابات الاجتماعية ، أي تلك التي تستطيع أن ترتبط ببعض الأشكال المجتمعية والسياسية  للهيمنة ولن أيضا بعض أنواع  رؤى العالم  :”القوانين” الميكانيكية للطبيعة،  ” الكشوفات الدينية”، الخ،)، إلا أن التأويل الماركسي للبعد القومي  للتمثلات ( أي وظيفتهم كوساطة بين “الأنا” و “النحن”، بين الذاتيات الفردية والذاتيات الجماعية) كتعبير عن صراعات طبقات تاريخية ،  يشد انتباهنا غلى  إلى الطبيعية الصراعية أساسا والتي تشكل الخاصية العامة للكونية في تحديدها الهيغلي.

في  الواقع ، إن ما يريد هيغل توضيحه إبرازه ، ليس فقط أن قول الكوني يرغم المتكلم أو المتكلمين على إعطاءه شكلا خاصا ، ولكن  يعني تأييد كونية معينة ضد كونية أخرى، وحرمان هذه الأخيرة  كونيتها الخاصة، وإنكار قدرتها على أن تكون بدورها  كونية بالفعل . إن الكوني لايكتفي بتمثيل وحدة مفارقة للأضداد المنطقية ،فهو لا يوجد إلا في شكل كونيات متصارعة(والتي يمكن فهمها  كتعبير عن مصالح متضاربة ، يرجعها هيغل إلى تصور شمولي للحياة وبالروح، ويرجعها ماركس إلى مفهوم جد متميز للإنتاج الاجتماعي)، كونيات  تتضارب من أجل فرض هيمنتها. ولكن ما الذي نعنيه “بفرض الهيمنة الخاصة”؟ يعني ذلك أن خطابا يضفي طابع النسبية على خطاب آخر ، وأنه يضبط المقاييس و يحدد المعايير التي يتلقى من خلالها هذا الأخير قيمته و وظيفته المحددتين، فيقبل على أساس ذلك أو يقصى ، عبر نوع من العلاقة التراتبية التي تبدو في بعض الحالات قابلة للقلب، كما هو الشأن في  الجدل الشهير للسيد والعبد  حيث تنتهي رؤية العبد للعالم ، المستندة إلى  القيمة الكونية للعمل، إلى قلب رؤية السيد  القائمة على أساس القيمة الكونية للتضحية،  محولة السلب إلى إيجاب ، وعاملة بذلك على خلق شروط إمكان  تطور الثقافة .

فرض الهيمنة يعني بالخصوص أن خطاب الهيمنة خطاب يعكس في قرارته التناقض مع “آخره”، ويجعل من هذا التناقض الحافز الباطني لتطوره الذاتي( هنا أيضا تواجهنا فكرة ليست بالمفتاح التاريخي ولكنها تحيل إلى البنية الأونطولوجية للوعي) . وتمنحنا بعض المقاطع الشهيرة من فينومينولوجيا هيغل تجسيدا مدهشا لهذا المبدإ، لعل أكثرها شيوعا( وليس ذلك صدفة) هو جدل “الثقافة”Bildungنفسها، والذي يصف فيه هيغل  الصراع بين “كونيتين” كبيرتين: كونية الإيمان( بالمعنى اللاهوتي) وكونية العقل العلماني( بالصيغة التي منحها إياه عصر التنوير) , والذي يعرضه هيغل كانشطار للفهم الخالصeinsicht : فلكي يتبدى العقل لنفسه كعقل كوني، يقوم بتقديم الإيمان على أنه “خرافة” : مع الاحتفاظ لنفسه بتصوري اليقين والحقيقة اللذين أنتجهما آخره(وذلك من خلال  معارضة خصوصية المعتقدات الخرافية بكونية المعتقدات العقلانية، وهو ما يعني معارضة  لخاصية اللانقدية للإيمان بخاصية النقد الذاتي للعقل). وهناك  أمثلة أخرى لا تقل أهمية ، كجدل “القانونين الإثنيين”( أي صراع المطلقين كمطلق الأخلاقية الإنسانية ومطلق المساواة المدنية) في تاريخ المدينة- الدولة اليونانية ، كما نجد تأويلهما في مأساة أنتيغون  أو في جدل المسيحية كعقيدة لموت الإله، حيث نصادف مبدأ التفكير بواسطة الصور المنحدر من “الديانات الطبيعية”(تعدد الآلهة وهو  يعرض الإلهي من خلال أشكال مشخصة) ،إذ لا يتحقق هذا المبدأ  في  فكرة التجسيد إلا ليتم إلغاؤه أو إعلاؤه على  المستوى الروحي. يمكن أن نعثر على أمثلة مشابهة في ” البيان الشيوعي” حيث الحديث عن “المذاهب الاجتماعية والشيوعية” كقلب خيالي  للملكية الخاصة من داخل الإيديولوجيا (الليبرالية) المهيمنة ، وهي فكرة  سوف يستعيدها كتاب “الرأسمال” في صيغة “إلغاء للملكية الرأسمالية ضمن حدود الرأسمالية” أي  كنوع من الاشتراكية داخل الرأسمالية .7

من جديد ، نؤكد على أن هذه البناءات  الفلسفية تنطوي على نبرة نقدية حادة، وأنا لا أقرأها كشيء سالب بالمرة ( ولو دفعنا بها إلى أقصى حد ،لقادنا هذا التأويل إلى فكرة “جدل سالب” حيث  لن يمثل الكوني إلا” تعويذة سحرية” وتجريدا أو” نفيا للتناقض ” يحول دوننا ودون  التفكير استناد إلى حالات متفردة عينية) ، ولكنني أقرأها  بالأحرى كبناءات مفاهيمية للكوني، تكشف عن توتراته وصراعاته الداخلية ، وذلك ما يدفعني إلى إضافة اعتبار أخير: فبلغة هيغلية ماركسية ( أو بألفاظ لماركس الذي يمدد اللحظة الفينومينولوجية هيغل ويعمل على زحزحتها في نفس الوقت) ، لا تشكل الخاصية الصراعية  للكوني شائبة أو فشلا للخطابات الكونية ، ولكنها مقياس  يمكننا من التحقق من تلك التي تستحق فعلا هذا الاسم ، من خلال استعراض قدرتها على استحضار “آخرها”(منافسا أو “عدوا” كما استحضرت الأنوار الخرافة بوصفها “الآخر العدو” في وصف هيغل) ، بوصفه العنصر السلبي الذي تحتاجه في  تطورها الخاص وفي بلوغها وعيها بذاتها. بهذا المعنى يمكن القول أنه لا يوجد فحسب صراع حيث توجد كونية ( أي التأكيد الذاتي للكونية) ، ولكن الصراع هو نفسه  دوما صراع غير متوازي وغير متكافئ بين عنصر مهيمن رادع وعنصر  خاضع مقموع. بالإمكان إلى حدود هذه اللحظة العثور على تأويلات  مختلفة ممكنة لا تقود بالضرورة إلى نفس الخلاصات العملية.

وحرصا على  تبسيط الأمور ، سأصوغ هذه التأويلات في ألفاظ أقرب إلى اللغة  الحربية  ( وهو ما يجد تبريره في كون أغلب الأمثلة التي نجدها لدى كل من هيغل وماركس تحيل إلى صراعات تاريخية أو متخللة لفترات  تاريخية مختلفة  بين رِؤى متصارعة للعالم) : فإذا حدث وأن هيمن خطاب على آخر ( وهو ما نسميه “وعيا” للتأكيد على قدرته  على تشكيل الذوات، أو نسميه “إيديولوجيا” للتأكيد على وظيفته الاجتماعية) ، فقد يدل ذلك على  أن الخطاب الخاضع  مرغم على أن يرتد إلى “منطق ” الخطاب المهيمن وإلى مقولاته وخطابته كي يعبر عن اختلافه وعن مقاومته ، أي انه مرغم على أن يعيش تجربة الاستلاب ، بحيث لا تعمل كل معارضة أو مقاومة إلا على تقوية الخطاب المهيمن ، وهو ما يشكل طريقة فعالة لفهم  التقابل بين “الهيمنة ” و ” الكونية”، ليس لأن الكوني غير قابل”للتحديد” ، أو لأنه لا يملك خاصية فعلية لتحديده الخارجي، ولكن لكون هذه الخاصية يتعذر بلوغها على الخطاب الخاضع للهيمنة (على غرار استحالة بلوغ الشيء في ذاته بالنسبة للوعي الكانطي) وكأنه لا توجد غيرية فعلية. ورغم ذلك، يمكننا قلب هذا التأويل واعتبار أن ما “يضفي طابع الكونية” على رؤية ما للعالم، هو بالضبط ضرورة احتضان ا لمقاومات واحتواء المعارضات والردود. وسنكون قد تقدمنا خطوة إلى   الأمام إذا ما أوحينا بأن  “العنصر السلبي المتستر  داخل الأيديولوجية المهيمنة، والعاكس لحضور الآخر الذي لا يقبل الاختزال (عنصره “الساخر” كما يقول هيغل بالنسبة لأنتيغون وللمدينة –الدولة  أو  ل”ابن أخ رامو” Le Neveu de Rameau بالنسبة للأخلاق البرجوازية )،  وهو العنصر الذي يتطلب خطابا يملك القدرة الكونية على تشكيل تجربتنا للعالم، بعيدا عن الوعي المحدود لمخترعيه أو الناطقين به. وأخيرا نصل إلى الفرضية القائلة بأن ما يصنع “أيديولوجيا مهيمنة ” هو تعميم قيم وآراء المهيمن[بفتح الميم] عليهم وليس آراء المهيمنين. ليس من السهل القبول بهذه الخلاصة، ولكنها فكرة تلاحق جدل السيد والعبد، والتي بدونها تفقد النقاشات الماركسية (وما بعد-الماركسية) المتعلقة بالطابع الكوني “للأيديولوجيا البرجوازية” كل معنى، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالغموض الدائم لمفهوم”حقوق الإنسان”. لقد تم التأكيد طويلا على أن كونية “حقوق الإنسان” لا تأتي هذه الحقوق من مجرد الإعلان عنها، ولكن أيضا من كون كل المقاومات والاعتراضات على النظام المهيمن(ولنسميه إن أردنا بالرأسمالية أو الليبرالية) لا تجد شرعيتها إلا في الحدود التي تقدم نفسها كمطالبة وكتوسيع “لحقوق للإنسان” كحقوق مجردة  . يمكننا ونحن نتسلح بقدر من الصواب أن نؤكد بإصرار  على أن الأيديولوجيا المهيمنة تستغيث “بحقوق الإنسان” ( أو بالنزعة الإنسانية” والتي يتم الاتفاق على اعتبارها تجسيدا للشكل النموذجي للكونية العلمانية في المجال الأخلاقي والقانوني والسياسي)، لأنها اللغة العامة التي تتم بواسطتها التمردات وحروب والانعتاق  الهادفة إلى  الحرية والمساواة متحدية نظام الامتيازات القائم، مما يعني أن مفتاح فهم الكونية كهيمنة يكمن في هذا المجاز التي يكاد يكون موقعه جاك لاكان :”يتلقى الخاضعون لغتهم/وعيهم من المخضعين على نحو مقلوب”.

إنها بالفعل طريقة هامة في استرجاع المفارقة المرتبطة  بنوعية الكلام الكوني ، وأن “المكان” الذي يتحدد فيه الكوني كخطاب ، والذي يضفي عليه طابع الخصوصية  ليس قط “مكانه” هو  على نحو مباشر ، إذ لا يمكنه إلا أن يكون مكان آخره الداخلي، المكان الذي يمكن لهذا الأخير أن “يتحقق ” فيه .8 وأيا كانت القيمة الحاسمة لهاتين الإستراتيجيتين الطموحتين للنطق بالكوني ، سواء تلك التي تقوم على خطاطة الحقيقة المزدوجة ( أحادية المعنى في مقابل التكافؤ العملي)،أوتلك التي تفترض  العلاقة الصراعية بين خطاب السيادة وآخره الداخلي ، فإنهما معا –كما يبدو لي –لا تستنفذان المسشك القائم. فبالنظر إلى النقاشات الحالية والعديدة حول اختلاف الثقافات، وحول الإمكانيات المتاحة للاعتراف بهذا الاختلاف، وبالنظر أيضا إلى العراقيل التي يطرحها هذا الاختلاف أمام “تأسيس كوني للكونية”، يتضح الآن أنه من الضروري أن نتمثل المفارقات المحيطة ببناء الكوني، ليس فقط باعتباره موضوعا للاختلاف والصراع ولكن أيضا باعتباره موضوعا للترجمة. إن النقاش( ولربما علينا أن نقول إن النقاش الجديد)حول طبيعة الترجمة وآثارها نقاش مستمر منذ عقود  إلى اليوم  ، خصوصا في حقل” الدراسات الثقافية   Cultural studies  ، وليس هناك من يشك بالبعد الفلسفي لهذا النقاش ( وهو ما يجعل توجهات الفلسفة ووضعها موضع رهان)9. إن النقاشات حول الكونية والتجمعات القومية والتعدد الثقافي تتضمن تصورات حول الترجمة بمختلف مرجعياتها الفلسفية ( المنطقية والبنيوية والهرمنوطيقية) وهو ما يبرز أن النظريات والمفاهيم تتخذ مباشرة معنى سياسيا. أود أن أصف بعجالة كيف تتدخل هنا استراتيجيه أخرى  “لقول الكوني” ( وهي استراتيجيه منشطرة حقا لكون تطورها الذاتي يضع نواياها موضع استفهام) كما أود أيضا أن أستعرض   السؤال الميتافيزيقي التقليدي الذي تسمح لنا هذه الإستراتيجية بإعادة النظر فيه ، وأعني سؤال الفردية والتشخيص ،  وهو ما سأعمل عليه باختصار شديد. إن النقاشات حول الترجمة تبدأ غالبا بالإحالة إلى المفارقة التي تحولت إلى نوع من القناعة المشتركة  والتي مفادها أن ” الترجمة مستحيلة”( أو أنها مهمة مستحيلة) في الوقت الذي تمارس فيه الترجمة يوميا على نطاق واسع، مما يعني أن الترجمة إذن واقع فعلي10.

يعجز هذا المنطلق على فرض نفسه في الحدود التي يبدو فيها التصور”المثالي” للترجمة – والذي يتخذ منه هذا المنطلق أساسا له (كمعيار أو كوسيلة أو كعائق)- متخللا لنشاط الترجمة نفسه. فما يوصف بالمستحيل هو الترجمة الكاملة a perfect translationوالتي يقوم بواسطتها متحدثون وقراء منتمون إلى عوالم لسانية مختلفة (يستخدمون لغات مختلفة لفهم الغير وفهم أنفسهم أو لقراءة نصوص)  مع ذلك بتقديم نفس الدلالات ( بل ونفس القيم الشعرية والصور ونفس التأثرات) لكلمات أو جمل مختلفة .  إذا كان غالبية المنظرين متفقين على أن تطابقا من هذا الصنف(ونعني تطابقا بين اللغات)  لا يمكن بلوغه عمليا إلا في حالات محدودة جدا واصطناعية للغاية (حيث يحيل تصور اللغة إلى شفرة متخصصة لا أكثر)  ، فبالإمكان  التماس  هذا التطابق  كنموذج مثالي. تلك بوضوح هي حالة “اللاتحديد الجذري للترجمة” في المذهب الشهير لكواينQuine   ، والذي قام بتفصيلها في بحثه المعنون ب”المعنى والترجمة”11 Meaning and Translation  . فتجربة الفكر الأولية ( وهي مشهد يفترض أنه سابق عن كل ترجمة من  خلال أول لقاء بين مبشر ديني  أو باحث إثنوغرافي وأحد الأهالي ، يجهل أثناءه  الواحد لغة الآخر في غياب كل وساطة أو ترجمان)، هذه التجربة تبرز أن العمليات الفعلية للترجمة عندما تحدث ( و لا شك أنها تحدث) ، لا تسمح بالتأكد من أن الكلمات تحيل إلى نفس الأشياء أو أن العبارات تنقل نفس الدلالة. إن اعتقادا من هذا النوع لا يصدر إلا عن عمليات  مشتركة للتعلم ، وعبر” صعود دلالي ” إلى مستوى أرقى، بفعل أن اللغات المختلفة يتم استعمالها كتأويلات متنوعة أو كنماذج غير متوازية لنظام مسلمات واحد.إن اللغات بالنسبة لكواين شبيهة بالنظريات التي يستعين بها المتكلمون لتفسير تجاربهم المادية ، فلا يمكن التحقق من صحتها إلا محليا أو جزئيا، وهي تبعا لذلك، لا تملك  إلا حقيقة نسبية . إن هذا التحليل يهدف بوضوح إلى نقض كل مفهوم موجب حول كونية دلالية حتى وإن انحصرت هذه الكونية في مجال منطقي-علمي ، كما أنه  يرتبط بنقد عام للترادف والدلالة. (يتبع)

موقع كوّة

ترجمه عن الفرنسية الأستاذ مصطفى لعريصة

ملحوظة كوة: عنوان المقالة هو الكلام كونيا، وارتأينا تعديه حسب المضمون

هوامش:

 

1هذه الدراسة نسخة مراجعة ومعدلة لمقالة نشرت سابقا بالعدد الخاص بعيد ميلاد Topoi  “المجلة الدولية للفلسفة ،فعدد 25ن سنة 2006 ، وقد كان موضوع العدد هو: “ما العمل فلسفيا؟”. اشكر مدير تحرير المجلة على دعوتي للمشاركة في هذا العدد.

2 أن نتساءل ماذا كان هناك “فلاسفة” خارج الثقافة الغربية (و التي تتضمن بالمناسبة مجموع التقليد العربي الفارسي) ليس أقل أهمية  من أن نتساءل هل هناك أشكال” للتوحيد” خارج الجنيالوجيا اليهودية-المسيحية-الإسلامية (فالسؤالان  لا يعدمان علاقة بينهما) ، فالمقولة التي تحدد   البحث هي نفسها التي تشكل موضوع البحث. انظر بهذا الصدد الكتاب الهام ل Kenta Ohji  et Mikhail Xifaras : Eprouver l’universel, essai de géophilosophie, Paris, Kimé, 1999.

 

3 في بحث سابق بعنوان « Ambiguous Universality »( والذي يشكل الفصل الثامن من :Politics and the other Scene, Londres, Verso, 2002) ، أميز تحليليا بين ثلاثة أنواع من الكونية: بوصفها 3واقعا” و “خيالا” و “رمزا”.

4علم واحد كان عليه فيما بعد  أن يقارب هذا الوضع الرئيس هو “المادية الجدلية” التي تم تحديدها وإحاطتها بالتقديس في المجتمعات الاشتراكية منذ 1930 إلى الثمانينات من القرن العشين. وقد بقي هذا العلم غير منتج إذ لم يرق أبدا إلى نموذجه الوسيطي ولو أنه حرك بعض الحنين داخل الكنيسة الكاثوليكية.

5منذ الفصل الأول من الفينومينولوجيا(“اليقين الحسي”) منح هيغل “الوعي” قدرة لسانية هي شرط وصفه  الانعكاسي لذاته، وهو تطابق عمل ماركس على  استخلاص بعض مقدماته المادية.

6« Ich, das Wir, und Wir , das Ich ist »( Phénoménologie de l’esprit, ch.IV, introduction, trad ; J-P Lefebvre ; Aubier, 1991, p. 149)

7انظر كارل ماركس’ الرأسمال، الكتاب الثالث، لفصل 27،”دور الاقتراض في الإنتاج الرأسمالي”

8يدفعنا هذا الأمر إلى استحضار الصيغة الجدلية لفرو يد في (دروس جديدة، 1932 :”أين الهو، على الأنا أن يحدث”)

9عن التصورات المتعاقبة حول الترجمة في التاريخ الغربي وحول ” مشاكل الترجمة”التي تطرحها هذه التصورات ، انظر على الخصوص المدخل المطول” فعل الترجمة، الترجمة” في القاموس الأوربي للفلسفات تحت إشراف  (Barbara Cassin, Paris, Seuil /le Robert, 2004)

10 تلك هي نقطة انطلاق بول ريكور في واحد من أبحاثه المتأخرة  (حول موضوع شغله طيلة حياته)  Sur la traduction, Paris, Bayard, 2004 .

11 تم إدراجه كفصل ثاني (« Translation and Meaning ») من كتابه:Word ang Object(1960) trad fr . Le mot et la chose, Flammarion 1977.

12من بين الشروح النافذة حول كواين  L’Anthropologie logique de Quine, g apprentissage de l’obvie, 1992 لساندرا لوجيي التي أنا مدين  لها بهذا الصدد.

 

13 انظر الترجمة الفرنسية لأعمال والتر بنيامين: Œuvres I, Gallimard, Folio , Essais, 2000

14 تم نشر هذا البحث لأول مرة سنة 1923 كمقدمة لترجمته ل:”لوحات باريسية” لبودلير.

15 إن فكرة بنيامين حول “تجمع اللغات كنتاج  لامحدود للممارسات الترجمية والذي ل تشكل تلاؤم اللغات من خلاله إرثا من الماضي ولكن حدثا مستقبليا” لا يتوقف عن المجيء” ، هذه الفكرة شبيهة إلى حد مدهش بمفهوم دريدا حول ال،ex- appropriation  . و الغريب  هو أن دريدا- في بحثه:  Tours de Babel , 1985, ألذي يعيد ذكره في Psyché, Invention de l’autre,1987 )- قد انتقد بشدة تصور بنيامين” للغة خالصة” ولعله  أخطأ الاعتبارات النهائية لبنيامين المتعلقة بترجمة الكتاب المقدس ترجمة حرفية (verbum pro verbo)  ولعله ظن أنها تهدف إلى توضيح نفس التصور. بينما أعتقد أنها تقترح نقيض- أطروحة  ساخرة.

16جزء كبير من هذه الاعتبارات صادر عن  تصورات تمت صياغتها أساسا في اللسانيات التداولية وفي سوسيولوجيا اللسانيات، وهي موضوع  توافق  واسع, وقد قام باحث  لساني فرنسيJean Jacques Lecercle صاحب كتاب:Interpretation as Pragmatics, 1999 باقتراح  عرض تركيبي واضح حول هذه النقاشات في Une Philosophie marxiste du langage, 2004.

17Cf. « Europe as Borderland », The Alexander von Humboldt Lecture in Human Geography, Université de Nimègue,10 novembre 2004. يعاد ذكره مجددا في Europe Constitution Frontière, Édition du Passant, Bordeaux, 2005.

18Cf. Judith Butler, « Restagingthe Universal.Hegemony and the limits of formalism » ? DANS j ;Butler ? E.Laclau, S.ZIZEK, ContegencyHegemony Universalty, conteporary Dialogues on the Left, Verso, 2000, PP 34-37

19إنه النجاح الباهر لكلود ليفي شتراوس الذي بين في “ميتولوجيات” كيف أن مجموع الأساطير الهندية للقارة الأمريكية (تلك التي تم تدوينها على الأقل) يمكنها أن توضع في علاقة “ترجمة متبادلة”ما دامت كل أسطورة من بينها بوصفها حكيا، تنحدر مباشرة أو غير مباشرة من أية أسطورة أخرى عبر تطبيق بعض القواعد الدلالية,وهذه الفكرة( التي ليست بالغريبة عن فكرة اللغة الخالص لبنيامين)يمكن أن تتسع “لأنساق أخرى من العبارات”.ولكنها تغفل مع ذلك البعد الصراعي للتحولات, انظر: Patrice Maniglier, «  L’humanisme interminable de Claude Lévi- Stauss », Les Temps Modernes,n .609, Guin-Aout 2000,pp 216-241.

20Z.Bauman, in Search of Politics, Stanford ,1999,p.202.

21Cf.Jean François Lyotard, Le Différend, Ed.Minuit, 1983