للمسيحيين العرب تاريخ عريق في العالم العربي لا يمكن اختزاله، ودور هام جدّا في تطويره وتقدّمه لا يستطيع أحد إنكاره أو التقليل من أهميّته . إنهم من السكّان الأصليين لبلادنا العربية منذ ما قبل الإسلام، ويشكّلون جزءا مهما من نسيجنا الإجتماعي ولحمتنا القومية العربية . لقد شاركونا كجيران، وأصدقاء، وأبناء وطن واحد  آلامنا وأحلامنا وعاداتنا وتقاليدنا، وفي بناء أوطاننا والتضحية من أجلها.

لقد عاشوا مع المسلمين منذ القرن الأوّل الهجري، وكانت علاقات الطرفين الإجتماعية والتجارية جيّدة، ومارسوا عباداتهم بحرّية على الرغم من وجود الإختلاف الديني وبعض المضايضات من جانب المتعصّبين، ومن بعض الحكام المسلمين، وكانوالأكثر تعليما وثقافة ومعرفة بالغرب المسيحي وانفتاحا على الحضارة العالميّة، وشغل بعضهم مراكز جيّدة في الدولة والمجتمع.

قام المسيحيّون في الوطن العربي، وخاصّة في فلسطين ومصر ولبنان وسورية والعراق بدورهام في تطوير حياة دولهم الإقتصاديّة والسياسيّة والفكريّة. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، كانت بيروت والقاهرة ودمشق والقدس وحلب مراكز إشعاع حضاري وفكري . وقد ساهم مسيحيوها مساهمة هامّة جدا في تأسيس مدارس ممتازة كمداس الراهبات والفرير والوردية وفكتوريا .. ، وكانوا روّادا في التدريس وإدارة العدد الكبير من المدارس التي بنتها الكنائس والإرساليات، والتي وفّرت تعليما إبتدائيا وثانويا مميّزا استفادت منه أعداد كبيرة من الطلاب المسيحيين والمسلمين. كذلك قاموا بدور محوري في ازدهار التعليم العالي بتأسيسهم جامعات عريقة كجامعة القديس يوسف في لبنان، والجامعة الأمريكية في بيروت والقاهرة، وجامعة الحكمة في بغداد، وجامعة بير زيت في فلسطين.

وكانوا سبّاقين في تأسيس المطابع والصحافة، وفي تجديد أدبي ولغوي مميّز، وتكوين  حركات سياسية نشطة كانت الأساس في انبعاث حركة التنوير العربية، والحفاظ على العروبة والقومية العربية، وفي قيادة اليسار العربي، ونضال أمّتنا ضد الاستعمار والتخلّف، وحمل لواء تحرير المرأة وتعليمها ومشاركتها في المجتمع.

وكانوا وما زالوا يشكّلون جزءا هامّا من الطبقة العربية المتعلمة والمثقفةّ وقدّموا لأمتنا عددا كبيرا من الرواد والمبدعين من أمثال  فارس الخوري، جبران خليل جبران، بطرس البستاني، مكرم عبيد، نجيب الريحاني، أنطون سعادة، قسطنطين زريق، إلياس أنطون إلياس، ميشيل عفلق، جورج حبش، إدوارد سعيد، مجدي يعقوب.. الذين كان لهم دور محوري في نضال أمتنا السياسي، وفضل لا ينكر في تطوير العلوم  والآداب والفنون والثقافة المستنيرة  في وطننا العربي وفي دول المهجر.

 في بداية القرن العشرين وصل عددهم إلى أكثر من 20 % من عدد سكان الوطن العربي، وحوالي 25 % في سورية والعراق، وأكثر من 20 % في فلسطين،وخلال تلك الفترة  هاجرعرب مسلمون ومسيحيون كثيرون بناء على رغبتهم إلى دول أمريكا اللاتينية، والولايات المتحدة بحثا عن فرص عمل تمكّنهم من تطوير أحوالهم المعيشية. لقد كانت هجرتهم في ذلك الوقت اختيارية ولم تكن نتيجة اضطهاد ديني أو اجتماعي أو سياسي.

للأسف الشديد الهجرة المسيحية من الوطن العربي كانت وما زالت في ازدياد مستمر لأسباب متعدّدة من أهمها فشلنا في إقامة دول قانون ديموقراطية تضمن حرّية الاعتقاد، وتحترم الاختلاف الديني والفكري بين مكونات المجتمع، وتعزّز مفهوم المواطنة المتساوية كحقّ للجميع، وتطبّق العدالة الإجتماعية، وتحارب التطرّف الديني أيا كان مصدره، واحتلال فلسطين عام 1948 ، والحرب الأهلية اللبنانية، والحروب التي اندلعت في العراق وسورية والحقت ضررا بالغا بالمواطنين جميعا فقتلت ودمرت وهجّرت وشرّدت ملايين المسلمين والمسيحيين وتركتهم بلا أمل .

لقد حوّل طغاة السياسة وجهلة الدين العالم العربي إلى منطقة مصدّرة للّاجئين، وطاردة للعقول وللوجود المسيحي . ولا يمكن تخيّل وطن المسيحية العربي بلا مسيحيين لآن وجودهم أثراه، وساهم في استقلاله وتعليمه، ومد جسورا من التعاون بينه وبين حضارات العالم . ولهذا فإن هجرة مسيحيّيه تعني حرمانه من مساهمة شريحة مثقّفة من أبنائه في تطويره، وتؤكد فشلنا كشعوب ودول في ترسيخ مفهوم التعاون والتعايش، وإخفاقنا في قبول التنوّع الفكري والديني، وعدم تمكّننا من إقامة دول قانون ديموقراطية حديثة قادرة على حمايتنا والمساواة بيننا .

د. كاظم ناصر

كاتب فلسطيني

صحيفة "رأي اليوم" في JULY 1, 2017