ومن الناحية العلمية هو علم ثقافي قائم بذاته يختص بقطاع معين من الثقافة (الثقافة التقليدية أو الشعبية) ويلقي الضوء عليها من زوايا تاريخية وجغرافية واجتماعية ونفسية- التراث الشعبي عادات الناس وتقاليدهم وما يعبرون عنه من آراء وأفكار ومشاعر يتناقلونها جيلاً عن جيل- ويتكون الجزء الأكبر من التراث الشعبي من الحكايات الشعبية مثل الأشعار والقصائد المتغنّى بها وقصص الجن الشعبية والقصص البطولية والأساطير. ويشتمل التراث الشعبي أيضًا على الفنون والحرف وأنواع الرقص، واللعب، واللهو، والأغاني أو الحكايات الشعرية للأطفال، والأمثال السائرة، والألغاز والأحاجي، والمفاهيم الخرافية والاحتفالات والأعياد الدينية.([1])

اما محمد عمارة فيعتبر ان "التراث: هو الإرث والموروث وما تخلفه الأجيال السابقة لمن يليهم ويلحق بهم.. والمراد بالتراث- في مقامنا هذا – هو الموروث الديني والفكري والعملي والثقافي والحضاري، الذي يمثل مخزون ذاكرة الأمة الإسلامية عبر تاريخها الحضاري، ومصدر هويتها المميزة لها عن غيرها من الأمم والحضارات، سواء منه ذلك الذي أبدعته أمتنا في ظلال الإسلام، أم ذلك الذي ورثه المسلمون عن الحضارات السابقة، والذي استوعبه المسلمون وأحيوه وطوعوه واستلهموه وطوروه، فغدا جزءاً أصيلاً من تراث المسلمين".([2])

وفي القرآن الكريم: "وتأكلون التراث أكلاً لما – وتحبون المال حباً جما" (الفجر: 19-20). ويقول ايضاً :"فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون- والذين يمسكون بالكتب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين " (الأعراف : 169- 170).

وفي حديث الرسول قوله لأهل عرفة: "اثبتوا على مشاعركم هذه، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم" (رواه النسائي ). وقوله صلى الله عليه وسلم "العلماء ورثة الأنبياء" (رواه الترمذي وابن ماجة والدرامي).

وما يهمنا التركيز عليه في هذا البحث هو التراث الديني الأسلامي لأنه العامل المؤسس للفكر العربي القديم والحديث ولأن قراءة التراث في الفكر المعاصر بينت ان هناك مفاهيم مختلفة بين مفكر وأخر رغم ان الجميع ينهل من نفس الإناء الفكري والديني .

تضاف الى ذلك مسألة هامة ترتبط بالهوية الفكرية للعرب والمسلمين المتهمين اليوم بأنهم غارقين في قديمهم وغافلين عن حاضرهم ومستقبلهم وتائهين ما بين متطلبات الحداثة وما بين الحنين الى التراث كونه برأي اغلبيتهم يمثل صورة ناصعة لحضورهم الأنساني .

وسنحصر بحثنا هذا عن " مشاريع تحديثية معاصرة لقراءة التراث" بأربعة مفكرين هم من اصحاب المشاريع التطويرية للوعي العربي والأسلامي المعاصر هادفين من وراء ذلك توحيد الرؤية عند من توافقوا على نفس المفهوم ،او تبيان مواضع الخلاف عند من تعارضوا في تفسير نفس المفهوم ،لأن التبيان في التوافق او في التعارض من شأنه ان يساهم في السعي الى ايجاد قراءة واضحة للتراث بغية الأنطلاق منها لفهم كل ما استجد على الفكر العربي الأسلامي.

والمفكرون المعنيون في هذا البحث هم محمد عابد الجابري ،ونصر حامد ابو زيد ،ومحمد اركون ،وحسن حنفي ،وقد تعددت آراؤهم واختلفت مناهجهم، فمنهم من درس التراث من منطلق عقلاني، محاولا تغيير نمطية الدراسات الفكرية وإخراج الإرث الثقافي من دائرة الاستهلاك والاجترارية، ويعتبر محمد عابد الجابري من أهم المفكرين الذين نادوا بهـــذه الفكرة، كـــما نادى آخرون بضرورة التخلص من الفكر الاستشراقي وإعادة صياغة الموقف الفكري الـــــراهن انطلاقا من إعادة استيعاب الذات العربية وجعلها المدار الأساس في الدراسة، و قد حــمل محمد أركــون لواء هذه الفكرة، أما نصر حامد أبو زيد وحسن حنفي فـقد حاولا إعادة تأويل الـنص الـديني، والخطاب الديني من منطلق تاريخي، وعلى أسس مختلفة.

محمد عابد الجابري

بالنسبة للجابري صاحب مشروع " نقد العقل العربي " فانه يرى ان هناك ثلاث طرائق رئيسية في التعامل مع التراث العربي الإسلامي. وبالتالي، تتخذ هذه الطرائق ثلاث صور منهجية، وهي: الطريقة التقليدية، والطريقة الاستشراقوية، والطريقة الماركسية .

-          الصورة الأولى هي صورة الطريقة التقليدية التي ترتكز على التعامل التراثي التقليدي مع التراث، كما يظهر ذلك جليا عند العلماء المتخرجين من المعاهد الأصيلة، كجامع القرويين بالمغرب، والأزهر بمصر، والزيتونة بتونس . وتخص هذه الصورة بشكل اساسي السلفي الذي برأي الجابري اخطأ في قراءة التراث لأن " القراءة السلفية للتراث ، قراءة لا تاريخية ، وبالتالي فهي لا يمكن ان تنتج سوى نوع واحد من الفهم للتراث هو : الفهم التراثي للتراث . التراث يحتويها وهي لا تستطيع ان تحتويه لأنها : التراث يكرر نفسه"([3]).

-          أما الصورة الثانية من صور قراءة التراث العربي الإسلامي، فهي الصورة الاستشراقوية، كما يظهر ذلك جليا لدى المستشرقين أو المستعربين الغربيين من جهة، أو الدارسين العرب التابعين لهم من جهة أخرى . وتمتاز هذه الصورة بتكريس النزعة الاستعمارية، ومعاداة العقلية العربية الأسلامية، ويتمظهر هذا واضحا في عدم اعتراف بعض المستشرقين بالفلسفة الإسلامية، والانتقاص من علم الكلام والتصوف الإسلامي؛ لأن العقلية الأسلامية غير قادرة على التجريد، والتركيب، وبناء الأنساق الفلسفية الكبرى وجوداً ومعرفة وأخلاقاً، كما يذهب إلى ذلك المستشرق الألماني رينان هذا من جهة . ومن جهة أخرى، تمسك المستشرقون الغربيون منذ القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بالدفاع عن المركزية الأوروبية، باعتبارها نموذجاً للمعرفة والعلم والحقيقة، وقد انطلق هؤلاء الدارسون من مناهج فيلولوجية أو تاريخية أو ذاتية. ولقد تأثر الليبرالي العربي بالصورة الإستشراقية مما حدا بالجابري الى رفض ايضاً القراءة الليبرالية للتراث بقوله:"ينظر الليبرالي العربي الى التراث العربي الأسلامي من الحاضر الذي يحياه ، حاضر الغرب الأوروبي ، فيقرأ قراءة اوروباوية النزعة ،أي ينظر اليه من منظومة مرجعية اوروبية، ولذلك فهو لا يرى فيه إلا ما يراه الأوروبي ".([4] )وهذا الأمر يشكل رفضاً من الجابري للقراءة الأستشراقية للتراث العربي الأسلامي .

-          أما الصورة الثالثة من صور التعامل مع التراث العربي الإسلامي، فهي الصورة الماركسية التي تعتمد على المادية التاريخية في تعاملها مع التراث، وهي صورة إيديولوجية لمفهوم التراث، وتشتغل بدورها ضمن الرؤية المركزية الأوروبية، ويمثل هذه النظرة على سبيل المثال: حسين مروة، والطيب تزيني، ومحمود إسماعيل عبد الرزاق وغيرهم . فالفكر اليساري العربي تبنى المنهج الجدلي الى حد  وجد نفسه برأي الجابري في حلقات مفرغة "لأن الفكر اليساري العربي المعاصر المنهج لا يتبنى – في تقديرنا – المنهج الجدلي كمنهج ل "التطبيق" بل يتبناه ك " منهج مطبَق"([5] ).

 وهكذا فالتراث العربي الأسلامي "يجب" أن يكون برأي اليسار العربي : " انعكاساً للصراع الطبقي من جهة : وميداناً للصراع بين "المادية " و " المثالية" من جهة أخرى ".([6])

وسبق للمفكر حسين مروة ان برر منهج اليسار العربي بقوله : " ان المنهج المادي التاريخي وحده القادر على كشف تلك العلاقة ورؤية التراث في حركيته التاريخية ، واستيعاب قيمه النسبية ، وتحديد ما لا يزال يحتفظ منها بضرورة بقائه وحضوره في عصرنا كشاهد على اصالة العلاقة الموضوعية بين العناصر التقدمية والديمقراطية من تراثنا الثقافي وبين العناصر التقدمية والديمقراطية من ثقافتنا اليومية في الحاضر".([7])

ولاقى موقف الجابري من نفيه للصراع الطبقي في قراءة التراث رداً من السيد يسين الذي يقول:"حين يقرر الجابري ان المضمون الأيديولوجي للتراث يعتنقه " الناس " بعد غياب اصوله الطبقية ، فهو لم يتوقف ليسأل نفسه : أي ناس ؟ وهؤلاء الناس ألا يمكن تصنيفهم طبقياً؟".([8])

بناء على ما تقدم يقع العقل العربي المعاصر برأي الجابري في ازمة معرفية لأن منطلقات التفكير عند السلفيين واليساريين والليبراليين هي منطلقات مغلوطة ولا بد بالتالي من ان تؤدي الى نتائج مغلوطة مما يعني عدم قدرة العقل العربي على حل الأشكالية الكبرى المتمثلة بالتراث من اجل الأنطلاق نحو مواكبة العصرنة ومتطلباتها .

والمشكلة تكمن حسب الجابري في المنهج الذي اعتمد على القياس ، أي قياس " الغائب على الشاهد" بشكل آلي كمن يبحث عن حلول جاهزة فيفتقد بذلك هذا المنهج الحد الأدنى من الموضوعية ، ويعاني من النظرة التاريخية . والمقصود بالغائب هو المستقبل اما الشاهد فهو الماضي مما يعني عدم دراية بمصير المستقبل وتغييب كامل للحاضر . وبناء على ذلك يرى الجابري انه :

" - لا يجوز قياس الغائب على الشاهد إلا إذا كانا معاً من طبيعة واحدة.

-          لا يجوز قياس الغائب على الشاهد إلا إذا كانا يشتركان – داخل طبيعتهما الواحدة – في شيء واحد بعينه يعتبر بالنسبة الى كل منهما أحد المقومات الأساسية ".([9])

وفي حال عدم تحقق ذلك يكون الحل برأي الجابري احداث قطيعة ايبستمولوجية تامة مع بنية العقل العربي في عصر الأنحطاط وامتداداتها الى الفكر العربي الحديث والمعاصر لأن أندماج الذات مع التراث شيء وأندماج التراث في الذات شيء أخر .

" ان القطيعة التي ندعو اليها ليست القطيعة مع التراث بل القطيعة مع نوع من العلاقة مع التراث ، القطيعة تحولنا من " كائنات تراثية " الى كائنات لها تراث ، أي الى شخصيات يشكل التراث احد مقوماتها ، المقَوم الجامع بينها في شخصية أعم ، هي شخصية الأمة صاحبة التراث".([10])

 وتتمثل القطيعة لدى الجابري في ثلاث نقاط اساسية هي :

أ – ضرورة القطيعة مع الفهم التراثي للتراث عبر نقد العقل لا استخدام العقل بهذه الطريقة او تلك .

ب – فصل المقروء عن القارىء اي فصل الموضوع عن الذات والذات عن الموضوع .

ج – وصل القارىء بالمقروء عبر اختراق حدود اللغة والمنطق والذي لا يتم الا عبر الحدس فهو وحده الذي يجعل الذات القارئة تعانق الذات المقروءة فتعيش معها اشكاليتها ومشاغلها وتحاول ان تطل على استشرافاتها.

وهكذا يتبين أن الجابري يسعى إلى وضع ثوابت متينة لموقف جديد من التراث، موقف مؤسس على نوع من المرونة في التعامل معه عبر وسيلة نقدية فعالة، مع الحرص على إقامة مسافة أو فاصل معقول بين الدارس والمدروس: التراث، لتلافي صفة السلطة والهيمنة التي يملكها هذا الأخير تجاه ذواتنا وبالتالي العمل على "تشيئته" ، كما يقولون، وتجريده مما يتمتع به من القداسة والتأثير.

وينطلق التحليل الذي يمارسه الجابري من النظر الى موضوعاته لا بوصفها مجرد مركبات ، بل بوصفها بنى . وبرأي احمد ماضي : " ان تحليل البنية يختلف عن تحليل المركب ،لأن الأول يعني كشف الغطاء عن العلاقات القائمة بين عناصرها بوصفها منظومة من العلاقات الثابتة في اطار بعض التحولات".([11])

وهذا ما يسميه الجابري ب"التفكيك " لأنه يدعو الى تفكيك العلاقات الثابتة بهدف تحويلها  الى مجرد تحولات،أي تحويل الثابت الى متغير ، والمطلق الى نسبي ، واللاتاريخي الى تاريخي ، واللازمني الى زمني .

ولكن مشكلة الجابري برأي حسن حنفي انه يناقض نفسه حيث يدعو الى التفكيك في وقت يتعامل مع مختلف الحضارات القديمة وكأنها واحدة . فالجابري برأي حنفي يعتبر"(...)إن مشروع التراث والتجديد يهدف الى اعادة بناء العلوم القديمة بعد ان تحولت الى مخزون نفسي ثابت بناء على توهم ان الحضارة الأسلامية هي لحظة واحدة في تاريخها هي اللحظة اليونانية الرومانية ، والفارسية ،والهندية القديمة ، وليست لحظات متجددة في كل مرحلة تجاور فيه الحضارة الأسلامية حضارات أخرى مثل الحضارة الغربية الأن منذ اكثر من مائتي سنة ".([12])

اضافة الى تركيزه على اهمية " التفكيك " يرى محمد عابد الجابري أنه من المستحيل تحقيق نهضة عربية إسلامية معاصرة، بدون أن ننطلق من تراثنا العربي الإسلامي، أو ننتظم داخل تراث غيرنا، بل علينا أن نقرأ تراثنا بأدوات جديدة، وبعقلية معاصرة، تنطلق من تصورات بنيوية داخلية، واستقراء لحيثيات الموروث مرجعيا وتاريخيا، قصد استقراء أبعاده الأيديولوجية لمحاربة التخلف، ومواجهة طغيان الاستعماري،  وتقويض النزعة المركزية الأوروبية فضحا وتعرية وتفكيكا.

وهذا يعني ان قراءة الجابري للتراث قراءة ثلاثية الأبعاد منهجيا : انها قراءة بنيوية تكوينية، تستند إلى ثلاث خطوات منهجية أساسية هي: الطرح البنيوي الداخلي، والطرح التاريخي، والطرح الإيديولوجي.

-          الطرح البنيوي يعني أن المعالجة البنيوية الداخلية تنطلق من النص كألفاظ أولا، ومعان ثانيا، وقضايا وإشكاليات ثالثا. بمعنى أن نتعامل مع النص كمعطى، ولا نهتم بالأحكام الخارجية المسبقة حول التراث، أو الانسياق شعوريا أو لا شعوريا وراء الرغبات الحاضرة، فلا بد من الانطلاق من النصوص فهما وتفسيرا وتأويلا.

-          أما الطرح التاريخي من المنهجية في التعامل مع التراث، فيستند إلى قراءة فكر صاحب النص قراءة تاريخية، تتكئ على استقراء الظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في فهم أطروحاته وتفسيرها .

-          أما الطرح الأيديولوجي فهو البحث عن الوظيفة أو الوظائف الأيديولوجية التي يؤديها الفكر المعني داخل سياقه الدلالي والتاريخي والمرجعي، أو داخل المنظومة المعرفية التي يشتغل فيها صاحب النص. فالكشف عن المضمون الإيديولوجي للنص التراثي هو الوسيلة الوحيدة لجعله معاصرا لنفسه، لإعادة التاريخية إليه.



[1]- ويكيبيديا الموسوعة الحرة – 17/4/2014

[2] - محمد عمارة :مفهوم التراث وتجلياته ، مقال منشور على الموقع الإلكتروني http://www.onislam.net/arabic بتاريخ 19/4/2014

[3]- محمد عابد الجابري – نحن والتراث ص 17

[4] - محمد عابد الجابري : نحن والتراث ، ص 18

[5]- المرجع السابق ، ص 19

[6]- المرجع السابق ، ص 19

[7]- حسين مروة : النزعات المادية في الفلسغة العربية الأسلامية – الجزء الأول ، ص 6

[8]- السيد يسين ومجموعة أخرى – ندوة – التراث وتحديات العصر في الوطن العربي ، ص 62

[9]- المرجع السابق ، ص 21

[10]- المرجع السابق ؛ ص 25

[11]- احمد ماضي ومجموعة أخرى : التراث والنهضة ، ص 83

[12]- حسن حنفي ومجموعة اخرى :التراث والنهضة ،ص 220