ان العولمة تعني خضوع البشرية لتاريخية واحدة فهذا يعني ايضاً انها تجري في مكانية ثقافية واجتماعية وسياسية موحدة او في طريقها للتوحيد " .(25)

ويبدو ان الأستنتاج الذي توصل اليه غليون ليس مقنعاً . فصحيح ان العولمة لم تعد خياراً بل اصبحت قدراً ، ولكن لا زال هناك هامش من الحرية لكل دولة او أمة او مجموعة تستطيع من خلالها تمييز واقع عولمتها الثقافية رغم ان هذا الهامش يضيق جداً إذا كانت المسألة تتعلق بالعولمة الأقتصادية او المالية او السياسية .

فالعالم ليس موحداً ثقافياً، كما أنه لا وجود لنظام ثقافي عالمي كما هو الحال في ظل وجود نظام اقتصادي عالمي، نظراً للغموض الذي يحيط بالعولمة الثقافية، وكذلك تنوع الثقافات الخاصة بالأمم والشعوب في العالم، وحرص كل أمة على هويتها الثقافية. كما أن معظم الشعوب تبدو غير مطمئنة من العولمة الثقافية، وغير واثقة من كيفية التعامل معها. ولذلك فإنه في الوقت الذي يظهر فيه العالم ميلاً للانغماس في العولمة الاقتصادية، فإنه يظهر ميلاً للانكماش من العولمة الثقافية.

وهامش الحرية، او الميل للأنكماش الثقافي لا يمكن للغرب ان يلغيه رغم امتلاكه القدرات التكنولوجية المتقدمة وأحدث وسائل الأتصال ورغم انه يتحكم بشبكات التواصل الإجتماعي وبالبث الفضائي والتي يستغلها الى ابعد الحدود من اجل فرض سيطرته وتعميم ثقافته وتقرير مصير الأخرين .

وكما انه لا يمكن للغرب ان يلغي ثقافة الأخرين فإن هامش الأنكماش الثقافي يتكرس فعلياً عندما تتمكن أي دولة او امة او أي جماعة من خلق حصانة ذاتية تحفظ من خلالها قيمها ومبادئها وهويتها الثقافية الذاتية وتجعل منها مادة للتفاعل مع الأخرين وليس مادة للذوبان في وعاء الأخرين . فليس كل ما يصل العرب من الغرب سيء ، وليس كل ما يصلهم جيد ، ومن هنا يجب تعميم ثقافة القدرة على التمييز وعلى اعتماد سياسة انتقائية تأخذ بالجيد وترمي بالسيء . كما لا يجوز ان يبقى العرب في موضع المتلقي وهم الذين يمتلكون الكثير مما يمكن تصديره الى الأخر .

والمسألة تحتاج بالطبع الى معايير يجب اللجوء اليها من اجل احداث البث الثقافي المتبادل ، وأقرب مشروع في هذا الإطار الى حيز الواقع هو ما طرحه محمد عابد الجابري حين اقترح عشر اطروحات يجب العمل بموجبها لإنجاح العلاقة بين العولمة والهوية الثقافية ، وهذه الأطروحات(26) هي:

الأطروحة 1 : ليست هناك ثقافة عالمية واحدة، وليس من المحتمل أن توجد في يوم من الأيام ، وإنما وجدت، وتوجد وستوجد، ثقافات متعددة متنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية، أو بتدخل إرادي من أهلها، على الحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة. من هذه الثقافات ما يميل إلى الانغلاق والانكماش، ومنها ما يسعى إلى الانتشار والتوسع، ومنها ما ينعزل حينا وينتشر حينا آخر.

الأطروحة 2 : للهوية الثقافية مستويات ثلاثة: فردية، وجمعوية، ووطنية قومية. والعلاقة بين هذه المستويات تتحدد أساسا بنوع "الآخر" الذي تواجهه.

الأطروحة 3 : لا تكتمل الهوية الثقافية، ولا تبرز خصوصيتها الحضارية، ولا تغدو هوية ممتلئة قادرة على نشدان العالمية، على الأخذ والعطاء، إلا إذا تجسدت مرجعيتها في كيان مشخص تتطابق فيه ثلاثة عناصر: الوطن والأمة والدولة.

الوطن: بوصفه "الأرض والأموات"، أو الجغرافية والتاريخ وقد أصبحا كيانا روحيا واحدا، يعمر قلب كل مواطن. الجغرافيا وقد أصبحت معطى تاريخيا. والتاريخ وقد صار موقعا جغرافيا.

الأمة: بوصفها النسب الروحي الذي تنسجه الثقافة المشتركة: وقوامها ذاكرة تاريخية وطموحات تعبر عنها الإرادة الجماعية التي يصنعها حب الوطن، أعني الوفاء لـ "الأرض والأموات"، للتاريخ الذي ينجب، والأرض التي تستقبل وتحتضن.

الدولة: بوصفها التجسيد القانوني لوحدة الوطن والأمة، والجهاز الساهر على سلامتهما ووحدتهما وحماية مصالحهما، وتمثيلهما إزاء الدول الأخرى، في زمن السلم كما في زمن الحرب.

الأطروحة 4 : ليست العولمة مجرد آلية من آليات التطور الرأسمالي بل هي أيضا، وبالدرجة الأولى، إيديولوجيا تعكس إرادة الهيمنة على العالم.ولهذا يجب التعامل معها بحذر وليس بالأنصياع لها .

الأطروحة 5 :العولمة شيء و"العالمية" شيء آخر. العالمية تفتح على العالم، على الثقافات الأخرى، واحتفاظ بالاختلاف الثقافي وبالخلاف الإيديولوجي. أما العولمة فهي نفي للآخر وإحلال للاختراق الثقافي محل الصراع الإيديولوجي.

الأطروحة 6 : ثقافة الاختراق تقوم على جملة أوهام هدفها: "التطبيع" مع الهيمنة وتكريس الاستتباع الحضاري.

الأطروحة 7 : العولمة نظام يعمل على إفراغ الهوية الجماعية من كل محتوى ويدفع للتفتيت والتشتيت،. ليربط الناس بعالم اللاوطنواللاأمةواللادولة، أو يغرقهم في أتون الحرب الأهلية.

الأطروحة 8 : العولمة وتكريس الثنائية والانشطار في الهوية الثقافية العربية. في هذا الإطار إذن يجب أن نضع خصوصية العلاقة بين العولمة والهوية الثقافية عندما يتعلق الأمر بالوطن العربي. فالاختراق الثقافي الذي تمارسه العولمة لا يقف عند حدود تكريس الاستتباع الحضاري بوجه عام، بل إنه سلاح خطير يكرس الثنائية والانشطار في الهوية الوطنية القومية، ليس الآن فقط بل وعلى مدى الأجيال الصاعدة والقادمة.

الأطروحة 9 : إن تجديد الثقافة، أية ثقافة، لا يمكن أن يتم إلا من داخلها: بإعادة بنائها وممارسة الحداثة في معطياتها وتاريخها، والتماس وجوه من الفهم والتأويل لمسارها تسمح بربط الحاضر بالماضي في اتجاه المستقبل.

الأطروحة 10: إن حاجتنا إلى الدفاع عن هويتنا الثقافية بمستوياتها الثلاثة، لا تقل عن حاجتنا إلى اكتساب الأسس والأدوات التي لا بد منها لدخول عصر العلم والتقانة، وفي مقدمتها العقلانية والديموقراطية. 

هذه الأطروحات وغيرها من المشاريع الفكرية التي اسلفنا ذكرها بِشان كيفية بناء حوار ثقافي عربي غربي فاعل يستوجب اعادة النظر بالكثير من البنى الثقافية التي تشكل هوية العرب الذاتية ونظرة العربي للغربي وكذلك نظرة الغربي للعربي .

فعلى مستوى الذات العربية يجب ايجاد حل للأزدواجية السائدة حيث هناك مشاريع فكرية لفئة تقوم على اسس دينية تكفيرية ومشاريع فكرية لفئة أخرى تقوم على اسس علمية لادينية .

اما على مستوى الذات الغربية عليها اعادة النظر بالنمط المتعالي الذي تمارسه لأن البديهيات الفكرية بين العرب والغرب ،على المستوى الشعبي وليس الرسمي السلطوي ، متقاربة سواء ما يتعلق منها بالحرية والديمقراطية وحرية الرأي والتعبير وحقوق الأنسان والتعددية وتداول السلطة وحرية ممارسة العمل السياسي والنقابي وغيره .

من هذا المنطلق لا يجوز للغرب التعميم والقول بأن العرب جاهلون مستبدون معادون للغرب وإنهم جميعاً إرهابيون ، لأن هنالك من بين العرب أشخاص استثنائيون يجسدون الحكمة والاتزان وينبغي عدم مماهاة المسلمين بالأصوليين أو مماهاة الشعب بالنظام فحدوث ذلك إنما يرتبط بالأيديولوجيا أي بالسياسة في حين أن هذا لا يدخل في دائرة اهتمام المسلم  لأن ميدانه هو الإيمان.

كما لايجوز للعربي وضع الغربي دائماً في موضع المتأمر والكافر لأن دوائر القرار الرسمي هي التي تقوم بذلك فيما الدوائر الثقافية والفكرية قد تكون في موقع مخالف لتوجهات السلطات الرسمية .

ومعلوم ان كل محاولات الحوار وخاصة منها الحوار العربي الأوروبي الذي بدأ عام 1973 وأنتهى عام 1990 قد مني بالفشل لأنه كان حواراً بين انظمة رسمية وهيئات سلطوية فيما كان الحوار الذي كان يدار على مستوى منظمات المجتمع المدني ناجحاً ومثمراً .

ومن هنا ولكي ينجح الحوار بفعالية اكبر لا ينبغى أن يقتصر على المثقفين، بل لا بد أن يشارك فيه ممثلون للثقافات الشعبية بمختلف تياراتها: ذلك أننا نعرف جميعا أنه فى عدد من المجتمعات المعاصرة تسود ظاهرة الانفصام الثقافى، ونعنى بها الفجوة المعرفية والفكرية بين النخبة والجماهير، ناهيك عن الاختلافات العميقة فى الحساسية الفنية والأذواق والاتجاهات الجمالية
ومن هنا، لن يكتمل الحوار بين الحضارات فى رأينا بدون تضمينه الثقافة الشعبية.

وهذا الحوار لا يتطلب ان تنصهر الثقافات في بعضها ، كما ليس المطلوب ان تتصارع بل يمكن لها ان تتعايش ضمن دائرة الأختلافالخلآق النابع من احترام خصوصية الشعوب. ولذا فالتعايش قد يكون ارقى احوال التفاعل اليوم بين الحضارات والثقافات . 

 

هوامش

1 – ويكيبيديا ، الموسوعة الحرة ( 22/4/2014 )

2 – سليم بركات : فلسفة الحضارة والتاريخ ، ص 12

3 – المرجع السابق ، ص 12

4 – المرجع السابق ، ص 13

5 - ويكبيديا ، الموسوعة الحرة ( 22/4/2014 )

6 – محمد فيضي : تعريف الثقافة ، مقال منشور على موقع " موضوع " الإلكتروني بتاريخ 22/4/2014 http://mawdoo3.com

7 – غي روشيه : مقدمة في علم الاجتماع العام 1 – الفعل الاجتماعي ، تعريب مصطفى دندشلي ،ص 195-197

8 – دنيس كوش : مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية ، ترجمة منير السعيداني ،ص 31

9 – سمير امين : ثقافة العولمة وعولمة الثقافة ، ص 62

10 – احمد صدقي الدجاني : التراث وتحديات العصر في الوطن العربي ، ص 303

11 – ادوارد  سعيد : الأستشراق ، ص 214

12 - ابراهيم الحيدري : سؤال الحداثة: الاحتكاك والمواجهة بين الشرق والغرب ، مقال منشور على موقع " اقلام حرة " الإلكتروني تاريخ 22/4/2014 http://www.free-pens.org

13 – صمويل هنتنغتون ، صدام الحضارات ، ص 74

14 – المرجع السابق ، ص 440

15 _ المرجع السابق ، ص 442

16 – المرجع السابق ، ص 450

17 – البرت حوراني : الإسلام في الفكر الغربي ، ص 17

18 – احمد صدقي الدجاني : الفكر الغربي والتغيير في المجتمع العربي – ندوة التراث وتحديات العصر ، ص 317

19 – حسن حنفي : ما العولمة؟،ص 39-40

20 – المرجع السابق ،ص 51

21: صادق جلال العظم : ما العولمة ؟ ،ص 223 – 224

22 – هشام شرابي : المثقفون العرب والغرب ، ص 136 – 137

23 – محمد نور الدين افاية : الغرب في المتخيل العربي ، منشورات CIDOB   اسبانيا 1995 ، ص 6

24– برهان غليون : ثقافة العولمة وعولمة الثقافة ،ص 16

25 – المرجع السابق ، ص 20

26 - انظر كتاب محمد عابد الجابري : قضايا في الفكر المعاصر ، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى يونيو/ حزيران  1997 – بيروت.

  - انظر ايضاً محمد عابد الجابري : العولمة والهوية الثقافية، عشر أطروحات. مجلة المستقبل العربي، بيروت، العدد 228، 2/1998م.

 

المراجع

الكتب :

1 – بركات ، سليم: فلسفة الحضارة والتاريخ ، مطبعة جامعة دمشق ، 1990

2 – روشيه ، غي: مقدمة في علم الاجتماع العام 1 – الفعل الاجتماعي ، تعريب مصطفى دندشلي ،توزيع مطبعة الفقيه ، طبعة ثانية 2002 .

3 – كوش ، دنيس : مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية ، ترجمة منير السعيداني ،المنظمة العربية للترجمة ، الطبعةالأولى اذار / مارس 2007

4 – أمين سمير ، غليون برهان  : ثقافة العولمة وعولمة الثقافة ، دار الفكر دمشق ودار الفكر المعاصر بيروت ، الطبعة الثانية 2002

5 – الدجاني ، احمد صدقي ومجموعة باحثين : التراث وتحديات العصر في الوطن العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ، الطبعة الثانية حزيران /يونيو 1987.

6 – سعيد ، ادوارد  : الأستشراق ، مؤسسة الأبحاث العربية ، بيروت ، الطبعة الخامسة 2001

7 – هنتنغتون ، صمويل : ، صدام الحضارات ، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والاعلان ،مصراتة، الطبعة الأولى 1999

8 – حوراني ، البرت : الإسلام في الفكر الغربي ، الأهلية للنشر والتوزيع ،بيروت ،1994

9 – حنفي حسن ، العظم  صادق جلال: ما العولمة؟،دار الفكر دمشق ودار الفكر المعاصر بيروت ،الطبعة الثانية 2002

10 -  العظم صادق جلال ، حنفي حسن : ما العولمة؟،دار الفكر دمشق ودار الفكر المعاصر بيروت ،الطبعة الثانية 2002

11 – شرابي ،هشام : المثقفون العرب والغرب ، دار النهار للنشر ، بيروت ، الطبعة الرابعة 1991

12 – افاية ، محمد نور الدين: الغرب في المتخيل العربي ، منشورات CIDOB   اسبانيا 1995

13– غليون برهان ، أمين سمير : ثقافة العولمة وعولمة الثقافة ، دار الفكر دمشق ودار الفكر المعاصر بيروت ، الطبعة الثانية 2002

14 – الجابري ، محمد عابد : قضايا في الفكر المعاصر ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى يونيو/ حزيران  1997.

 

مواقع الكترونية

1 – ويكيبيديا ، الموسوعة الحرة ( 22/4/2014 )

 2 – فيضي ، محمد : تعريف الثقافة ، مقال منشور على موقع " موضوع " الإلكتروني بتاريخ 22/4/2014 http://mawdoo3.com

3 – الحيدري ، ابراهيم : سؤال الحداثة: الاحتكاك والمواجهة بين الشرق والغرب ، مقال منشور على موقع " اقلام حرة " الإلكتروني تاريخ 22/4/2014 http://www.free-pens.org

 

دوريات

الجابري ،محمد عابد : العولمة والهوية الثقافية، عشر أطروحات. مجلة المستقبل العربي، بيروت، العدد 228، 2/1998م.

استاذ الفلسفة السياسية والفكر العربي المعاصر في الجامعة اللبنانية – كلية الآداب