بدايةً، لا يمكن أن نفهم الحقيقة كأفق لسلسلة غير معرّفة من البحوث،ولا كغزو وامتلاك فكري للكينونة. هي بالأحرى كنز مشعّث في الحياة الإنسانية،غير مجزّأ بين العقائد وسابق لكل فلسفة.لا يشعر الفكر بأنه ملزم بأن يدفع بعيداً بالمحاولات القديمة،ولا حتى بالاختيار ما بينها، ولا بتجاوزها مشكلاً منها فكرة جديدة شاملة،بل يقدم نفسه كتعليق وتوفيق،صدىً ومصالحة.وفي حين أن القديم والجديد، والعقائد المتعارضة تقيم سدوداً فيما بينها، “لا يرى القارئ الجَسور هنا ما هو مكتسب وما عفا عليه الزمن، بل يشعر بنفسه في عالم سحري لا نهاية له،حيث تصمد الأفكار الميتة،وحيث تتلاقى وتمتزج أكثر الأفكار تصادماً أو ما نظنه كذلك للوهلة الأولى.

يجدر بنا بالطبع أن نعترف بجهلنا على هذا الصعيد: فإذا كنا نرى في الفكر الغربي تفوقاً لا تجاريه الهند والصين،وأنه يعطينا انطباعاً باسترجاع وبإعادة تأويل غير محدودة،بخيانة دائمة،بتغيير لاإرادي لا يمكن القبض عليه،فهذا الشعور نفسه،بما يخص الشرق موجود بقوة عند العارفين. يقول ماسون-اورسل عن الهند:«نتحدث هنا عن عالم فسيح متشعب وغير موحّد،حيث لا يظهر أي جديد بمعنى كلّي،ولا ينتهي شيء مما اعتقدناه متَجاوزاً. سديم من مجموعات انسانية،أدغال شائكة من أديان متنافرة،ووفرة عقائد.» وقد كتب مفكر صيني:« نجد في بعض الكتابات الفلسفية لمنسيوس او لشوانغ تسو على سبيل المثال،منطقاً وبراهين متسقة،لكنها لا ترقى لمستوى صياغة الكتابات الفلسفية الغربية. وذلك لأن فلاسفة الصين اعتادوا على التعبير عن أفكارهم بطريقة  الأمثال والأقوال المأثورة  والإشارات…إن أقوال وكتابات الفلاسفة الصينيين هي غير متسقة لدرجة تحمل ما لا يمكن أن يحدّ من الإيحاء…فالعبارات القصيرة لسجل المراسم لكونفوشيوس و لفلسفة لاوتسو ليست مجرد نتائج دون مقدمات،إذ أننا قادرون على جمع كل الافكار الواردة عند لاوتسو واعادة كتابتها في مؤلف من خمسة آلاف أو حتى من خمسمئة ألف كلمة،وهذا سيقدم بالتأكيد كتاباً جديداً يساعد على فهم أفكار الفيلسوف حين نقارنها بالكتاب الأصلي،لكنه لن يقوم مقامه البتّة. إن كو-سيانغ يعتبر من أهم الشارحين لتشوانغ تسو،بل إن تفاسيره تشكل بحد ذاتها كتاباً كلاسيكياً ينتمي للأدب التاوي،فهو قد أعاد نسخ المجاز والإشارات عند تشوانغ تسو بطريقة منطقية وبرهانية…لكن ان قارنّا بين الأسلوب الإيحائي للفيلسوف والأسلوب البرهاني المتسق للشارح يحق لنا أن نتساءل عمن هو الأفضل. وفي هذا السياق يقول أحد رهبان المدرسة البوذية اللاحقة “زن” :« يقول الجميع بأن كو سيانغ كتب تعليقاً حول تشوانغ سو، وأنا أرى بأن الثاني قد قدّم تفسيراً للأوّل.»

لقد بقيت بالتأكيد المواضيع المسيحية في الفلسفة الغربية خلال القرون العشرين الفائتة،وقد يلزمناالنظر من داخل الحضارة كي نبصر حركة التاريخ خلف مظاهر الركود. لكن رغم ذلك تصعب كثيراً مقارنة المدة الزمنية للمسيحية في الغرب وللكونفوشية في الصين. فالمسيحية الباقية بيننا ليست فلسفة وإنما سرد وتأمل في تجربة،في مجموعة أحداث ملغزة تستدعي عملاً تأويلياً وتطويرياً،وتحث دائماً على إبداع فلسفات جديدة. المواضيع المسيحية خميرة لا أثر باقٍ.لا شيء هنا يستدعي المقارنة مع وفرة المصطلحات في التقليد الكونفوشي،مع التوليفة الكبيرة للمواضيع الطاوية الجديدة التي تعود للقرن الثالث والرابع بعد الميلاد،مع المحاولات المذهلة والمجنونة في الإحصاء الكلي وفي المصالحة التي كرست نفسها لها أجيال من أدباء الصين،ومع الاورثوذوكسية الفلسفية التي ستستمر منذ تشو-هي(١١٣٠-١٢٠٠) حتى عام ١٩٠٥ تقديراً. وإن دخلنا في مضمون العقائد – كما يتوجب علينا حيث ان الاشكال الخارجية للفلسفة الصينية تهتم بعلاقة الإنسان مع العالم- لا نجد أية عقيدة أخرى درست وعلّمت التناغم العميق بين العالمين الأصغر والأكبر،وحددت مكاناً واسماً لكل شيء ولكل كائن،وجعلت “التصحيح” من كبريات الفضائل.

لدينا شعور بأن وقع كلمة “يعرف” او “يفهم” عند فلاسفة الصين مختلف عنه لدى الغربيين،فهم لا يفترضون المعنى هنا كتكوين فكري للموضوع،ولا يسعون للقبض عليه بل لاستحضاره في كماله الأوّلي فحسب. لذلك هم يستخدمون الإيحاء،ولذلك لا نقدر أن نميز عندهم بين التفسير والمفسَّر،بين المغلَّف والمغلِّف،وبين الدال والمدلول. ولهذا السبب يشير المفهوم والقول المأثور عندهم كلاهما الى الآخر.

كيف نقدر في هذه الحالة وفي تلك الأزمنة المبعثرة على اكتشاف صورة أو سيرورة أو تاريخ؟ كيف نحدد اسهامات كل فيلسوف على حدة عندما يكونون جميعاً في حالة دوار منجذب إلى عالم واحد سحيق لا يتوقون للتفكير به بل لجعله حاضراً؟ إن علاقة الفيلسوف الصيني بالعالم قائمة على الدهشة،وهذا لا يتم الوصول اليه من منتصف الطريق فإما أن نتعلمه بواسطة التاريخ والتقاليد والحضارة- مع ما يمثل ذلك من بنية فوقية غير قادرة على ايفاء هذه المعجزة التاريخية حقها،وإما أن نكف عن محاولة الفهم.

مثل جميع المنجزات والمؤسسات الإنسانية تملك الهند والصين رصيداً عظيماً ينتظر منا تمييز معناه الصحيح ولا يقدمه لنا جاهزاً. هما لا تقبضان كلياً على ما تقولانه،وما ينقصهما لإنتاج فلسفات هو التوق لامتلاك الذات وكل الباقي…

هذه الملاحظات العادية جداً في أيامنا لا تحسم المسألة. لقد أتتنا من هيجل الذي اخترع فكرة تجاوز الشرق من خلال” فهمه”. وهو الذي وضع كمقابل للشرق فكرة الحقيقة الغربية وفكرة المفهوم كاستعادة كلية للعالم في تنوعه.وهو من عرّف الشرق كفشل في المحاولة ذاتها. ويجدر بنا تذكر العبارات الاتهامية قبل أن نقرر ما اذا كنا نأخذها على عاتقنا.

بالنسبة لهيغل يشكل فكر الشرق فلسفة بمعنى أن الروح تتعلم فيها الانعتاق من الظواهر والغرور. هي كالأهرامات،ليست سوى فلسفة في ذاتها،أي أن الفيلسوف يقرأ فيها إيذاناً بالروح التي لا تكون هنا في حالة الوعي المحض. فالروح ليست روحاً طالما هي منفصلة ومتوضعة فوق المظاهر: إن نظير هذا الفكر المجرد هو توسع الظواهر غير المسيطر عليها.لدينا إذاً من جهة،حدس “لا يرى شيئاً”،فكر “لا يفكر بشيء”،الواحد غير المتجسد،الجوهر الأزلي الهادئ الفسيح،تأمل لا شبيه له،الاسم الصوفي للإله،مقطع “أوم” المتمتم لانهائياً،وهذا يعني اللاوعي والفراغ. ولدينا من ناحية أخرى، كتلة من التفاصيل العبثية،الاحتفالات الغريبة،المخزون الأبدي،التعداد اللامحدود، تقنية تحتال بالجسد،بالتنفس وبالحواس التي ننتظر منها أي شيء،تأليه أفكار الآخرين،قوة الفيل شجاعة الأسد وسرعة الريح. عند الدراويش والساخرين في اليونان وعند الرهبان والمتسولين في المسيحية نجد “تجريداً عميقاً للظواهر الخارجية”،محفزاً ورائياً ورائعاً،لكننا لا نجد بتاتاً وساطة أو عبوراً من الداخل للخارج ثم عودة منه الى الذات. تجهل الهند ” اشعاع المفهوم في المحدد” ولهذا ينتهي هذا الاستشعار في” الصبيانية”.

أما الصين، فلديها تاريخ ؛ هي تميز البربرية من الثقافة  وتنمو بشكل مطرد من الاولى للثانية، لكنها “ثقافة تتوقف في داخل المبدأ” ولا تتطور الى  أبعد من ذلك. على مستوى آخر مختلف عن الحالة الهندية،تثبت الصين المواجهة المباشرة والساحقة بين الداخل والخارج،ونراها بحكمتها الركيكة تسعى لكشف سر العالم في قشرة السلحفاة،ولممارسة حق شكلاني خالٍ من النقد الأخلاقي.”لن يأتي ببال الأوروبي أبداً أن يضع الأشياء المحسوسة بقرب شديد من التجريد”. تنزلق الفكرة بلا فائدة من المجرد للملموس وخلال هذا الوقت لا تكون، لاتنضج. (يتبع)

 

حكمة: ٢-٦- ٢٠١٧