بعد عام 2003، عندما تدهورت العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب بشكل حاد، نشأت فكرة أنه يجب القيام بشيء ما. فقام اردوغان وزاباتيرو بوضع مبادرة تركية اسبانية مشتركة حددت مهمة اقامة تحالف يضم العالمين الاسلامى والغربى. وقد بادرا إلى العمل تقريبا في نفس الاتجاه الذي تعمل فيه مجموعة فنيامين بوبوف اليوم، ولكن الأمر هنا يتعلق بروسيا والعالم الإسلامي، وهناك يتناول أكثر الغرب وبقية العالم عموما. فتسوية الصراعات وتدوير الزوايا في العلاقات المعقدة والمتوترة بين الإسلام وبقية العالم كانا في صميم هذا المشروع.

                 ______________________

في عام 2005، تمثلت المبادرة في إنشاء ما يسمى مجموعة الحكماء أو المجموعة الرفيعة المستوى المؤلفة من 20 شخصا، والتي كان عليها إعداد تقرير إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وكنت أنا عضوا في هذه المجموعة.

                 ______________________

انكببنا طويلا  على إعداد هذا التقرير، وكان أمراً مشوقاً جدا العمل مدى عامين اثنين. وقد تم عرض التقرير. فأنشئت بنية لا تزال تنشط حتى الآن، ويشارك في عملها قسطنطين فيكتوروفيتش الذي يشرف في وزارة الخارجية ومن خلالها على هذا الاتجاه (قسطنطين شوفالوف، الممثل الرسمي للخارجية الروسية في منظمة تحالف الحضارات  التابعة لهيئة الامم المتحدة - المترجم). وهناك مندوب سامٍ عن الأمين العام للأمم المتحدة في شأن "تحالف الحضارات" في نيويورك، على الرغم من أننا لا نرى له عملاً ملموساً في الآونة الأخيرة. ولكنه مع ذلك... يعمل. في هذا العمل هناك العديد من الاتجاهات الرئيسية، بما في ذلك الشباب. وأعتقد أنه يستحسن ضم أنشطة نادي الشباب بطريقة أو بأخرى إلى أنشطة الاتجاه الشبابي في مجموعة "تحالف الحضارات"، لأن هناك ميزانية وقدرات مناسبة، والكثير من الأنشطة، ويمكن تطوير صيغة تآزر تجمع بين أنشطة النادي ونشاط التحالف، وعلى غرار ما تقومون به. أعتقد أن هذا أمر جيد جدا. ويمكنني المساعدة في هذا المعنى.

وأود أيضا أن أقول بضع كلمات في بعض النقاط ضمن الوقت القصير المخصص لي.

                 ______________________

نحن في الواقع نتكلم اليوم عن الحضارات، وأعتقد أنه توجد في العالم حضارة واحدة وثقافات عديدة فيها.

                 ______________________

هناك العديد من الاتجاهات المتعاكسة: اتجاه نحو التقارب، ويسمى الآن عادة "العولمة المفرطة". والعولمة تُفهم على أنها حرية تنقل ثلاثة تيارات: تدفق الناس وتدفق رؤوس الأموال وتدفق المعلومات. وما يثير الدهشة هو أننا إذا نظرنا إلى تحرك هذه التيارات الثلاثة بحرية في العالم، نرى أنها تصطدم بقيود خطيرة للغاية، وهذه القيود تصبح أكثر وأكثر كلما تقدمنا في الزمن.

فإذا نظرنا إلى رؤوس الأموال، فإن هناك العديد من العوامل الدولية التي تهدف إلى تقويض حرية تحركها. هناك، على سبيل المثال، سياسة الحمائية protectionism في العديد من الدول، وهي أصبحت أكثر شعبية، وهناك محاولات لمنع هذا أو ذاك من دخول هذا المكان أو ذاك. ونحن نعرف جيدا أيضا ما هي سياسة العقوبات هذه، إنها محاولة لضمان هيمنة دولة واحدة على العالم، وحرمان الدول الأخرى، حرمان المنافسين من إمكانية العمل بحرية في الأسواق العالمية. وهذه سياسة منافسة غير شريفة.

                 ______________________

إذا ما نظرنا إلى حركة الناس، رأينا هنا الشيء نفسه. والمشكلة الأكثر حدة بالنسبة لأوروبا اليوم هي مشكلة الهجرة.

                 ______________________

تلك الشعارات الميمونة الرائعة التي تتحدث عن أنه يجب أن يعطى الأشخاص الذين يعانون من الاضطهاد والذين حياتهم مهددة الحق في اللجوء، تواجه اليوم الحقيقة المرة، وقبل كل شيء، عزوف سكان أوروبا خاصة عن قبول اللاجئين عندهم. هناك نوع من التنافر الثقافي ينشأ. وهو ينشأ عندما تسير في شوارع العاصمة الاوروبية، على سبيل المثال، امرأة مرتدية النقاب أو البرقع، حين لا يمكنها حتى عرض كعب قدمها لأن الجوارب والقفازات السوداء يجب أن تكون لزاماً على يديها، بينما نرى من ناحية أخرى فتاة أوروبية نصف عارية بتنورة الميني جيب. هنا يبرز التنافر الثقافي الذي غالبا ما يؤدي إلى اشتباكات خطيرة بين الناس. فما الذي يمكن أن يساعد على التغلب على التنافر الثقافي؟ ليس الاستيعاب أو التكيف في أي حال من الأحوال، فهو من رابع المستحيلات. يمكن أن يساعد في التغلب على هذا فقط ما يسمى التسامح. ولكن هناك أيضا وجهات نظر مختلفة حيال فكرة التسامح. لدينا أشخاص في بلادنا يعتقدون أن التسامح لا يناسبنا. العديد من زملائنا وأصدقائنا يقولون: ما الذي كافحنا من أجله إذن كل هذا الوقت؟ لقد كافحنا لتأكيد مثلنا نحن الروحية، فلماذا يجب أن نكون متسامحين الآن؟ مع تلك القواعد التي يفرضها الغرب، كما يفرض التسامح في حال زيجات المثليين وهلم جرا. ها هم اليوم البريطانيون في انكلترا يناشدون الأمم المتحدة حذف مصطلح "المرأة الحامل"، والاستعاضة عنه بعبارة "الشخص الحامل"، لأنه ينتهك حقوق المتحولين جنسيا. يمكنك إدانة هذا، ولكن يمكنك أيضا تحمّل هذا والتسامح معه، لأن الثقافات مختلفة. لذلك، نقول إن هناك ثقافات مختلفة، هناك مفهوم في اللغة الإنجليزية مثل diversity، ويعني التنوع أو عدم التجانس. العالم متنوع. في جميع الأديان هناك مفهوم التنوع.

______________________

لن أقتبس من القرآن الكريم، علما أنه يمكنني أن أقتبس منه الكثير، لأنني، وأنا الذي فيما مضى درست في جامعة القاهرة، ودرست الإسلام، وفي غيرها من جامعات مصر بالذات، تلك الجامعات التي أحبها وأكن لها كل الاحترام، أرى مدى الانعطاف الذي حصل هناك مع الأسلمة، وعلى الرغم من السياسة العلمانية للسيسي.

______________________

هنا يتطور الاتجاه المعاكس للتعصب، لعدم التسامح الذي يؤدي إلى رفض قيم الآخرين، والتسامح يجب أن ينسحب على الجميع. إذا كان لنا أن ندرك أن هناك أشخاصاً آخرين وأنهم لا يستطيعون العيش كما نعيش نحن، فعلينا أن نعطيهم الفرصة للقيام بذلك، ولكن بشرط واحد، وهو أن لا نفرض قيمهم كقيم عالمية شاملة. إذا كان البريطانيون يريدون أن يروا "أشخاصاً حوامل" في الشوارع، فهذا شأنهم. ولكن لا يفرضوا هذا علينا!! أنا شخصيا لا يعجبني هذا، ولكنه لا يعني أنني مستعد لأن أنقضّ بالساطور على هؤلاء الإنجليز المساكين الذين يريدون أن يعيشوا كذلك. ينبغي أن ينطبق التسامح على الجميع. إن غياب التسامح، للأسف، يميز اليوم العديد من المجتمعات الإسلامية بسبب الارتفاع الحاد لموجة الأصولية، أو الراديكالية الإسلامية. ما أكثر ما يقال فيه لدرجة أني لا أريد أن أتحدث كثيرا عن ذلك. وهزيمة "داعش" التي تطبل لها وتزمر الآن لها جميع وسائل الإعلام - القنوات التلفزيونية وغيرها، ليس يمكن اعتبارها حتى الآن لا انتصارا، ولا هزيمة. الراديكالية باقية، وهي تنمو، ولسوف تتغير لتتخذ أشكالاً أخرى مع هزيمة داعش، ونحن نرى كيف يحدث هذا. ولسوف تمتد على نطاق جغرافي من خلال الامتيازات التي يخلقها اليوم الراديكاليون. أنا أزور سوريا من حين لآخر، وأرى ما يحدث هناك في الآونة الأخيرة، أرى ما هي الصعوبات التي تواجهها عملية التسوية. أعتقد أن هذه الامتيازات تتخذ شكل خلايا نائمة في أوروبا أو جنوب شرق آسيا، في أفريقيا وغيرها من المناطق، وهناك محاولات للوصول إلينا، العديد من الإرهابيين ينتقل إلى أفغانستان، على الرغم من أن هناك حقا تحريرا للأراضي من  التشكيلات الاسلامية في العراق وسوريا. ______________________

الإسلاميون يفقدون الأراضي، ولكن هذا لا يعني أنهم يفقدون الأفكار التي تقبع في رؤوس العديد من الناس. وبطبيعة الحال، ألهمهم كثيراً إنشاء ما يسمى بداعش التي حظرت عندنا، ولكن، مع ذلك، ثمة كثيرون ومن دون هذا الإلهام تحدوهم الرغبة في السير في هذا الطريق الرهيب، طريق التطرف الهمجي وإن أصبح عددهم أقل.

______________________

وأساس كل هذا المثل العليا الأصولية. أذكر كيف أن اجتماعا إسلاميا عقد في قازان حضره علماء فقه، وحصل أن كنت أنا أيضا هناك، فسألوا رأيي في العديد من القضايا. وكان ثمة رجل طيب جاء من العراق، حسب ما أعتقد، إذا لم أكن مخطئا. سألوه عن كيفية التعامل مع فتاة مسلمة إذا جاءت إلى الغرب تتعلم، على سبيل المثال، في فرنسا، في انكلترا، فهي تجلس في القاعة حيث ثمة شباب مسيحيون يتصرفون تصرفاً مختلفاً تماما. كيف يمكنها أن تتصرف هناك، أن تتحدث مع الشباب، تصافحهم؟ هذا الرجل الذي كان يصور نفسه خصماً للراديكاليين أجاب بالحرف الواحد: "لا حاجة لأن تذهب إلى أي مكان، يجب على الفتاة المسلمة التواصل مع المسلمين فقط، وليس مع أي شخص كان". وكان الله يحب المحسنين عند هذا الشخص المتسامح!!

لذلك، تطرح نفسها بكل قوة مسألة التسامح، مسألة احترام التنوع وعدم التجانس في الحضارة الإنسانية، إذا كانت الحضارة فعلاً واحدة وتضم ثقافات كثيرة. وأعتقد أن الشراكة بين الحضارات التي باسمها ولأجلها أنشئ ناديكم موضوع مثير جداً للاهتمام وذو راهنية كبيرة. أتمنى لكم خالص النجاح في هذا العمل الصعب.

ترجمة: