وكان مما رواه لي قد تعلق بالدبلوماسي العراقي في طهران في الأربعينات، السيد أيوب الحيدري. حدث له أن التقى بامرأة من بيلاروسيا في الاتحاد السوفياتي. راقت في عينه وراق في عينها. وهامت به وهام بها. ولم يجد بداً من الزواج بها. ولكنه كان على علم بأن حكومته لن تجيز لها الزواج بهذه المرأة؛ نظراً من بلدها الاتحاد السوفياتي الشيوعي. فلم يعبأ بطلب الإذن من الوزير للزواج بها فراح وتزوج بها سراً. للزوجية أسرار كثيرة، ولكن لم يكن من بينها الزواج بامرأة شيوعية. سرعان ما اكتشفت وزارة الخارجية أن ممثلها في طهران قد اقترن بامرأة من العدو السوفياتي. فبعث إليه وزير الخارجية بكتاب تأنيب، وقال فيه إن الوزارة قد قررت أن تغض النظر في هذه المرة، ولكنها ترجو منه بألا يكررها مرة ثانية!

بالطبع هذه مشكلة مرتبطة بالسلك الدبلوماسي على وجه الخصوص، بالنظر لوجود رجال السلك في بلدان أجنبية، واختلاطهم بالنساء الأجنبيات. ما انتهت الخارجية العراقية من مشكلة أيوب الحيدري وزوجته السوفياتية، حتى وقع زميل آخر له في حب امرأة أميركية التقى بها بحكم عمله، فهام بها وهامت به. ولما كان العراق عندئذ جزءاً من حلف بغداد، وحليفاً للولايات المتحدة فلم يجد ضيراً في مفاتحة الوزارة برغبته في الزواج من هذه المرأة. وربما ذكر في رسالته أنه إنما يفعل ذلك دعماً للتحالف العراقي الأميركي، والمصلحة العامة. ولما كانت الخارجية العراقية عاجزة كلياً عن التحري في هوية هذه المرأة وحسبها ونسبها، فقد بادر المدير المسؤول إلى وضع الطلب على الرف لستة أشهر، ليوحي للجميع بأنه قد قام بالتحريات اللازمة. ثم كتب للرجل يعلمه بموافقة الوزارة على هذه الزيجة، وتبعث له تمنياتها باليمن والبنين!

بيد أن ستة أشهر من الزمن تكفي المرأة الأميركية للزواج والطلاق والزواج ثانية بنصف دزينة من الرجال. وهكذا فعندما تسلم الرسالة بالموافقة كانت هذه السيدة الفاضلة قد غيرت رأيها في الزواج بعربي مسلم من العراق. وهكذا فعندما وصله الكتاب بالموافقة على الزواج بها رد عليه بكتاب آخر يعلمهم بأنه قد غير رأيه في الموضوع والتمس الموافقة على تطليقها.

مضت سنوات وإذا بنفس الرجل يقع في هوى أميركية أخرى، فعاد وكتب يطلب الإذن للزواج بها. جلس الطلب على الرف لستة أشهر كالمعتاد قبل أن يبعثوا بالموافقة. ولكن بعد تذييلها بعبارة: «لكم الحق بالزوج بأي أميركية وتطليقها من دون الحاجة لاستشارتنا». وقبل أن تصله الموافقة كانت المرأة الفاضلة قد غيرت هي أيضا رأيها.

سألت صديقي عبد المنع، وماذا حصل؟ قال ما زال الرجل أعزب.

خالد القشطيني 

الشرق الاوسط: ١٦-٧-٢٠١٧