إن ازدهار الثقافة اليونانية والرومانية القديمة، وعصر النهضة قام في كثير من النواحي على الصور والطقوس الدينية والأسطورية.

في مرحلة غلبة النظام الاجتماعي الثقافي الحسي تضعف العلاقة المتبادلة بين الثقافة والدين، وخاصة في القرن العشرين. وهذا أصبح أحد عوامل الأزمة الثقافية، التي اكتشف جذورها بيتيريم سوروكين. لقد تم إضعاف التنوع الثقافي، وبدأت حرب المكافحة الشاملة للثقافة، التي ركزت على عدم الانسجام في الطبيعة والمجتمع، وسلب الشخصية والإحباط. أثناء انتقال الإرث الثقافي من جيل إلى آخر كان يضيع القسم الأكبر منه، وتم استبدال حوار الثقافات القومية، الذي كان يُغني الثقافتين المتحاورتين، بإملاء نقيض الثقافة العالمية والمعادي للإنسانية والتجاري.

إن هذه النزعات الخطيرة توَلِّد رد فعل من جانب المثقفين والمتدينين، والذي تدعمه اليونسكو، ورعايتها للإرث الثقافي العالمي. وتم دعم رد الفعل هذا من قِبل القسم الأكبر من الجيل الشاب. في فترة تكون الحضارة العالمية المتكاملة يجب توقع انبعاث ثقافة عالية مع الحفاظ على التنوع الثقافي والإثراء المتبادل. هذا ما يدعو إليه إعلان اليونسكو العام المُعتَمَد في عام 2004م حول التنوع الثقافي.

في هذه الحركة من المهم تفعيل تعاليم الدين التي تدعم التنوع الثقافي والحوار بين الثقافات. في هذا الاتجاه تم فعل الكثير من قِبل ممثلي مختلف الرسالات، ولكن ما زال علينا فعل الكثير.

دور الأديان في جعل الأخلاق ذات طابع إنساني

تلعب الأديان دوراً متناقضاً خلال عملية إحياء الأخلاق الإنسانية في الحقل المعلوماتي العالمي، الجوهر الملائم للنظام الاجتماعي والثقافي المتكامل.

من جهة، همهم الأكبر ووصيتهم الرئيسية، المشتركة بين جميع الأديان العالمية، ـ محبة القريب، الانسجام مع الطبيعة، العدالة. ويجدر تذكر، أن الأديان العالمية الرئيسية ـ البوذية، والمسيحية، والإسلام ـ ظهروا كحركة جماعية في عصر المجتمع القديم وبدايات العصور الوسطى، وهي تعبر عن المطالب الرئيسية للأخلاقيات الشعبية، التي تكونت عبر آلاف السنين وساعدت على توحيد الأسر، والمجتمعات، والشعوب. وفي الظروف المعاصرة يدعو قادة الرسالات العالمية إلى إحياء الطابع الإنساني، والمحافظة على استقرار الأسرة، ومحبة القريب، ومواجهة الظلم والشر. لهذا السبب بالتحديد  تمتلك الأديان دعماً شعبياً وتُعَدُّ إحدى القوى المحركة للطابع الإنساني  للعصر، وتكوين النظام الاجتماعي والثقافي المتكامل، والذي أحد أهم مسلماته ـ الإيثار ومحبة الغير، التي سمى تعاليمها بيتيريم سوروكين.

من جهة أخرى، فإن المعارضة بين الأديان، والتي تحولت في كثير من الحالات إلى مجابهة، وتعصب ومعاداة لأبناء الديانات الأخرى، ودعم مجموعة من المعايير غير الإنسانية، التي تحد من حقوق ممثلي الرسالات الأخرى، تحمل طابعاً لا إنسانياً وتعيق انتشار الطابع الإنساني.ولا ينحصر العداء على حملة الأديان الأخرى، بل يمتد إلى مختلف التيارات داخل الدين الواحد ـ مثل، العداء بين الشيعة والسنة والوهابيين في داخل الإسلام (أمثلة الصراعات الدامية في إيران)، وبين الكاثوليك والبروتستانت داخل المسيحية (أمثلة الصدامات الدامية في أيرلندا الشمالية).

والمظهر القبيح للتطرف الأقصى لهذا العداء صار دعم المتطرفين الدينيين الاستشهاديين ـ عندما ينتحر الرجال والنساء الراشدون عن وعي في سبيل قتل العشرات من الأبرياء من الأديان الأخرى، كما وتظهر مختلف الطوائف المتعصبة، من قبيل (أوم سيتريكي)، التي نظمت قتل العشرات من أبناء عشيرتهم في مترو الأنفاق في طوكيو.

إن المهمة الأكثر أهمية،والمسؤولية العالمية لقادة جميع الأديان العالمية والأديان غير التقليدية ـ هي توحيد جهودهم لتشكيل قانون موحد للأخلاق (حتى وإن كان في مراسم مختلفة)، موجهاً نحو المساهمة في نشر الأخلاق الإنسانية في المحيط المعلوماتي على سطح كوكبنا وسط جميع الحضارات. يمكن لهذه المهمة أن تصبح مادة للمناقشات في مؤتمر قممي عالمي لممثلي جميع الأديان والتعاليم الدينية المعترف بها رسمياً، والذي سيُدعى إليه بمبادرة من اليونسكو وبرعايتها. ويمكن إعداد مشروع هذا القانون من قِبل فريق تعاوني، يوحد رجال الدين، والعلماء ورجالات الثقافة من جميع الحضارات وبمشاركة الحائزين على جائزة نوبل للسلام.

من المواجهة والعداء إلى الحوار والشراكة بين الأديان

يمكن للتنمية والاستحسان والنشر، وبدعم من جميع الرسالات، للمدونة العالمية للأخلاقيات أن تصبح بداية لنقطة تحول تاريخية من المواجهة والصراع بين التيارات الدينية إلى الحوار المثمر، والتعاون والشراكة كرد على تحديات القرن الواحد والعشرين لمصلحة جميع شعوب الأرض، بغض النظر عن معتقداتهم.

الشرط الرئيسي لشراكة من هذا النوع، إلى جانب العناية بنشر ودعم الأخلاقيات الإنسانية في المحيط المعلوماتي، هو الكفاح النشط ضد الإدمان على الكحول، والإدمان على المخدرات، والفجور، والإباحية، والتعطش النهم للربح، والعسكرة، المسببة جميعها تآكل المجتمع المعاصر، وخاصة الجيل الشاب.وسيسمح ذلك بتحويل الأديان إلى عامل هام لبناء وانتشار الأخلاقيات الإنسانية في المحيط المعلوماتي بين جميع الشعوب والحضارات، وأسس النظام الاجتماعي الثقافي المتكامل، الذي كُتِبَ على رايته، وفقاً لبيتيريم سوروكين «وحدة الحقيقة والخير والجمال». وهذا سيصبح اتجاهاً هاماً في الحوار بين حضارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بدءاً من 11 تشرين الثاني 2004م، وهو «إزالة التهديدات من أمام القيم الموحدة، التهديدات الموجهة ضد الإنسان وضد منجزات المجتمع البشري في مختلف المجالات، وزيادة فهم المعايير الأخلاقية العامة والقيم الإنسانية العالمية».

 

منسق الجهود العالمية في هذا الاتجاه يجب أن يصبح، وفق قناعتي، منظمة الأمم المتحدة في العِلم، والتعليم والثقافة ـ اليونسكو. ويجب توسيع صلاحياتها ومجال مسؤولياتها، ليشمل مجال الأخلاقيات وتطوير الحوار بين الرسالات. وربما، من المفيد أن يتم تحت رعاية اليونسكو إنشاء المجلس العالمي لممثلي جميع الأديان، وعقد مؤتمراتهم بصورة دورية لتوحيد جهودهم في الصراع ضد تحديات القرن الجديد، وصياغة وثائق مشتركة، تساهم في تطوير التعاون والشراكة في دعم وتقوية مؤسسات الزواج والأسرة، وتشكيل ونشر أسس النظام الاجتماعي الثقافي المتكامل فوق سطح كوكبنا، ومعايير الأخلاقيات الإنسانية في المجال المعلوماتي. فهذا سيصبح ابتكاراً عصرياً في المجال الروحي للبشرية. وهذا هو واجب الأجيال التي تعيش في يومنا هذا أمام الأجيال الماضية والأجيال القادمة من أبناء الأرض.

الحواشي:

1- ي.ف.ياكوفيتس، ب.ن.كوزيك. الرد على تحديات القرن الواحد والعشرين: تشكل الحضارة المتكاملة. موسكو: معهد الإستراتيجيات الاقتصادية، 2009م.

2-  بيتيريم سوروكين. النزعات الرئيسية في زمننا. موسكو: مجلة (ناووكا ـ العِلم) 1997م.

3- ب.ن.كوزيك، ي.ف.ياكوفيتس. تشكل النظام الاقتصادي المتكامل ـ التحول الشامل في القرن الواحد والعشرين. موسكو: معهد الإستراتيجيات الاقتصادية، 2008م

 

يوري ياكوفيتس