***

* المولج    

   نعتقد أن تاريخ العلاقة بين الغرب والإسلام تؤطرها سُنة وقانون التّدافع الكوني، ونلك العلاقة تشكلت ما قبل الإسلام أصلا، فالغرب منذ العصر البرونزي وهو في صدام مع الشرق، والشرق ذاته منذ عصر امتلاكه القوة والتاريخ حاول السيطرة على الغرب. ومن خلال ذلك يتبين أن الإسلام هو الحلقة الأخيرة من حلاقات الصراع مع الغرب، والغرب المسيحي هو ذاته مجرد استمرار للغرب الوثني القديم.

     ندرك من خلال ما سبق، أن ما قامت به الحضارة الفارسية على سبيل المثال من غزو للمدن الأيونية هو الذي أدى بأول ردة فعل غربية، والتي تمثلت في حملة الإسكندر المقدوني على العالم الشرقي، وقس تلك الحالة على ردة الفعل الروماني على حملة هنابيال (القرطاجي) الشّهيرة.

  يعتبر الفعل الاستحماري (بدل كلمة الاستعمار التي تعني التّعمير) الغربي في العصر الحديث ردا واضحا على التّواجد الإسلامي في الأندلس، ثم التّوغل العثماني في أوروبا ومحاصرة فيينا، ذلك أن كثير من فلاسفة الغرب في العصر الحديث حذروا ساسة أوروبا وقادتها من خطر الهلال على جغرافية أوروبا، وذلك ما ندركه جليا في محاولة إيمانويل كانت توحيد أوروبا في حلف مقدس بناء على نظريته الموسومة "من أجل سلام عالمي دائم." 

   يُعتبر الحديث اليوم عن الصراع بين الغرب والإسلام حديث عن الصراع بين الشرق والغرب، ولا نقصد بمقولة الشّرق والغرب الامتداد الجغرافي فحسب بل يتعداه إلى الامتداد الفكري، ومنه يمكن القول أن الصّراع اليّوم ليس صراع ديانات كما يريد الإعلام أن يُوجهه، بل هو صراع الثقافات والمصالح الكبرى.

    نعلم كلنا بأن المسيحية ديانة شرقية مثل الإسلام تماما، فعيسى (النّبي) أسمر اللون تكونت سحنته السّمراء بفعل لهيب حرارة شمس فلسطين، ومحمد نفسه ابن الشرق والصحراء الحجازية، وبناء على ما سبق، فالتّصادم لا يمكن أن نفسره إلا من خلال صراع الثقافات أولا، ثم صراع المصالح الكبرى.

    يُمكِنُنا التَّحديد السابق من تخطي أول عقبة من عقبات فوبيا الأخر (فوبيا الإسلام + فوبيا الغرب)، فعندما نزيل العامل الديني كعامل مركزي ورئيس نستطيع أن نفكر في أرضية للحوار الصّريح.

    إن السؤال المؤسس لأي حوار مفتوح مع الغرب، يتجه نحو استقصاء مكامن الخوف لدي الغرب من الشرق، والمُعطى نفسه نعكسه على ذاتنا نحن كشرق تجاه الغرب.   

      إن العلاقة بين الغرب والإسلام تنطلق من مقولة الخوف المتبادل، والذي يتحول دوما إلى قوة مدمرة عندما لا يتأسس على ما يُبرره، فالخوف الموجه هو الذي يؤطر العلاقة بيننا. ويمكن توضيح فوبيا الآخر من خلال الموازنة التالية: 

·       المسلمون يخافون الغرب المعاصر في النقاط التالية:

1-   القوة التكنولوجية المتقدمة.

2-   ظاهرة الغزو والاحتلال.

3-   استغلال الخيرات.

4-   مساندة الأنظمة المستبدة.

5-   مساندة الصهيونية العالمية.

6-   التعدي على المقدسات الإسلامية.

·       والغرب يخاف الإسلام في النقاط التالية:

1-   الهجرة المتنامية.

2-   أسلمة أوروبا.

3-    إمكانية اتحاد الدول الإسلامية مستقبلا.

4-   الخيرات والثروات.

5-   تزايد معدل التّوالد داخل أوروبا.

6-   الإرهاب والعنف المنظم.

7-   الحركات الإسلامية (إعادة تجربة الأندلس).

 

أولا: منهجية الحوار بين الإسلام والغرب المسيحي.

     يبدو أن الحوار الهادف والمثمر هو الذي يخضع لمنهج عقلاني وإنساني معا، لأن المنهج يضبط الأطراف المتحاورة حتى لا تخرج عن أهداف الحوار أصلا، فكلما كان الحوار بين الإسلام والغرب المسيحي مبني على الارتجالية والنزعة الثّيموسية كان الشّقاق والخلاف هو النّتيجة بدون شك.

      إننا عندما نريد أن نتحاور مع طرف يمثل في الشعور واللاشعور صورا متناقضة، فليس هنالك خير بديل من استعمال المنهج الظاهراتي ليضبط مجريات الحوار بين نوعين من الكوجيتو. يتأسس الكوجيتو الأول على مقولة:" أنا مسلم أنا الخير، أنا الأعلى." ويتأسس الثاني على مقولة:" أنا مسيحي أنا المحبة، أنا النهاية."، وكلا النظرتين تتجه نحو تعظيم ذاتها على حساب الأخرى، عندئذ يكون من الصّعب تفعيل الحوار بينهما، فكل طرف يمثل نقيضا للأخر. ولا يمكن في تلك اللحظة من تشكيل تركيب بينهما بالمعنى الهيجلي، لكن يمكن بأدوات المنهج الظاهراتي أن نُشكل بؤرة للتقارب بينهما من خلال عملية إدراك واعي يتمأسس على ما يلي:

1-   تخضع المعرفة باعتبارها ظاهرة للتجربة النفسية والاجتماعية للذات، فهي حتما تقع عند نقطة تجاذب الأطراف المُشكلة للحكم، تمكننا من فك التناقض عن طريق البحث عن (NOESE ) الذي يمثل العنصر النشيط  والمحدد للعلاقة بين (HYLE)  المادة المحسوسة و (MORPHE ) الهيئة المقصودة.

2- القصدية: وهي الرغبة الشعورية المُلِّحة في إدراك الموضوع بعيدا عن كل معرفة سابقة، فالنّية تتأسس من خلال سلسلة التجارب التي مرت بها الذات العارفة من خلال لحظة فلسفية تمت نتيجة شعور بموضوع معين، عندئذ تحضر الرغبة في معرفة الموضوع من خلال التجربة القصدية المرتبط بقصديته، يقول هوسرل: " إن الشعور بشيء لا يعني أن نفرغ الشعور من هذا الشيء بل أن نجعله يتجه إليه حيث أن كل الظواهر لها تكوينها القصدي الذي يوجه الإدراك نحوها تلقائيا."[1]

 3 – التقويس ( الإيبوخيا): لابد للطرفين المتحاورين تعليق كل الأحكام المسبقة ظرفيا، لأننا سنُفشل أي مشروع للحوار إذا كان كل طرف منا تحركه مرجعيات وأحكام سابقة وجاهزة، إننا لا نطالب بتغييرها ولا بتفنيدها، بل نطالب فقط بتعليقها أو سجنها سجنا مؤقتا:" وبعزل التفرد والوجود نكون قد قمنا بعملية تحديد لجميع علوم الطبيعة وعلوم الذّات، وكذلك نكون قد قمنا بتجريد تجارب هذه العلوم وفرضياتها."[2]

4- التعالي الإيجابي: يكون للذات الدور الرئيس في تجديد الإدراك نحو الموضوع المتأمل، ومحاولة إعطاء الذات مكانة فوق أعراض الموضوع، إن التعالي هو محاولة تحطيم كل الإدراكات السّابقة من أجل إعادة الدّور للذّات التي فقدته بسب تعالي الموضوع.

    وبناء على ما سبق، سنحاول تطبيق تلك الخطوات الفينومينولوجية على موضوع الحوار بين الإسلام والغرب المسيحي، ويمكن تحديد ذلك من خلال ما يلي:

1-      التقويس: نبه العالم المسلم ابن هيثم في كتابه المشهور "المناظر" إلى خطورة الآراء السابقة والأحكام الجاهزة، ودعا إلى ضرورة تجاهلها إلى ما بعد عملية التّحقق مما وصلت إليه الذّات. والفيلسوف إدموند هوسرل نفسه يدعو المتأمل إلى ضرورة وضع الأحكام في سجن أو بين قوسين، وننطلق نحن في هذا الصدد في وضع المصطلحات التالية بين قوسين، فبنسبة لنا كمسلمين لابد أن نسجن الأحكام التالية: (الغرب دار كفر وضلال) و(الغرب المُحتل) و(الغرب المادي) و(الغرب المنحل) و(عيسى الرسول فقط) و(الإنجيل المُحرف) و(عيسى المرفوع لا المصلوب) ...  أما الغرب المسيحي فعليه أن يعلق أحكامه التالية: (الإسلام دين التّخلف) و(الإسلام دين غير سماوي) و(القرآن هرطقة) و(محمد ليس بنبي) و(الإسلام دين الإرهاب) و(المسلمون متعصبون) ..... ونستبدلها بالتساؤل التالي: (الله واحد والإنسان واحد فلما الخلاف ؟؟؟ ).

   نود التنبيه إلى أن الغاية من تعليق تلك الأحكام هو محاولة وضع الشرط اللازم لفهم كنه العلاقة، لأن من شروط المُفكر وفق معايير المذهب الفينومينولوجي التّوقف عن إصدار الأحكام، لأن المنهج لا يهمه الحكم في ذاته، بل يهمه كيف استطاع المُتأمل الوصول إلى ماهية وكنه الموضوع.

2-      القصدية: تتمثل في نية التّوصل إلى دائرة المتفق عليه، أو ما تسمى بالرياضيات دائرة التقاطع، فبيّن المسيحية والإسلام كثير من الأمور المشتركة التي نستطيع أن نؤسس عليها مشروع عمل مشترك.

3-      تغيير الكوجيتو: يحتكم كل طرف إلى كوجيتو قائم على سحرية المُفَكر فيه، والذي يؤسس لهيمنة العقائد والأفكار المُسيطرة على كل الذّوات، وعليه فإن لحظة الحوار تفرض قلب الكوجيتو السّابق، حيث يصبح اللامفكر فيه هو بؤرة الإدراك والتأمل. إن اللامفكر فيه على مر التاريخ بين الغرب والإسلام هو التعايش السلمي ضمن قاعدة الاختلاف بدل الخلاف، التّجاور بدل التّناحر، والتّحاور بدل التّناخر.

  يمكن من خلال ما سبق رسم قواعد الحوار بين الإسلام والغرب المسيحي وفق المنهجية التالية:

أ‌-       العمل في دائرة المتفق عليه.

 توجد بين الإسلام والغرب مساحة كبيرة للالتقاء للتّحاور وللتّجاور، وخاصة من حيث البنية الأخلاقية للدّيانتين، وتصلح تلك المساحة المشتركة بين الغرب والإسلام أن تكون دائرة للعمل وتبادل المنافع الحيوية في المجالات التالية:

1-   العقيدة:

-الإيمان: شرط التّدين والتّعبد في الدّيانتين معا، والإيمان من أكبر النّعم التي يمكن استثمارها لأجل إخراج الإنسان من مشكلات الحضارة المعاصرة، كالقلق والحيرة، الاغتراب والاستلاب...، فالإيمان طريق الصّلاح والتّقوى، والخوف من الوقوع في الشر والرذيلة، أو بمعنى إيماني الخوف من الوقوع في أحبولة الشيطان وغواية النفس.

   يبدو جليا أن للإيمان قيمة كبرى تشترك فيها الديانات السماوية، فمشكلتنا ليست مع المؤمن بقدر ما هي مع المعتنق. {قالت الأعراب آمنا قٌل لم تؤمنوا ولكن قُولوا أسلمنا ولمّا يَدْخُلِ الإيمان قُلوبكم...} الحجرات: الآية 15.

-التّوحيد: بغض النظر عن الخلاف في تصور الله، فإن كل من الإسلام والمسيحية يقر بالتّوحيد، فالله واحد في ملكوته، وواحد في ربوبيته ... والتّوحيد نقطة عمل مشترك بينا، يمكن من خلالها التّقارب أكثر وذلك بالرجوع إلى إبراهيم عليه السلام، الذي مثل في ذاته أمة كاملة. يقول مَرْقُسُ في الفصل الثاني عشر (الفقرة 30) من إنجيله: [إن أحد الكتَبَة سأل يسوع عن أوَّل الوصايا فأجابه: اسمع يا إسرائيل، (الربُّ إلهنا ربٌّ واحدٌ...الخ) فقال له الكاتب: جيِّداً يامعلِّم! بالحقِّ قلتَ لأنه الله واحد وليس آخر سواه، فلما رآهُ يسوع أنه أجاب بعقل قال له: لستَ بعيداً عن ملكوت السموات]. وجاء في إنجيل يوحنا173: [وهذه هي الحياة الأبديَّة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الَّذي أرسلته]. وفي القرآن قوله تعالى: {قل هو الله أحد} الإخلاص: الآية 1.

- المعاد والآخرة: تقوية الشعور بالعودة إلى الله، وتقتضى تلك العودة ضرورة أن يكون الإنسان مسؤولا عن كل أفعاله وسلوكياته.. وإذا استثمرنا تلك الدعوة فإننا يمكن أن نُكوِّن الإنسان المسؤول، وأكبر مسؤولية هي مسؤولية حب الإنسان لأخيه الإنسان.

-المحبة: إن المحبة شرط  ضروري في كل دين، والمحبة ينبغي أن تعم الكل، فلا يؤمن مؤمن إلا إذا أحب للمؤمن الآخر ما يحبه لنفسه.   

2 -الاقتصاد: وننظر له من خلال القيّم التالية:

- قيمة العمل: العمل من أهم القواعد الدينية، وقيمته تكمن في كونه  أصل الحياة أولا ثم بوابة الفردوس.

- قيمة الجودة: الجودة شرط تقبل العمل عند الله، فكل مؤمن واجب عليه وجوبا أن يتقن عمله ويجيده، لأن وجود الإنسان مرتبط بجودة العمل وإتقانه. (تجربة هابيل وقابيل)

- قيمة المنافسة: المنافسة في المسيحية والإسلام مطلب أساسي لمعرفة المؤمن الفعال من المؤمن الخامل.

- الاحتكام للطبيعة: إن الطبيعة خلقها الله للمؤمن ليحقق وجوده فيها كذات تمارس الاستخلاف واستعمار الأرض، لذلك زودها الله بقوانين، ينبغي معرفتها أولا ثم أن نحتكم إليها في  مجالات الحياة كقانون العرض والطلب، المنافسة، والحرية ،الفطرة، .....

-الإحسان: ليس الغرض من الاقتصاد الربح والثّراء فقط، بل الغاية منه بلوغ مرتبة الإحسان، وذلك من خلال المحافظة على الطبيعة والإنسان، وتفعيل العمل الخيري.

3- السلوك:

- الأخلاق العملية: ونقصد أن الإسلام والمسيحية أسسا لجملة من القيم المشتركة العملية كحسن الجوار، حسن المعاملة، التعاون، التكافل الاجتماعي، المحافظة على الأسرة، احترام الولدين.

- الأخلاق الإيمانية: الصدق، الصبر، التقوى، الإخلاص.. والغاية من ذلك تنقية الذات من كل ما يُكدر طبيعة الذات.

4- حلف أهل الكتاب:

       تنفرد الديانات السّماوية الكبرى بالكتاب المقدس، والذي يمكن أن نطوره إلى حلف أهل الكتاب، من منطلق أن الله أوصى في القرآن بالخصوص خيرا بأهل الكتاب. ويمكن لحلف أهل الكتاب أن يُثمر عن عمل إنساني مشترك، تتجلى فيه المسحة الإلهية، وهي إنقاذ البشرية من بقايا الوثنية، وتصدير قيم الخير والمحبة المشتركة. 

5- المصالح المشتركة:

      توحدنا المصالح المشتركة أكثر مما توحدنا العقائد، فالمنافع المتبادلة بين الطرفين هي التي تعمق العلاقات على المستوى السياسي والجمعوي. ولا يمكن أن نتصور في الوقت الراهن غرب دون عالم إسلامي والعكس صحيح، فالخيرات النفطية وغيرها تأتي من الشرق والخيرات التقنية والعلمية تأتي من الغرب، ولا يمكن أن يستغني الغرب عن النفط والموارد البشرية كما لا يستغني الشرق عن المنتجات التكنولوجية.

ب- الاختلاف بدل الخلاف في اللامتفق فيه.

      يفصح تاريخ الأديان أن في الدين الواحد يوجد اللامتفق فيه، فكيف الحال بين ديانتين بينهما برزخ زماني يقارب سبعة قرون. إن دائرة اللامتفق فيه كبيرة بين الديانات، وخاصة في مجال بعض الأصول والفروع. لكن يمكن اعتباره يدخل في باب الاختلاف لا في باب الخلاف، فالخلاف ينبغي استبعاده من العلاقة بين الإسلام والغرب المسيحي، واستبداله بفلسفة الاختلاف، لأن الاختلاف يوجه الذات نحو قبول الآخر كما هو في حين أن الخلاف يوجه الذات نحو الانتصار على الأخر. ومن خلال ما سبق يمكن أن نؤسس فلسفة الاختلاف بدل الخلاف من خلال قاعدة ( فليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه) . ويمكن رصد اللامتفق فيه في المباحث التالية:

1-     شخصية المسيح ونبوة محمد :

نعلق تصوراتنا للحظة عن شخصية المسيح ومحمد، ولننظر فقط في التعاليم التي صدرت عنهما، سنجد عندئذ أن القيمة الكبرى التي أرادها الله تكمن في النص لا في الشخص.( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء) سورة:آل عمران، الآية:64.   

2-     خاتمية الرسالة:

    يمكن أن نعيد طرح السؤال التالي: هل قيمة الدين تكمن في خاتميته ؟؟

         نحن نعتقد أن قيمة الدين تكمن في فاعليته لا في خاتميته، فإذا كانت المسيحية تنفي أي ديانة سماوية بعدها فيمكن أن تتعامل مع الإسلام من زاوية الفاعلية والتأثير، فالإسلام اليوم أكثر الدّيانات السّماوية فاعلية على مستوى الأشخاص والجماعات. ومن مصلحة كل دين سماوي أن يكون الإنسان مؤمنا بالله واليوم الآخر، فالمسلم يحب أن يكون الشعب الروسي مسيحيا بدل أن يكون ملحدا، ويحب أن يدخل سكان أستراليا البدائيون المسيحية بدل الإيمان بالطوطمية. كما يجب على المسيحي أن يؤمن أن دخول الملحد والوثني إلى الإسلام أفضل من بقائه على ما كان عليه. إذن يمكن من خلال هذا التفاهم أن يحتفظ كل معتنق بخاتمية رسالته دون أن يؤثر ذلك الإيمان في نشر الإيمان بالله أصلا. 

3-     الكتابان وكلام الله:

       ليس من المفيد حضاريا الطعن في الإنجيل والقرآن، وإن كان ولا بد فعلى كل طرف أن يحتفظ بقناعته لنفسه ولطائفته، ولكن المهم هو الإيمان أن الله بعث الكتاب هدى للناس، عندئذ تكمن قيمة الكتاب في فعل الهداية والموعظة، وتوطين الصٍّلة بين العبد وربه، فقد نختلف في طبيعة المصدر لكننا نتفق في وظيفته.    

4-     أسلمة أوروبا ونصرنة المسلمين:

     يغالط الغرب نفسه بالتّهويل من انتشار الإسلام بأوروبا، ويعتقد أن أوروبا ستتحول إلى قارة إسلامية في غضون عشريات من الزمن، نتيجة الهجرة المتزايدة ونسبة التكاثر، والمسلمون في المقابل يُهولون من الحملات التبشيرية التي تمس المسلمين في القارة الإفريقية، ويبدو أن الأمر مجرد تخوف كاذب، فنسبة الإسلام في أوروبا ليست بتلك الضخامة التي يصورها اليمين المتطرف، لكون هجرة المسحيين إلى أوروبا لا تختلف كثيرا عن هجرة المسلمين. كما أن التّنصير في إفريقيا والعالم الإسلامي نسبته لا تقلق مقارنة مع انتشار الإسلام ذاته في المنطقة نفسها.   

5-     العنف والدين:

      نحن نعتقد أن العنف ظاهرة عالمية، وليست حكرا على الإسلام كما يروج له الغرب، فالغرب المسيحي فجر حربين عالميتين في القرن العشرين، أدت إلى مقتل أكثر من 60 مليون ضحية، وباسم المسيحية أبيدت اليابان والفيتنام، وباسم الإنجيل والرب استبيحت العراق وفلسطين .. فلما يحاول الغرب وسم الإسلام فقط بالعنف. نحن لا ننكر وجود العنف باسم الإسلام، لكننا نقول إن العنف يُقيَّم بالنتائج المترتبة عنه، فالحرب على العراق شُنت باسم الإنجيل والحرية فكانت نتيجتها أكثر من مليوني قتيل. وأحداث 11 سبتمبر شُنت باسم القرآن والجهاد لكن خسارتها لم تتعد ثلاثة ألف قتيل. إذن فلنتفق على مسلمة تاريخية، وهي أن كل دين يحمل خطاب العنف والمحبة وتلك ضرورة حركية داخل النص الديني، لكن لنقر أن المشكلة ليست في الدين بل في علماء الدين.    

 ثانيا: الجوار قبل الحوار.

     يمكن من خلال ما سبق، أن نؤسس لفلسفة الجوار بين الغرب والعالم الإسلامي، فالجوار يقتضي حرمة الجار وضرورة احترامه وإكرامه، والجوار لا يرتبط بوحدة الدين والعرق بل الجوار يفرضه المكان والزمان.

    إن فلسفة الجوار تسبق فلسفة الحوار، ذلك أن الحوار دون جوار لا معنى له على الإطلاق، والثابت عمليا أن حسن الجوار هو الذي يؤدي إلى التواصل والتعارف والتآلف، فالجار إذا وثق بجاره أتمنه على داره وأهله حتى ولو خالفه الدين، وقد لا يثق في جاره الذي يربطه به الدين والعرق.

   إن التجاور بين الغرب المسيحي والعالم الإسلامي ضرورة تاريخية لأنه سيؤسس للتحاور، لكون العالم لم يعد يعيش حالة التقوقع، فالقرية العالمية أصبحت في تطور مذهل، وقد يأتي اليوم الذي يصبح العالم بيتا واحدا.

    

ثاثا: المراهنة على الأنتلجنسيا:

         إن فلسفة الجوار تؤسس لفلسفة الحوار بالضرورة، لكن التّجاور والتّحاور لا تصنعه الدّهماء والسّاسة بل تصنعه الأنتلجنسيا. إن المثقف وحده هو الذي يستطيع أن يدرك التّحولات ويفهم المتطلبات التي يفرضها الواقع الحي، وبالتالي يمكنه التنظير لما ينبغي أن يكون عليه مستقبل العلاقة بين الأطراف.

     المثقف الحقيقي هو من يحمل حرقة النزعة الإنسانية، ويستطيع أن يصنع بفكره أرضية التقارب بين الحضارات والدّيانات السماوية، وليس بمثقف من يؤسس للصدام والصراع. ويمكن فهم وظيفة المثقف والمفكر الحر من خلال التفاعل مع الثلاثية التالية:

1-الانتقال من حوار السّيوف إلى حوار الحروف: والقصد تأسيس سلطة الحرف والعقل وشجب سلطة السياسي ورجل الدين.

2 – الخروج من حرب الإعلام إلى بحر الأقلام: والقصد تأسيس للفكر الحر الإنساني لا الفكر التجاري والاستهلاكي الدعائي.

3-النفور من تعصب العوام إلى سماحة العلماء: والقصد تأسيس فكر النّخبة لا الإنجرار نحو عقيدة الكتل اللحمية المتحركة.

رابعا : الإسلام والمسلمون في الغرب : البقاء والانتماء

     تعكس المعطيات السالفة حتما واقع المسلمين في الغرب، فمعوقات الحوار تقضي على متطلبات الجوار، فالكل يقف من الأخر موقفا سلبيا وعدائيا أحيانا كثيرة، وفي هذا المضمار لا نحمل الغرب وحده مرارة الواقع ومآسي أجيال ما بعد الهجرة، فالمسلمون يتحملون جزءا كبيرا.

      يُنظر لواقع الإسلام والمسلمين في الغرب نظرتين مختلفتين، فواقع الإسلام يشبه واقع الغريب في بلازما ثقافية لا تتماشى وخصوصياته كدين اجتماعي يقوم على التجربة الجماعية، وكدين قائم على الشمولية التي تفرضها النّصوص والأصول العامة للتشريع، وبالتالي فالإسلام من حيث بنيته العقدية والتشريعية لا يمكن أن يتحول إلى ظاهرة فردية مستقلة عن العالم الخارجي كما هو الحال في الدّيانة المسيحية. وغرابة الإسلام أمر طبيعي في جغرافية غربية مسيحية، وفي ثقافة مشحونة بالصدام التاريخي. غير أن الإسلام يتقاطع كدين سماوي في كثير من السلوكيات اليومية في الغرب، وخاصة المتعلقة بالأخلاق التعاملية وقيم العمل، ومن حيث جودة الحياة وكرامة الإنسان، ونحن من هذا المقام نطرح السؤال: هل الإسلام هو الذي يخيف الغرب كمنظومة معرفية وسلوكية أم المسلمين كمواطنين؟؟

    أعتقد أن الإسلام كدين لا يخيف الغرب بالقدر الذي يثيره الإعلام ذاته، فالغرب لا يمكن أن يتخلى عن علمانيته وحداثته، فانطولوجيا الذات الغربية حددت معالمها منذ عصر التنوير كذات تعشق التجربة الفردية إلى حدود اعتبار أن الذات فوق كل اعتبار ما عدا الدولة (الإله الفاني). إذن فمشكلة الغرب مع مسلمي الغرب بالخصوص لا مع الإسلام، وتلك المشكلة ما كانت لتظهر لو اندمج المسلمون اندماجا اجتماعيا في المجتمع الغربي.      

   إن واقع المسلمين داخل الغرب من حيث العموم أفضل حالا من واقع المسلمين في بلدانهم، ويظهر ذلك حتى في أحلك الظروف، فهم يختارون المواطنة الغربية بغض النظر عن الضريبة التي يدفعونها، والتي غالبا ما تكون على حساب الهُوية.

  إن المسلم في الغرب سَخر مفاهيم الغرب الإنسانية من أجل التواجد والتواطن، كمفهوم الحرية وحقوق الإنسان، ولكن بالرغم من ذلك الغرب ليس كله إنساني، فالغرب من حيث التعامل الاجتماعي والثقافي يُقيم حواجز نفسية بينه وبين المسلمين.

      إن تنامي ظاهرة العنصرية في الألفية الثالثة من قبل الأحزاب اليمينية له ما يبرره من حيث مستقبل الغرب، فالغرب يشهد تناقصا كبيرا في نسبة الولادات، مما يعني أن الغرب يتجه صوب مرحلة الشيخوخة الحضارية كما تنبأ بذلك أزفولد شبنغلر في كتابه (أفول الغرب) سنة 1924. وهذا يعني أن التركيبة الاجتماعية في الغرب ستنقلب رأسا على عقب، مما يجعل المسلمون القوة المستقبلية التي يمكن أن تستلم السلطة وفق اللعبة الديمقراطية.  وهذه المخاوف هي التي جعلت الفيلسوف جاك رونسيار يدعو إلى إعادة تشكيل مفهوم الديمقراطية حتى لا تتحول إلى أداة ضد الغرب في معقله. والأمر نفسه نستنتجه من خلال كتاب دو بلسيس الذي يقر أن الغرب عملياً في حالة حرب:"حرب بدون إعلان رسمي"، وبالرغم من ذلك فهي: " لكنها حرب حقيقية"، يراها من خلال ما يحدث في المطارات والموانئ والمنشآت الكبرى، يصفها ب" حالة طوارئ". إن ما يحدث في الغرب اليوم يفرض على المؤسسات السياسية منطق الدفاع: "إن الغرب يُحضر للدفاع عن أرضه". والكاتب يشير أن الخطر لا يأتي من الخارج بل من المهاجرين الذين يستغلون القانون الغربي ومؤسساته الإنسانية لضرب الغرب في عقر داره.[3]

      إن عدم اندماج المسلمين وتشكيلهم لتكتلات منظمة تزداد قوة، دفعهم إلى الشعور بالتّميز والقوة، ودفع بعضهم إلى الصدع بهويتهم جهرا شكلا ومضمونا، ثم المطالبة بحق ممارسة الخصوصيات الثقافية، بل تجرأ بعضهم على محاكمة المؤسسات الغربية، والدعوة إلى أسلمة أوروبا.

      إن الصراع سينفجر في أي لحظة، فالهوية الغربية لا تسمح بالهويات الموازية. لقد بدأت بوادر الصراع في تكتل الأحزاب اليمنية الغربية في جبهة موحدة شعارها:" لا لأسلمة الغرب."  ولذاك ساق الحزب اليميني مدينة مرسيليا كمثال على عوربة أو أسلمة فرنسا، فعندما تجوب أزقتها تعتقد للوهلة الأولى أنك تعيش في إحدى المدن الساحلية بالمغرب أو الجزائر، لقد نقل المسلمون للغرب العادات والتقاليد، وحوّلوا الشوارع التجارية إلى واجهات عربية وشرقية، في المقابل أن بناء كنيسة ببلد إسلامي يثير زوبعة إعلامية لا تنتهي.   

   إن الرغبة في الهجرة من البلدان الإسلامية إلى البلدان الغربية يكشف أن المواطن بالرغم كرهه لأنظمة الغرب إلا أنه يرغب في العيش تحت رايتها، لكونها تكسبه بعض متطلبات جودة الحياة التي لا يمكن أن يحصل عليها في موطنه الأصلي.

  ومن خلال ما سبق فالهجرة ونسبة الولادة تهدد الغرب في مستقبله ومصيره، وسينعكس ذلك الشعور على مستقبل المسلمين في الغرب بعد عقدين على الأكثر، ولن يكون الحال كما هو عليه اليوم.

     وأخيرا، تظل العلاقة بين الغرب المسيحي والإسلام علاقة متوترة، لكن يمكن في لحظة وعي متبادل، مع وقفة تعالي إنساني أن تشهد العلاقة تقاربا مثمرا يذيب كثيرا من نقاط الخلاف التي تشكل العائق الأكبر لأي تجاور حضاري ممكن.

     نظرتان مختلفتان تؤطر العلاقة بين الإسلام والغرب، نظرة تحاول عدم الفصل بينهما، نستشفها من خلال مقولة د. حسن حنفي:" للعرب والغرب مستقبل واحد. والإسلام وأوروبا شقيقان، وجهان لعملة واحدة، جسدان لروح واحدة، ضفتان لثقافة واحدة. ومن ثم يكون الربط بين الإسلام وأوروبا ليس (بواو) العطف، ولا بحرف الجر: الإسلام ((في)) أوروبا، بل في التماهي المطلق، دون عطف أو جر."[4]  أما النظرة الثانية فهي التي نحاول عرضها من خلال تحليل اللحظات الحرجة في تاريخ الطرفين:" إن مستقبل العلاقة بين الغرب والإسلام لا يمكن أن تستقيم إلا من خلال رفع المعوقات عن طريق معرفة الغرب للشرق من دون استشراق، ومعرفة الشرق للغرب دون استغراب. ولعل ظاهرة التنافر لا تنحل إلا من خلال التسلح بالنزعة الإنسانية المفتوحة، التي أطلقها محي الدين ابن عربي في ترجمان الأشواق."[5]    

 



* - أستاذ التعليم العال، ومدير مخبر الأبعاد القيمية بقسم الفلسفة جامعة وهران / الجزائر.

[1] - نقلا : إمام ، عبدالفتاح، كير كارد رائد الوجودية، ص 25.

[2] - نقلا: بوخينسكي، تاريخ الفلسفة المعاصرة في أوربا، ص 218.

[3] - لوران أرتور دو بلسيس، الإسلام والغرب.. الحرب الشاملة، دار جون - سيريل غودفروا، باريس، ط 1، 2004، ص 26.

[4] - حنفي حسن وآخرون، الإسلام الأوربي، مركز المسبار للدراسات والبحوث، الإمارات العربية المتحدة، الكتاب السادس عشر، أبريل 2008، ص 304.  

[5] - بوعرفة عبد القادر وآخرون ، المرجع نفسه ، ص 209.