4. المورثات الاجتماعية الحضارية.

إن المنهج الوراثي تجاه مسار تطوّر الحضارة يشمل جانبين: أولاً، تحديد النمط الوراثي، النواة الوراثية لهذه النظم الكبرى، الانتقال من جيل إلى جيل. ثانياً، بحث خصائص العمل في هذا المجال من الأنماط الوراثية- الوراثة والتنوّع الجيني والاختيار.

النمط الوراثي للحضارة. سمحت أبحاثنا بتحديد ستة عناصر رئيسية للنواة الوراثية (النمط الوراثي) للحضارة (الشكل 1-4):

• البيئي الطبيعي- أي الظروف الطبيعية لوجود وتطوّر الحضارة، الظروف المناخية، وجود ووفرة الموارد الطبيعية، التأثير على البيئة المحيطة؛

• السكاني الاجتماعي- أي عدد السكان والتركيبة السكانية، معدلات الهجرة والرفاهية، التنمية الاجتماعية؛

• التقني- أي تطوير القاعدة التقنية لإعادة الإنتاج، الطريقة التقنية في الإنتاج، مستوى الإنتاجية؛

• النظام الاقتصادي- أي نظام العلاقات الاقتصادية، بنية إعادة الإنتاج، مستوى التطوّر الاقتصادي؛

• النظام السياسي- أي نظام العلاقات السياسية والجغرافية السياسية، دور الدولة والقانون؛

• النظام الاجتماعي والثقافي- أي مستوى التطوّر العلمي، والتعليم، والثقافة، ونظام القيم الأخلاقية والحضارية، والمعتقدات الدينية.

يحمل المكونان الأوليان الطابع الاجتماعي الحيوي، ويعبران عن العلاقة المتبادلة بين الإنسان والطبيعة، والظروف الطبيعية والبيئية لتطوّر الحضارة والقوانين الاجتماعية الحيوية للتركيبة السكانية.

ويعبر المكونان الثانيان عن مستوى التطوّر التقني، واستخدامات المجتمع لمستوى تطوّره على أساس الطريقة التقنية في الإنتاج والنظام الاقتصادي.

1-4-2

الشكل 4.1. بنية النمط الوراثي الحضاري

يعبر المكونان الأخيران بالدرجة الأكبر عن خصوصية الحضارة، ونظام العلاقات السياسية والجغرافية السياسة والعالم الروحاني، ونظام القيم الحضارية، ومستوى تطوّر إعادة الإنتاج الروحاني- العلم، والتعليم، والثقافة، والأخلاقيات، والعقيدة (بما في ذلك الدين).

جميع مكونات النمط الوراثي الستة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً وتتغير بتوافق مع بعضها بعضاً.

أنماط الوراثة الاجتماعية تتجلى في مسارات تطوّر الحضارة بالطريقة التالية.

الوراثة. تشكّل جميع مكونات النمط الوراثي أساس الحضارة، طوال وجودها. وهذا يتعلق بالحضارات المحلية والعالمية والإنسانية، على الرغم من وجود طابع خاص لكل مكون من هذه المكونات، وهذا الطابع الخاص يحدد الفروق فيما بينها. في المرحلة الختامية لدورة مسار تطوّر الحضارة يضعف النمط الوراثي، ويتشوه ويغادر الساحة مع الحضارة، لتبقى في حالة بقايا في البلدان المتخلّفة.

الاختلاف الوراثي. ينظر بعض الباحثين إلى النواة الوراثية، كجوهر ثابت تماماً في النظام. فعلياً يختلف النمط الوراثي للحضارة من عصر لآخر، سامحاً بالتكيف مع الظروف المتغيرة جوهرياً في تطوّر النظام. وتنشط هذه التغيرات في العصور الانتقالية، في مراحل الكساد وإحياء الدورة الحضارية. والحضارة التي لم تنجح في التأقلم، ولم تنفَّذ في الوقت المناسب التغيرات في نمطها الوراثي في الاتجاه والحجم المطلوبَين، تغادر الساحة التاريخية.

إن اختيار التغيرات الضرورية والنافعة للحضارة ونمطها الوراثي يحدث في العصور الانتقالية. وتضعف في مرحلة الأزمة، فيتم تقويض العناصر المندثرة للحضارة والقضاء عليها، أو يتم تغييرها جذرياً. وفي الوقت نفسه تزداد قوة التغيرات الضرورية والنافعة، ويتم استيعابها على أساس الابتكارات الأساسية والعصرية. وخلال ذلك تفشل الخيارات الأخرى في اجتياز الاختبار ويتم تجاهلها.

يصبح النظام أثناء الأزمة غير مستقر، وتظهر كثرة من الاختلافات والطفرات المحتملة، حيث يتم بينها انتقاء صارم، ويقوم بالانتقاء الناس والقوى الاجتماعية، ويحدث هذا الانتقاء في فترات الثورات الاجتماعية. وقد جرى تحليل عميق لآلية الانتقاء في كتاب «علم اجتماع الثورة» لمؤلفه بيتيريم سوروكين (5).

وتكشف الأنماط الوراثية الاجتماعية عن آلية داخلية لمسار تطوّر الحضارات، وتغير العصور التاريخية.

قانون انضغاط الزمن التاريخي.

إن الدراسات التي أجريناها والقياسات الرياضية للتاريخ تعطينا الأسباب لنؤكد على فعالية قانون تقلص الزمن التاريخي في مسار تطوّر الحضارات. فإذا كانت الدورة الحياتية للحضارات العالمية الأولى (حضارة العصر الحجري الحديث، الحضارة الطبقية المبكرة، الحضارة اليونانية والرومانية القديمة) تُقاسُ بآلاف السنين، ففي الألف الثانية الميلادية ـ تُقاسُ بالقرون؛ الحضارة الصناعية المبكرة والحضارة الصناعية (من قرنين إلى ثلاثة قرون)، الجيل الرابع من الحضارات المحلية (خمسة قرون). كما تنخفض مدة الدورات طويلة الأمد. وستستمر هذه النزعة في المستقبل وتزيد مطالبها على  الطبقات الاجتماعية والقادة، في العصور الانتقالية، كما تزيد مطالبها على العلم، الذي يجب أن يتوقع حدوث التغيرات وجوهرها وتوجّهها وأن يقدم الإرشادات التي يمكن الاعتماد عليها في إستراتيجية تحول الحضارات، التي تـُكوِّن نمطها الوراثي.

إن التناقض الأساسي في فعالية قانون تقلص الزمن التاريخي في القرن الواحد والعشرين هو الفجوة بين تزايد سرعة التغيرات في المجتمع وفي ظروف تطوّره (وخاصة في العصر الانتقالي) وبين الإدراك المتأخر من قبل قادة المجتمع لروح واتجاه هذه التغيرات، مما يؤدي إلى عدد كبير من الأخطاء الإستراتيجية، وتعزيز الفوضى في مسار التطوّر وتزيد من المخاطر والأزمات في تكيف الحضارة مع الظروف الجديدة للحياة والعمل والتطوّر، حسب تعبير  إلفين توفلر، صدمة المستقبل ـ رهاب المستقبل.

لحل هذا التناقض واجتياز الفترة الانتقالية للأزمة بأقل الخسائر الممكنة وخلال فترة تاريخية أقصر قدر المستطاع، من الضروري أن تُدرِكَ النخب الفكرية، والسياسية، ورجال الأعمال، وقادة الجيل الجديد، أسس نظرية الحضارات وتاريخ الحضارات ومسار تطوّر الحضارات ومستقبل الحضارات، مما يجعل دراسة مسارات تطوّر الحضارات أمراً ملحاً، وكذلك الحوار والشراكة فيما بينها. (يتبع)

 

[1] APEC- التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي.

[2] ASEAN- رابطة دول جنوب شرق آسيا.

[3] BRICS-  البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا.