1.  تشكيل نظرية الحوار والشراكة بين الحضارات.

إن مقولتَي الحوار والشراكة بين الحضارات- هما جديدتان ومبتكرتان، وقد ظهرتا في المعجم العلمي والسياسي في نهاية القرن العشرين وبداية القرن   الواحد والعشرين كاستمرار منطقي لما تَكَشَّف عن مبادرة الرئيسي الإيراني محمد خاتمي، وبناء على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في نقاش حول حوار الحضارات (رداً على الدراسة التي قدمها ص. هنتنغتون حول صراع الحضارات).  وقد أعلنت الأمم المتحدة السنة الأولى للألفية الجديدة، عام 2001م، بعام الحوار بين الحضارات. واعتُمِدَ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة «جدول           الأعمال العالمي للحوار بين الحضارات». وعُقِدَت سلسلة من المؤتمرات الدولية حول  هذا الموضوع. في روسيا تم وضع بداية لتطوير الأسس العلمية للحوار والشراكة   بين الحضارات.

في عام 1998م في كوستروما عُقِدَت المناقشة العاشرة متعددة التخصصات حول موضوع «الحضارات المحلية في القرن الواحد والعشرين: الصدام أم الشراكة؟» في مجموعة المواد المنشورة الخاصة بالنقاش جرى توضيح تطوّر نظرية الحضارات المحلية وإثبات ضرورة الشراكة فيما بينها رداً على تحديات القرن الجديد.             وتم بحث سيناريو الشراكة بين الحضارات في الدراسة التي أجريت في عام 1999م بعنوان «الدورات، والأزمات والتوقعات».

وفي الدراسة التي قدمها ي. ف. ياكوفيتس بعنوان «العولمة والتفاعل بين الحضارات» (الإصدار الأول في عام 2001م، والثاني في عام 2003م) تم إظهار أن تنفيذ سيناريو الشراكة بين الحضارات «ينطوي على تطوير حوار بنّاء والتعاون بين الحضارات المحلية كأجزاء من المجتمع العالمي المكون من الأمم والدول، وإنتاج آلية فعّالة لتسوية النزاعات الناشئة بين الحضارات، والعلاقة المتبادلة، ودعم الشعوب والحضارات الأقل تطوّراً في حالة من المساواة السياسية فيما بينها، مع غياب الإملاءات، والعنف، وتطوير التركيبة السكانية العالمية، وضمان حرية التعبير، واتخاذ القرارات المستقلة، ذات الأهمية العامة، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح كل من الأقوياء والضعفاء، والأكثرية والأقلية على حد سواء». في الدراسة المذكورة جرى تناول التوجّهات المحورية للتفاعل بين الحضارات- أسسه السكانية، والمصادر البيئية والقيود، والتغيرات في البيئة التقنية، والمجالين الاقتصادي والجيوسياسي، والنواحي الاجتماعية الثقافية.

في نظرية تشكّل عالم متعدد الأقطاب على أساس الحوار والشراكة بين الحضارات، التي لاقت الاستحسان في مؤتمر كوندراتييف الدولي الرابع (في موسكو، نيسان 2001م)، والتي اقترحها رئيس معهد بيتيريم سوروكين  و نيقولاي كوندراتييف الدولي و ي.ف.ياكوفيتس، وتمت الإشارة إلى ضرورة «توحيد الجهود على أسس من التعاون والشراكة بين الدول والحضارات لحل المشكلات العالمية الرئيسية، التي يتوقف على حلها مستقبل البشرية جمعاء»، وتم وضع الاتجاهات الرئيسية للحوار والشراكة بين الحضارات- في المجال السكاني، والبيئي الطبيعي، والتقني، والاقتصادي، والجيوسياسي، والاجتماعي الثقافي.

في الدراسة المنشورة في عام 2006م باللغتين الروسية والإنكليزية، لمؤلفيها ب.ن.كوزيك وَ ي.ف.ياكوفيتس، في جزئها الأول «الحضارات: النظرية، التاريخ، الحوار، المستقبل» تم تمييز فصل «حوار الحضارات»، الذي يكشف أهمية الشراكة بين الحضارات، كشكل بَنَّاء أسمى للتفاعل بين الحضارات، والقائم على أساس الحوار والتعاون: «الشراكة- هي الشكل الأسمى للتعاون بين الحضارات على أساس المنفعة المتبادلة، المستقرة وطويلة الأمد، مع توفر مساحة واسعة من الاهتمامات المشتركة». ولوحظ أن نزعة التفاعل بين الحضارات في القرن الواحد والعشرين ستكون انتقالاً من المواجهة فيما بينها إلى الحوار والتعاون والشراكة، الأمر الذي لا يلغي التوتر المؤقت للمتناقضات في فترات التأزم الانتقالية. وتم التوصل إلى استنتاج مبدئي: «في النصف الثاني من القرن الحالي يمكن توقع ظهور أكثر وضوحاً للاتجاه الرئيسي للحركة- عبر الحوار إلى التعاون والشراكة بين الحضارات. هكذا هي الحتمية التاريخية، لأنّه بدون ذلك يستحيل حدوث التنمية العالمية المستدامة، كما يستحيل بقاء البشرية، والحفاظ على الحضارة العالمية». ويجب توضيح أن هذه الحتمية تعمل منذ الربع الأول من القرن الواحد والعشرين. وتم تحديد ستة مجالات رئيسية للحوار والشراكة بين الحضارات، وكذلك المؤسسات وآليات تفاعلها البنّاء.

حصلت إشكالية الشراكة بين الحضارات على تطوير أكثر دقة وتعبئة في التوقعات العالمية التي أعَدَّها علماء روسيا وكازاخستان ما بين عامي 2007- 2009م، بعنوان «مستقبل الحضارات» وشملت المرحلة الممتدة إلى عام 2050م، ونُشِرَ المؤلَّف في 10 أجزاء، وخاصة الجزء التاسع الملخص، وقد حمل عنوان «مستقبل الحضارات وإستراتيجية الشراكة الحضارية»، والذي عُرِضَ             في اجتماع الطاولة المستديرة في إطار الجلسة 64 للجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 27/10/2009م وخلال المنتدى الحضاري الرابع في إطار إكسبو 2010 (شنغهاي، 12/10/2010م). في الفصل العاشر الذي حمل عنوان «توصيات للإستراتيجيات العالمية للشراكة بين الحضارات» تم الكشف عن ضرورة وخصائص الإستراتيجية العالمية للشراكة بين الحضارات، والتوجّهات المحورية لهذه الشراكة، والمؤسسات وآليات تنفيذ هذه الإستراتيجية.

تم تطوير هذه الأحكام في التقرير الذي قدمه ي.ف. ياكوفيتس في منتدى نوبل الاقتصادي الدولي الثاني (في دنيبروبيتروفسك، أيار،2010م) بعنوان «حول الإستراتيجية العالمية الجديدة للتنمية المستدامة على قاعدة من الشراكة بين الحضارات»، والذي أُرسِلَ كذلك إلى المنتدى الثالث لتحالف الحضارات، في أيار 2010م في ريودي جانيرو. حُدِّدَت أساسيات هذا التقرير في الدراسة التي قدمها ي.ف.ياكوفيتس بعنوان «التحولات الاقتصادية العالمية في القرن الواحد والعشرين».

حصلت هذه الفكرة على تجسيدها الأشمل، من ناحية توجّهات وآليات ومؤسسات الشراكة بين الحضارات، في تقرير فريق العلماء الدوليين (الذي شكله معهد بيتيريم سسوروكين وَ نيقولاي كوندراتييف ـ الدولي) خصيصاً لمؤتمر الأمم المتحدة حول التنمية المستدامة ريو + 20، بعنوان «أسس الإستراتيجية طويلة الأمد للتنمية المستدامة على قاعدة من الشراكة بين الحضارات».

وهكذا، طورت المدرسة الروسية الحضارية المعاصرة أسساً علمية للحوار والشراكة بين الحضارات، وحددت مجالاته المحورية وتوجّهاته، ومؤسساته، وبرهنت نظرية الإستراتيجية العالمية طويلة الأمد للتنمية المستدامة على قاعدة من الشراكة بين الحضارات. (يتبع)