ولا شك أن قصص الفروسية من القصص التي تستهوي دائما الخيال الشعبي في مختلف الحضارات منذ فجر الإنسانية، نظرا لما يمثله الفارس من قيم ومبادئ عظيمة، ليس عسكريا فقط ولكن اجتماعيا واقتصاديا، فكان هو الملهم لمجتمعه ورافع رايات نصره، لذا دائما نقول عن أصحاب الأخلاق النظيفة إنهم يتحلون بأخلاق الفرسان، وهم الذين تقع على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن الأرض والعرض والمجتمع، من أي عنصر دخيل على العقيدة والمكتسبات الموروثة، والثقافة المتأصلة كهوية تعبر عن المواطن والوطن.

 

وإذا نظرنا إلى عالمنا العربي وتراثه الشعبي نجده يزخر بهذه النماذج التي لاتزال تمثل مصدر إلهام لكل باحث عن هذه القيم النبيلة التي تكاد تتوارى خلف مستجدات العصر الحديث، وغلبة الحياة المادية على وجداننا، فنجد أن الشخصية العربية في العموم إلا قليلا تأثرت بثقافة التغريب التي لحقت بشبابنا الذين يقلدون سلبيات هذه الثقافات الدخيلة كنوع من الانبهار، في غياب الصحوة القيمية، وإحياء الهوية من جديد كمظهر من مظاهر التماسك المجتمعي.

 

نحن لا نريد عزلة عن العصر والتطور الذي استجد فيه، ولكن نريد مشاركة الحضارات الأخرى في هذا التطور، مع الحفاظ على القيم الوجدانية والثقافية التي هي عنوان لنا وبرهان على وجودنا.

 

نحن يا شباب الكويت نعيش في وطن غال على قلوبنا، نريد أن نحيي فيه قيم الفروسية بداخلنا من اعتزاز بلغتنا ولهجتنا، وطعامنا وملبسنا وعاداتنا الموروثة.. نريد أن نستعيد قيم الأصالة والكفاح لنبعث من جديد زمن الفرسان، زمن كفاح الأجداد الذين روت دماؤهم الطاهرة أرض الوطن، لكي ننعم نحن بما فيه حاليا من أمن وأمان ورخاء وسمعة طيبة على مستوى المحافل الدولية، في ظل قيادة حكيمة، فكان هذا نتاجا طبيعيا لما بذلوه من دماء طاهرة زكية، ويجب علينا المحافظة على هذا الوطن الغالي، ولا نضيع ما سطروه لنا من تاريخ مشرف، لقد خطت فروسيتهم سطورا جديدة في تاريخ هذه الأمة، واستيقنوا ببصائرهم النافذة معاني الكرامة والشرف التي توارثناها منهم جيلا بعد جيل، كل فارس يسلم الراية لخليفته، قبضة الفارس على رايته هي قبضة لا ترى فيها إلا عروقا تنبض بعشق الوطن، فروسية الأجداد كانت حبات عرق صنعوا منها تاجا يزين جبين الوطن.

الفروسية لم تكن يوما سيوفا وجيادا ونزالا فقط، ولكن الفروسية معان تسري في عروق كل مجال من مجالات الحياة لتحقيق الكمال الإنساني.

الفروسية الإنسانية الأخلاقية هي التي تجعلنا فرسانا في الصدق وأعمال الخير والإيثار على النفس، الفارس الحقيقي هو المتجرد لنصرة الحق ودمغ الباطل، لأن ميزان الحق والعدل عند الفرسان لا يخضع للهوى والمزاج، ولكن للتشوق بقلب حار إلى النزاهة والترفع عن الصغائر والنقائص، لأن الفارس الحقيقي لا يعتذر لنفسه بسوء أفعال الآخرين.

هناك جانب آخر من الفروسية وهو الجانب الثقافي المعرفي، اعلموا جيدا إخواني أن قيم الفروسية تستفز أصحابها للتثقف، وتجعلهم في حالة جوع دائم للمعرفة، والبحث في معارف الآخرين أيضا، الفارس الحقيقي هو من يملك عقلا معرفيا رشيدا يجعل منه المدافع عن قيم وهوية وطنه ضد أي أفكار شاذة تتخلل مجتمعه، وتخلخل تركيبته ومكوناته الثقافية الأصيلة، أيضا ينبغي على الفارس الحقيقي أن يتيقظ لأعداء الداخل، ويظهر فروسيته بشجاعة وهمة أمام أي فرد يروج للقيم العنصرية، والطائفية الخسيسة التي تهدد كيان المجتمع وترابط أبنائه، الفارس الحقيقي هو الذي يظل ممتطيا صهوة جواده مخترقا صفوف الأعداء في الداخل والخارج، ليقف على ربوة عالية رافعا شعار العزة للوطن فقط.

الكويت تحتاج إلى مزيد من الفروسية في أبنائها لتحتل مكانا ثابتا في أسواق الصادرات الاقتصادية العالمية كإحدى تحديات المستقبل، نحن نملك على أرضنا كل المقومات التي تجعلنا نحقق نجاحات اقتصادية عالمية، بنكهة كويتية في عالم الصناعة والزراعة، نريد مزيدا من الفرسان في المحافل الرياضية لدعم روابط الأخوة والإنسانية والتنافس الشريف، فالرياضة لغة التعارف بين الشعوب، الفارس الحقيقي هو من يسعى لتمثيل بلده بشكل مشرف، وتسطير تاريخ تحكيه الأجيال ونفخر به.

يا شباب الكويت نحن في مرحلة مهمة تحتاج لإحياء قيم الفروسية بداخلنا، الفارس لا يتخلى عن قيمه ولا وطنه، والمحارب لا يستريح إلا بأداء كامل رسالته، وطننا الغالي يحتاج منا إلى قيم الفروسية لنكون عنوان مجده، وأدوات التحدي لمستقبله، ونحن الرهان الحقيقي لهذا التحدي..

 

فهلا فقهنا المعنى الحقيقي المتكامل للفروسية؟

 

الصحف الكويتية