3. الدورات والأزمات والابتكارات في مسار تطوّر الحضارة.

لمنع تنامي خطر الصدام بين الحضارات وفنائها، علينا أن نفهم جيداً ونتأقلم بمهارة مع أنماط مسارات التطوّر الدورية للمجتمع، والتقلبات في أطوار الدورات الحضارية.

تغير أطوار الدورات. كل حضارة- محلية، وعالمية وإنسانية- تتطوّر وفق قوانين مسارات التطوّر الدورية. وهذا يعني تقلبات  في مسار تطوّرها وفق أطوار الدورات طويلة الأمد (دورات كوندراتييف) والتاريخية العظمى (الألفية، التي تضم الحضارات العالمية الشقيقة). والترتيب المتتابع لهذه الأطوار هو تقريباً كالتالي: النشوء (في جوف الدورة السابقة)؛ التشكّل (الانطلاقة المبتكرة في المركز)؛ الانتشار، والتعميم؛ النضوج (ونضوج الشروط المسبقة للأزمة)؛ الأزمة؛ التواجد في حالة بقايا.

وبالتالي، تعدّ الأزمات خلال تبدل الدورات طوراً حتمياً في مسار تطوّر كل حضارة ودورتها الحياتية. والنمط نفسه أثناء الخروج من الأزمة على أساس موجة من الابتكارات- الأساسية أو العصرية،حسب عمق الأزمة ونطاق الدورة. علماً أن الأطوار الأولية والأطوار النهائية تتبع بعضها البعض (المتجاورة) تتطابق في الزمن، مشكّلة أساس الأزمات الحضارية الدورية- عندما تتلاشى فعالية الحضارة الزائلة، بينما الحضارة الجديدة لم تكتسب بعد التأثير الإيجابي الكافي على مسار التطوّر الحضاري.

لننظر الآن في هذه الأحكام العامة فيما يتعلق بمسار تطوّر كل نوع من الأنواع الثلاثة من الحضارات- المحلية، والعالمية والإنسانية.

الدورات في مسار تطوّر الحضارات المحلية: ويمكن بحثها في ثلاثة أقسام.

أولاً، كتسلسل مراحل الدورة الحياتية للحضارة؛ تولّدها، وتشكّلها، وانتشارها النشط، وازدهارها (نضوجها)، ثم أزمتها وتراجعها، والذي يتبعه إما مرحلة جديدة من الدورة الحياتية (كما لاحظنا في تاريخ الحضارة الصينية، والهندية، والمصرية القديمة)، وإما مغادرة الساحة التاريخية (مثل الحضارة الفينيقية، والمينوية، وعيلام، والمنغولية وحضارات أخرى ختمت دورتها الحياتية). ويمكن أن تقاس الدورة الحياتية عند بعض الحضارات بآلاف السنين (الحضارة المصرية القديمة، الحضارة الهندية، الحضارة الصينية)، وعند حضارات أخرى بعدة مئات من السنين (الحضارة المنغولية). وبعد ختام هذه الدورة تختفي بعض الحضارات دون أن تترك أثراً، وأخرى تتحول إلى حضارة أخرى (مثل تحول الحضارة السلافية الشرقية إلى الحضارة الأوراسية في القرن السادس عشر الميلادي).

ثانياً، التبدل الدوري لأجيال الحضارات المحلية، التي تختلف بعضها عن بعض من حيث تركيبها ومستوى تطوّرها في إطار الحضارة العالمية التالية.

قام أرنولد توينبي بإدخال مفهوم أجيال الحضارات. وقد ميز ثلاثة أجيال من الحضارات، علماً أنّه في الجيل الثالث ضم خمس حضارات فقط، وذلك على أساس ديني: الحضارة المسيحية الغربية، والحضارة المسيحية الأرثوذكسية، والحضارة الإسلامية، والحضارة الهندوسية، وحضارة الشرق الأقصى. في دراستنا لتاريخ الحضارات حددنا أربعة أجيال في الماضي (نهاية القرن الرابع- بداية القرن الأول قبل الميلاد؛ الجيل الثاني قبل منتصف القرن الأول الميلادي- في إطار الحضارة العالمية اليونانية والرومانية القديمة؛ الجيل الثالث، ما قبل القرن السادس عشر الميلادي ـ ويتزامن مع الحضارة العالمية للقرون الوسطى؛ الجيل الرابع، قبل نهاية القرن العشرين، ويتزامن مع الحضارتين العالميتين الصناعية المبكرة والصناعية). ومع بداية القرن العشرين بدأ تشكّل الجيل الخامس، الجيل الأكثر تنوّعاً، فهو يضم، وفق تصورنا 12 حضارة، ثلاث منها أوراسية (الأوروبية الغربية، الأوروبية الشرقية، الأوراسية)، وثلاث حضارات أمريكية وحضارة المحيطات (الأمريكية الشمالية، الأمريكية اللاتينية، حضارة المحيطات) وست حضارات في آسيا وإفريقيا (اليابانية، الصينية، الهندية، البوذية، الإسلامية، الإفريقية) ولا تستبعد إمكانية توسيع هذا الجيل ليشمل 16- 17 حضارة في حال انقسمت الحضارة الإسلامية إلى عدة حضارات محلية (العربية، الأوروبية الإسلامية، الفارسية، الهندية الإسلامية، حضارة المحيطات الإسلامية، والإفريقية الإسلامية)، وإذا قامت الحضارة الأوروبية الغربية باستيعاب الحضارة الأوروبية الشرقية.

ثالثاً، يمكن للدورات في مسار تطوّر حضارة محلية واحدة، لها دورة حياتية طويلة، أن تمر عبر عدة دورات طويلة الأجل مع تغير الحضارات العالمية وأجيال الحضارات المحلية (مثل، الحضارة الصينية أو الهندية). في هذه الحالة يضطرون للتكيف مع الظروف الجديدة للحياة.

دورات الحضارة العالمية؛ كل حضارة عالمية تمر في مسار تطوّرها عبر عدة أطوار متعاقبة في دورتها الحياتية- التولد، النشوء، الانتشار، النضوج، الأزمة، والانتقال إلى حالة الأثر القديم. وتتجلى هذه المراحل بوضوح في المركز الذي تحتله في الحضارات المحلية الرائدة، ومن ثم تنتشر على المحيط، لتغطي قارة تلو الأخرى. وفي الوقت نفسه تحافظ الحضارة العالمية على موقع واضح بدرجة أكثر أو أقل وفق مؤشرات تطوّر الحضارات المحلية الرائدة.

إن الأطر الزمنية لدورة الحضارة العالمية وأطوارها تحددها عادة الحضارات المحلية الرائدة: حضارة العصر الحجري الحديث (9 ـ 4 آلاف سنة قبل الميلاد)؛ الحضارة الطبقية المبكرة (من الألف الثالثة وحتّى نهاية الألف الثانية قبل الميلاد)؛ الحضارة اليونانية والرومانية القديمة (منذ بداية الألف الأولى قبل الميلاد وحتّى منتصف الألف الأولى الميلادية)؛ حضارة القرون الوسطى (من القرن السادس وحتّى القرن الخامس عشر الميلادي)؛ الحضارة الصناعية المبكرة (من القرن السادس عشر ـ وصولاً إلى الثلث الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي)؛ الحضارة الصناعية (من الثلث الأخير من القرن الثامن عشر- إلى بداية القرن الواحد والعشرين الميلادي).

دورات مسار تطوّر الحضارة الإنسانية؛ نُعرِّفُها كدورات تاريخية عظمى، تجمع بين ثلاث حضارات عالمية شقيقة وجيلين من الحضارات المحلية. تشمل الدورة التاريخية العظمى الأولى فترة الحضارات العالمية التالية: حضارة العصر الحجري الحديث، والحضارة الطبقية المبكرة، والحضارة اليونانية والرومانية القديمة والجيلين الأولين من الحضارات المحلية، وتشمل الدورة التاريخية العظمى الثانية فترة الحضارات العالمية التالية: حضارة القرون الوسطى، والحضارة الصناعية المبكرة، والحضارة الصناعية، والجيلين الثالث والرابع من الحضارات المحلية. وبدءاً من القرن الواحد والعشرين تبدأ الدورة التاريخية العظمى الثالثة. (يتبع)

 

[1] APEC- التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي.

[2] ASEAN- رابطة دول جنوب شرق آسيا.

[3] BRICS-  البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا.