إن الكونية –من هذا المنظور-هي الجنة الضائعة للفكر البشري.12 هناك بحث وحيد كان  له نفس التأثير في النقاش الفلسفي المعاصر حول الترجمة ، إنه مقالة والتر بنيامين :” مهمة المترجم”13.  ينحدر هذا النص من تقليد  مغاير(غير التقليد  المنطقي ، ولكنه التقليد  الفيلولوجي والهرمينوطيقي المشبع بالنظريات الرومانسية لشلا يغل وهومبولد حول اللغة)، فهو يقترح رؤية للترجمة تكاد تعارض ما عايناه  ( الترجمة التي لا تنحصر مهمتها في تقديم مقابل للتعبير عن التجارب اليومية ، ولكنها تنحصر في نقل الصيغ  الشعرية والقيم الجمالية من لغة إلى أخرى)14 .ومع ذلك، يبدو بنيامين وكأنه يشاطر كواين عددا من المسلمات ، فهو يعتقد أن نقل المعلومات – وهو أمر مستحيل في النهاية بالنسبة  لكواين – مقبول في الحدود التي لا يركز فيها هذا النقل إلا على “الأوضاع  الفعلية” ، ولكنه  غير ضروري بالنسبة لفن الترجمة. فما يهدف إليه هذا الفن(الأدبي ) حقيقة هو تمديد الأثر الجمالي الناتج عن إبداع لساني  من لغة إلى أخرى ، وهو ما يصفه بنيامين  بتنمية “بذرة” أو مخزون للانتقال التحولي المودع دوما في الأعمال الفنية (العظيمة). إن فاعلية الكتابة الشعرية لا ترتبط فحسب بقدرتها على تحويل اللغة الأصلية –والتي تقوم بتوضيحها وإتمام مواردها التعبيرية، ولكنها ترتبط أيضا بقدرتها على خلق لغات أخرى من خلال قبولها الإرادي بأن تصبح موضوعا للنقل والترجمة. إن القصد الواضح هنا للترجمة هو بلوغ “لغة خالصة”ein reine sprache حيث يتم ترجيح التكامل أو- ما هو أفضل- ترجيح التناغم والتلاؤم على مستوى قوة التعبير وليس ترجيح التوافق بين الشفرات.إن فكرة اللغة الخالصة لا تعني استبدال لغة بأخرى وإنما تعني تجمعا متلاحما، وبعبارة أخرى، إنها تعني الاكتمال المشترك للغات،والقائم على تنوعها الذي لا يقبل اختزالا . وهذا الاكتمال (الذي ينيطه بنيامين بالوظيفة “التبشيرية” لإغلاق التاريخ، رغم أنها تولد عبر ممارسات تاريخية خالصة) يبقى مع ذلك بعيدا عن التحقيق،  فهو يظل يمارس تأثيره ” كفكرة منظمة ” داخل كل جهد للترجمة15.

من الصعب أن نتصور شيئين أكثر تباعدا كتباعد المفهوم المعرفي الخالص والمفهوم الشعري الصرف للترجمة. ورغم ذلك، هناك فكرة مشتركة تسند استدلالات كل من بنيامين و كواين: إنها فكرة اللغة التي  تهي  في الأصل ( أو عليها أن تكون ) كلية مغلقة، بالمعنى الذي تقوم فيه بوضع علاقة داخلية بين عناصرها، وبالمعنى الذي ترتبط فيه بمجموعة من المتكلمين( والمستمعين والكتاب والقراء) الذين “ينتمون” إلى هذه اللغة أو الذين تنتمي إليهم هذه اللغة، سواء تم تكون هذه المجموعة  اختباريا عبر تجارب تعلم مشترك (على النمط السلوكي Behaviorist) لتكشف بذلك عن خاصية تواضعية، بافتراض وجودها على نحو قبلي- كشخص جماعي “حي”  تقوده  ديناميته  الخاصة في التحول، والذي قد يقوم بتعيين آفاق المعنى للذوات الفردية ( كما هو الشأن في التقليد الهومبولدي). أكيد أن لسانيي القرنين التاسع عشر والعشرين قد قبلوا بهذه هذه المسلمة المشتركة (بما فيهم البنيويون)، و جعلوا منها منطلقا لإحصاءاتهم وتصانيفهم وتحاليلهم المنهجية للغات: فلكل لغة لسانها ، ولكل لسان اسمه (انجليزي، عربي، صيني، أو عبري) ، وكذلك قواعده النحوية الخاصة وألفاظه و تعابيره وتاريخه، الخ..، وهذا اللسان يشكل” كلية معطاة” يتولد عنها مشكل الترجمة. لا يتعلق الأمر بإنكار فعالية هذا التصور بصفته بناءا ترانسندنتاليا ( أو شبه ترانسندنتاليا) لتجربتنا (ففكرة “الكلية اللسانية” تشكل الرابط الرمزي داخل تجمع قومي  ما، وتؤدي إلى إمكانية تطبيق مقاييس للتفاهم أو لسوء التفاهم المتبادل، كما أنها تسمح برسم حدود لسانية  borderlines) باعتبارها  تشكل أيضا مجموعة معايير وممارسات مؤسسية (لا تنحصر وظيفتها في الإقصاء فقط، فهي ما سيجعل من الترجمة  ومن “الترجمة الفورية” ممارسة ضرورية وهامة داخل مجتمعاتنا) .

ببساطة، سيكون من السخافة  أن نؤكد أن هذه الفكرة قد فقدت كل مصداقية في عالمنا المعولم” االمابعد-حداثي”. ولكن من المستحيل أيضا أن لا نأخذ في الحسبان كم الوقائع المرتبطة باللغة وبالترجمة وبالثقافات التي تلقي الأضواء على الطبيعة التاريخية للزوج اللساني-القومي، أو التي تناقض استحضاره  المهيمن16. ولا أظن  أيضا أن هذه الوقائع تنزع عن الإشكاليات الفلسفية الواسعة لكل من كواين و بنيامين  كل أهمية، إذ العكس هو الصحيح. غير أن هذه الوقائع نفسها تسمح لنا بأن نرسم  حدودا لها ، وأن نقلب الاستعمال الذي نخص به “الأفكار الموجهة ” كتلك التي تتعلق ب”الترجمة الجذرية” أو فكرة “اللغة الخالصة” بحيث لن نجعل منها   تجسيدا لمثل عليا  يشرئب إليها ، في يأس، كل تعبير عن الكوني في صيغة ترجمة، بقدر ما تحيل إلى العوائق التي يتوجب  عليها  مصارعتها . للتعبير عن ذلك في لغة مقتضبة ، يمكن القول بأن الطابع التاريخي للعلاقة بين اللغة ككلية أو كنظام وبين القومية  كأفق للتفاهم المتبادل( أو التفاهم البيني للقوميات  أو الاعتراف في ما بينها  عبر الحوار) يقيم الدليل على أن اللغة هي   دوما واقع سياسي مهما بلغت المقولة  التي تندرج تحتها هذه العلاقة من تجريد وعمومية.  لقد ارتبطت هذه العلاقة لعدة قرون (ولو أنها لم تخل من استثناءات ومقاومات) بالتمثل  المهيمن وبتأسيس اللغات كلغات قومية ( أو شبه قومية ،”إثنية” أو” حضارية”) وكذا التجمعات البشرية كشعوب( حاضرة وماضية ومستقبلية) ، سواء تحت سيادة دولة أو انعدام هذه الدولة.  وتنحو هذه العلاقة- التي يجب فهمها كضرورة مطلقة  لاتاريخية ومتخللة للتاريخ في نفس الوقت- إلى قلب الصلة الفعلية بين الترجمة والطابع المعياري للغات القومية، مع اختلاق  واقع مشوش بحكم أن عديدا من اللغات التي أصبحت “كيانات مستقلة” ليست في الواقع إلا نتاجا لممارسات(مؤسسية) للترجمة (والتي تتضمن الترجمات العلمية والأدبية ، وأيضا التربوية والقانونية والتجارية،الخ..) وليس العكس. وهذه العلاقة تتجه أيضا نحو خلق التوهم بأن  عملية الترجمة أو الجهد الترجمي  ينطلقان  من لغة متكاملة البناء ( حتى وإن تعلق الأمر باستكمالها أو تحويلها). سيكون علينا أن نقبل  بأنه  منذ عهد بعيد  لم تعد توجد أوضاع- هذا إن  تأكد أنها وجدت يوما ما- يعثر فيها المتكلمون  على  لسان مجهول كلية ، وأن فكرة بنيامين حول “انسجام” بين اللغات يدفع بها إلى  عدم استشعار الغرابة بعضها إزاء بعض،  هي بمعنى ما واقع قائم. غير  أن الأمر لا يتعلق بانسجام ولكن بتراكم للصراعات أو بحرب كل اللغات ضد كل اللغات .

إننا نعيش في عالم لترجمات دائمة الحضور متنافسة فيما بينها ، منها “الخيّر”  ومنها “الشرير”، منها  “المسموح به” و”غير المسموح “، وإذن نعيش في عالم  تلحق فيه بعض اللغات بغيرها  في كل لحظة   ( على نحو ما سماه باختين “بالمغايرة اللغوية”)، عالم لا تتوقف فيه اختراقات الحدود اللسانية القائمة، والتي تقود إلى اندماج المتكلمين من جهة وإلى تشويه الألسن من جهة أخرى. لنتساءل في تأمل: ما هي القواعد اللسانية؟ وما هي المجتمعات التي تغطيها اليوم اللغة الأنجليزية ؟(مع الاندهاش الكبير لعدد من الذين يتكلمون هذه اللغة ويكتبونها). فما يميز عالم اليوم ليس المساواة والاعتراف التام بالآخر ولو أنه ( كما سبق لي أن شرحت ذلك في مقام آخر)لا يمكن لهذا العالم أن يتحرك من دون شكل من أشكال  المعاملة الصراعية  بالمثل17. إن الإحساس باللااكتمال (ولربما انزواء ما يعتبر “غير قابل للترجمة” أو غير أهل لها”) وشطط القرار الأحادي الجانب ( بعض اللغات تترجم أخرى أو تخونها ، وتفرض نفسها “كلغات للترجمة “ولكنها تنمو أيضا بفضل إدماج زمرة من الترجمات  بينما تزاح لغات أخرى إلى الظل ، وقد تترجم أو لا تترجم حسب علاقات السلطة والمعرفة) ، إن هذا اللااكتمال وهذا الشطط هما ما يحدد الخاصية التاريخية لشبكة العلاقات الخاصة بالترجمات والتي تتداخل من خلالها اللغات في شكل تكتل سياسي.

أن نتكلم الكوني كترجمة، لا يعني فقط الدفاع عن الترجمة ( أو عن مزيد من الترجمة) ،إنه الترجمة من جديد، على نحو مختلف وفي أماكن أخرى لصالح مجموعات أخرى وأفراد آخرين  يصبح بإمكانهم  على هذا النحو شق طريقهم نحو  نشاط  الترجمة. وإذا  كانت الممارسات الترجمية قد أنتجت (ولا تزال) تجمعات سياسية، فإن التفكير في التحولات الممكنة لهذه الممارسات هو لا ريب مهمة  “ميتا- سياسية”، إنها مهمة فلسفية ( بالمعنى الذي نعود من خلاله إلى المبادئ الأولى وإلى أسس السياسة  التي تسمح بفهم بدائلها وسلطها و إمكاناتها و إكراهاتها). ليسمح لي بأن أضيف إلى هذه المسألة ثلاث إشارات  نهائية تسحق في الواقع تفصيلات أوسع.

أولا، لقد تشكل في السنوات الأخيرة اتجاه لتوسيع مقولة الترجمة  وخلق نقلة في استعمالها، خصوصا لدى المؤلفين الذين انضووا تحت حركة  “ما بعد الكولونيالية” ( نستحضر هنا أسماء :إدوار سعيد و هوني باهباBahba و :كاياتري سبيفاك Gayatri Spivak، ومن وجهة نظر أكثر ارتباطا بالفلسفة جوديث بيتلر Butler) والذين انتقلوا من فكرة ترجمة  اللغات أو ترجمة نصوص داخل هذه اللغة أو تلك)إلى فكرة ترجمة “الثقافات”18. وبمعنى ما ، يتعلق الأمر فقط بمرحلة  في تاريخ ترجمات فكرة الترجمة، والتي حبستها  الفيلولوجيا وعلم الدلالة للحداثة الغربية في إعداد قواميس وأصناف من النحو وإقامة خزانات موازية، وبالقرب منا، في دبلجة الأشرطة الصوتية للأفلام، والتي تعني من جديد الانتشار المعمم للمعلومات وللإبداعات بين التجمعات الدلالية المختلفة. إنه الاعتراف أيضا بكون أشكال اللامساواة اللسانية التي تمنع تواصل اللغات ومشاطرتها متجذرة في التاريخ الجماعي للمتكلمين الذين يلجون “الفضاء العمومي” بتقاليدهم وأحاسيسهم ومواقعهم المحددة  أوضاعهم: فلم يعد ينظر إليهم كذوات متكلمة ولكن أيضا كذوات متكلمة[بفتح اللام] وموضوع كتابة.

وكما هو معروف ، لا يقود هذا (التصور) بالضرورة  إلى التنويه بالطابع الرافض للثقافات التقليدية التي تطالب باستعادة أهليتها السياسية ، فالمؤلفون المعنيون بذلك مدفوعون إلى الجمع (سياسيا وجماليا) بين نشاط الترجمة المعممة وتجارب المقاومة وضرورة التمازج الثقافي وانشطار الهوية والتشتت النصي وأنواع القلب الفعال للأسماء. ولا معنى لكل ذلك في نظري إلا إذا تصورنا “الثقافات” نفسها كأنساق منفتحة للجمل والنصوص والخطابات والحوارات، وقابلة للتطور، بدل تصورها  “كرؤى للعالم ” في شكل كيانات مجزأة   منعزلة ومنفصلة  . وإذا كانت مهمة المترجمين المتكاثرين ( والذين يفوق عددهم دوما عدد المترجمين المرخص لهم ، ولكنهم يظلون عدديا دون ما تستدعيه الضرورة) تعتبر تناقضا حيا مرتبطا بظهور وساطات هشة تستطيع “الانتماء” إلى مختلف  الثقافات في آن واحد دون أن تنتمي كلية إلى ثقافة بعينها، إنهم “غرباء الداخل”على نحو ما19. ثانيا،إن المقولات البرغماتية التي تبدو أكثر ملائمة لوصف تجارب الترجمة المعممة ليست  مجرد مقولات لأفعال اللغة و للقدرة الكلامية والتداول والقصدية أو مقولات للنفوذ والسياق…الخ، ولكنها بالأساس مقولات حول عدم التفاهم والخلاف والتي تقلب استحالة الترجمة إلى شرط وجودها المفارق . يستخدم زيغمونت بومان  Zygmunt  Bauman على سبيل المثال فكرة “اللاتفاهم” إذ يعتبرها تجربة أولية تتحقق داخل التجمعات الدلالية وفي ما بينها، وهو يحدد على هذا النحو الكونية كنتاج لنشاط ترجمي(منغرس في الحياة اليومية) من خلاله يتعلم حاملو الاختلافات كيف يستمرون وكيف يؤدون مهمتهم المتعلقة باختيار ردود صائبة وملائمة ومقبولة ضد “ضربات” الآخرين20. وعلى نحو أكثر مأساوية، يصف جون فرانسوا ليوتار استنادا إلى خلفية فيتغنشتاينية  “أنساقا للعبارات” “غير متلائمة” و “غير قابلة للقياس”  لكون “تظلم ما “- تمت صياغته ودعمه ببراهين  داخل أحد هذه الأنساق- لا يمكن أن نحسم  أمره أو تقييمه إلا داخل نسق آخر، وبصفة أعم لان هذه الأنساق ليست خاضعة لقانون سابق عن وجودها.

لا يعني ذلك استحالة وجود قاعدة كونية على الإطلاق، بل يعني أن وجودها لن يتأتى إلا إذا تم ابتكارها بعد الحدث على نحو متميز :   فأن  نتحدث عن  “استحالة الترجمة ” أو إقامة تعارضات بين عبارات متنافرة في نفس الخطاب ، وأن نعمل على” ربطها” بسلسلة بدل مواراتها ,وأن نعود من داخل اللغة المرجعية إلى النسخة الأصلية التي تمانع  الترجمة وتعرية نزاعها :تلك هي “الضربة” التي ترجئ استحالة الترجمة  أو تغير حدودها المعطاة”21. هنا أيضا نصادف عنصرا للكونية “المقبلة” (قد يقول دريدا) على المستوى العملي .وفي كلا الحالتين، يتدخل العنف والتقابل اللذين يعدو تحقيق  توازنهما بعيد المنال. وأخيرا، يبدو لي أن بالإمكان الإشارة إلى نوع المشاكل الميتافيزيقية التي يستدعيها مشروع تعميم الترجمة وإعطاءها طابعا جذريا. إنها المشاكل المرتبطة ببناء الأفراد.

عندما تنحل  التقابلات المؤسسية للتطبيع (حتى لا نقول المحولة إلى كائنات سحرية)بين الألسن والقوميات ، وتتحول إلى تقابلات صراعية بحيث يتشكل كل قطب من عبارات لا تتطابق تلقائيا ، تقابلات تتوقف حركتها الدائرية في الزمان على التقاليد والمؤسسات ( وهو ما يعني إسكات بعض الأصوات وقمع بعض المقاومات)، فإننا لا نرى الأفراد يتخلصون من علاقاتهم فيما بينهم  لينتصبوا عراة(من كل ثقافة) وكأنهم  “على الفطرة” . نلاحظ هنا  ظهور شكل جديد  “للاتحديد الجذري” ، شكل لا يحيل  إلى موضوعات  بقدر ما يحيل  إلى ذوات ( أو إلى تحديدهم المرجعي الذاتي). هذا الأمر يعزز تجربتنا المعاصرة لحدود الفهم ، حيث تنقلب التراتبيات الذاتية العادية (والأسطورية في الواقع) للإدماج والإقصاء . فمثلا، يسهل علي أن أتناقش مع زميل أمريكي بلغة هي  مزيج من الانجليزية الدولية والفرنسية على أن أتناقش مع شاب من “رعاع” الضواحي (كما ينعتهم وزيرنا في الداخلية أو كما يلقبون أنفسهم أحيانا بدافع الاستفزاز)والذين افهم كلماتهم على نحو ناقص وكذا نماذجهم النحوية ونطقهم رغم انتمائهم إلى عينة من الفرنسيين”غير النموذجين”  ولربما المختلطين بالعرب(ولقد كانت صعوباتي أقل حجما مع الطبقة العاملة للجيل السابق ، لأن العشرين سنة التي قضيتها بالحزب الشيوعي قد وضعت بين يدي  الشفرة والممارسة).ما هي “اللغات” المتجانسة؟ وما هي اللغات المختلفة ( ولغات من؟)  ما هي الوقائع العملية التي تمنحها هذه التسميات؟أين تتم عملية الترجمة أكثر؟وهل يتم ذلك داخل الحدود اللغات أم فيما بينها؟

إن ما يصدق على الطبقة – نسبة إلى  اللغة والمجموعة القومية – والتي يبدو أن التاريخ الحديث العهد يدفعنا في اتجاه قلب علاقة القوة بينهما- يصدق أيضا علىظواهر أخرى تخص تفكك الهويات الاجتماعية التي تخترق الاختلافات الأنثروبولوجية والحدود الثقافية (خصوصا حسب ما سوف تكون عليه أنظمتنا التربوية “الديمقراطية”(. وفي كل الأحوال،إن الأزمة  الأونطولوجية لعالم الترجمات المعممة لا يعني انبثاق فرد خالص، ولا نتيجة إلغاءه النهائي باسم القوميات التقليدية التي تؤكد سيطرتها الكونية على الاتصالات وتطرح نفسها كسلطة مطلقة فيما يخص الترجمات (رغم أننا لسنا في مأمن من هذا التطور). إن الأمر يتعلق بفردية”إشكالية ”  ، أو بتعليق لعملية التفريد ولبناء الفرد “كقدرة على التطور” وعلى التنقل داخل كون متعدد الوجهات خاضع للتيارات المتناقضة والمتصاعدة  للتطويع النموذجي ، وللمطالبة بالفروق للتمثل بالتقليد ولمقاومة التطبيع المعياري. على أي أساس نبني فرادة الشخص ؟ وكيف ندعم  إمكانية السماح له بأن يتخلص من الشروط الجماعية للحياة؟

هنا يكمن المشكل المشترك بين كل الاستراتيجيات التي حاولت صياغة لغة على النمط الكوني. إنني لا أوهم نفسي بتجانس تام لخطاطتي هذه  في التفكير،ألاحظ بحق أن هناك عدة طرق لتنظيم مختلف الاستراتيجيات التي قمت بتقديمها أعلاه : صوريا، من خلال إرجاعها إلى مختلف “النماذج النحوية “(كالفصل أو التضمين أو التعاقب)، وتاريخيا : بإرجاعها إلى مراحل من ثقافتنا الفلسفية الخاصة (“ماقبل-حداثية”أو كلاسيكية أو حديثة أو “مابعد-الحديثة” إن شئتم) ، والطريقتان معا ليستا بالمتنافرتين. إن ما يمنعني من الذهاب إلى حد أبعد في هذه التوجهات ، ليس فقط عدم تيقني من قدرتها على إقامة إحصاء تام (والواقع أنها مشتقة من بعض جوانب اشتغالي النظري الخاص)، ولكن أيضا كوني أصبحت أتبين  منذ الآن لماذا لا تستقل الواحدة عن الأخرى استقلالا تاما ، إن على المستوى “المفهومي” أم على المستوى “السياسي” .غير أني موقن  بأن هذه الإستراتيجيات لن تقبل  بالإذعان  لقبضة المفهوم الواحد حول “الكوني” أو للغة الوحيدة  “كلغة للكوني” . بعبارة أخرى إنها تقترح علينا اختيارات فكرية ستعمل لا ريب بحيوية على تقسيم الفلاسفة ، وإنني أتقدم بها كأدوات افتراضية لطرح السؤال المتعلق بالمستقبل المجهول للفلسفة ، من داخل الفلسفة نفسها.

موقع كوّة

ترجمه عن الفرنسية الأستاذ مصطفى لعريصة

ملحوظة كوة: عنوان المقالة هو الكلام كونيا، وارتأينا تعديه حسب المضمون

هوامش:

 

1هذه الدراسة نسخة مراجعة ومعدلة لمقالة نشرت سابقا بالعدد الخاص بعيد ميلاد Topoi  “المجلة الدولية للفلسفة ،فعدد 25ن سنة 2006 ، وقد كان موضوع العدد هو: “ما العمل فلسفيا؟”. اشكر مدير تحرير المجلة على دعوتي للمشاركة في هذا العدد.

2 أن نتساءل ماذا كان هناك “فلاسفة” خارج الثقافة الغربية (و التي تتضمن بالمناسبة مجموع التقليد العربي الفارسي) ليس أقل أهمية  من أن نتساءل هل هناك أشكال” للتوحيد” خارج الجنيالوجيا اليهودية-المسيحية-الإسلامية (فالسؤالان  لا يعدمان علاقة بينهما) ، فالمقولة التي تحدد   البحث هي نفسها التي تشكل موضوع البحث. انظر بهذا الصدد الكتاب الهام ل Kenta Ohji  et Mikhail Xifaras : Eprouver l’universel, essai de géophilosophie, Paris, Kimé, 1999.

 

3 في بحث سابق بعنوان « Ambiguous Universality »( والذي يشكل الفصل الثامن من :Politics and the other Scene, Londres, Verso, 2002) ، أميز تحليليا بين ثلاثة أنواع من الكونية: بوصفها 3واقعا” و “خيالا” و “رمزا”.

4علم واحد كان عليه فيما بعد  أن يقارب هذا الوضع الرئيس هو “المادية الجدلية” التي تم تحديدها وإحاطتها بالتقديس في المجتمعات الاشتراكية منذ 1930 إلى الثمانينات من القرن العشين. وقد بقي هذا العلم غير منتج إذ لم يرق أبدا إلى نموذجه الوسيطي ولو أنه حرك بعض الحنين داخل الكنيسة الكاثوليكية.

5منذ الفصل الأول من الفينومينولوجيا(“اليقين الحسي”) منح هيغل “الوعي” قدرة لسانية هي شرط وصفه  الانعكاسي لذاته، وهو تطابق عمل ماركس على  استخلاص بعض مقدماته المادية.

6« Ich, das Wir, und Wir , das Ich ist »( Phénoménologie de l’esprit, ch.IV, introduction, trad ; J-P Lefebvre ; Aubier, 1991, p. 149)

7انظر كارل ماركس’ الرأسمال، الكتاب الثالث، لفصل 27،”دور الاقتراض في الإنتاج الرأسمالي”

8يدفعنا هذا الأمر إلى استحضار الصيغة الجدلية لفرو يد في (دروس جديدة، 1932 :”أين الهو، على الأنا أن يحدث”)

9عن التصورات المتعاقبة حول الترجمة في التاريخ الغربي وحول ” مشاكل الترجمة”التي تطرحها هذه التصورات ، انظر على الخصوص المدخل المطول” فعل الترجمة، الترجمة” في القاموس الأوربي للفلسفات تحت إشراف  (Barbara Cassin, Paris, Seuil /le Robert, 2004)

10 تلك هي نقطة انطلاق بول ريكور في واحد من أبحاثه المتأخرة  (حول موضوع شغله طيلة حياته)  Sur la traduction, Paris, Bayard, 2004 .

11 تم إدراجه كفصل ثاني (« Translation and Meaning ») من كتابه:Word ang Object(1960) trad fr . Le mot et la chose, Flammarion 1977.

12من بين الشروح النافذة حول كواين  L’Anthropologie logique de Quine, g apprentissage de l’obvie, 1992 لساندرا لوجيي التي أنا مدين  لها بهذا الصدد.

 

13 انظر الترجمة الفرنسية لأعمال والتر بنيامين: Œuvres I, Gallimard, Folio , Essais, 2000

14 تم نشر هذا البحث لأول مرة سنة 1923 كمقدمة لترجمته ل:”لوحات باريسية” لبودلير.

15 إن فكرة بنيامين حول “تجمع اللغات كنتاج  لامحدود للممارسات الترجمية والذي ل تشكل تلاؤم اللغات من خلاله إرثا من الماضي ولكن حدثا مستقبليا” لا يتوقف عن المجيء” ، هذه الفكرة شبيهة إلى حد مدهش بمفهوم دريدا حول ال،ex- appropriation  . و الغريب  هو أن دريدا- في بحثه:  Tours de Babel , 1985, ألذي يعيد ذكره في Psyché, Invention de l’autre,1987 )- قد انتقد بشدة تصور بنيامين” للغة خالصة” ولعله  أخطأ الاعتبارات النهائية لبنيامين المتعلقة بترجمة الكتاب المقدس ترجمة حرفية (verbum pro verbo)  ولعله ظن أنها تهدف إلى توضيح نفس التصور. بينما أعتقد أنها تقترح نقيض- أطروحة  ساخرة.

16جزء كبير من هذه الاعتبارات صادر عن  تصورات تمت صياغتها أساسا في اللسانيات التداولية وفي سوسيولوجيا اللسانيات، وهي موضوع  توافق  واسع, وقد قام باحث  لساني فرنسيJean Jacques Lecercle صاحب كتاب:Interpretation as Pragmatics, 1999 باقتراح  عرض تركيبي واضح حول هذه النقاشات في Une Philosophie marxiste du langage, 2004.

17Cf. « Europe as Borderland », The Alexander von Humboldt Lecture in Human Geography, Université de Nimègue,10 novembre 2004. يعاد ذكره مجددا في Europe Constitution Frontière, Édition du Passant, Bordeaux, 2005.

18Cf. Judith Butler, « Restagingthe Universal.Hegemony and the limits of formalism » ? DANS j ;Butler ? E.Laclau, S.ZIZEK, ContegencyHegemony Universalty, conteporary Dialogues on the Left, Verso, 2000, PP 34-37

19إنه النجاح الباهر لكلود ليفي شتراوس الذي بين في “ميتولوجيات” كيف أن مجموع الأساطير الهندية للقارة الأمريكية (تلك التي تم تدوينها على الأقل) يمكنها أن توضع في علاقة “ترجمة متبادلة”ما دامت كل أسطورة من بينها بوصفها حكيا، تنحدر مباشرة أو غير مباشرة من أية أسطورة أخرى عبر تطبيق بعض القواعد الدلالية,وهذه الفكرة( التي ليست بالغريبة عن فكرة اللغة الخالص لبنيامين)يمكن أن تتسع “لأنساق أخرى من العبارات”.ولكنها تغفل مع ذلك البعد الصراعي للتحولات, انظر: Patrice Maniglier, «  L’humanisme interminable de Claude Lévi- Stauss », Les Temps Modernes,n .609, Guin-Aout 2000,pp 216-241.

20Z.Bauman, in Search of Politics, Stanford ,1999,p.202.

21Cf.Jean François Lyotard, Le Différend, Ed.Minuit, 1983