ان يتحدث عن " صدام الحضارات " او لمفكر أخر مثل فرنسيس فوكوياما ان يتحدث عن " نهاية التاريخ " ليعكس ذلك توجهاً غربياً مؤطراً ضمن استراتيجية هدفها جعل العرب والمسلمين عدو المستقبل بعد ان انتهت الحرب الباردة مع العدو السوفياتي.

وبدا ان العرب مستهدفون لما يمتلكون من ثروات ، والمسلمون مستهدفون لما يمثلون من قيم حضارية تخالف في الكثير من مواضعها توجهات وتطلعات الغرب.

وبما ان معظم العرب هم من المسلمين لذا انتفى التمييز الغربي بين عربي ومسلم وأصبحت الكلمتان تمثلان عدواً  واحداً بالرغم من سعي بعض العرب الى حث الغرب على التمييز بينهما.

وتوجهات الغرب كانت واضحة من قول هنتنغتون :" في هذا العالم الجديد ، فإن أكثر الصراعات انتشاراً وخطورة لن تكون بين طبقات اجتماعية ، غنية وفقيرة ، او جماعات أخرى محددة على أسس اقتصادية ، ولكن بين شعوب تنتمي الى هويات ثقافية مختلفة . الحروب القبائلية والصراعات العرقية أو الأثنية سوف تقوم داخل الحضارات " (13)

ولكي يدعَم هنتنغتون وجهة نظره عمد الى استعراض مسلسل الحروب السائدة في العالم ليخلص انها في عمومها بين الغرب والعالم الأسلامي وأن الأسلام هو دين حرب وعنف . وبناء على ذلك احصى هنتنغتون ان  المسلمين شاركوا في 26 من اصل 50 صراعاً اتنياً سياسياً في الفترة ما بين 1993 – 1994 .(14)

وبيَن ان " الدول الأسلامية لديها نزعة للألتجاء الى العنف في الأزمات الدولية ، فلقد استُخدم العنف لحل حوالي 76 ازمة من اجمالي 142 ما بين 1928 – 1979 " . ( 15)

وخلص هنتنغتون الى الأستنتاج انه :"منذ ظهور الأسلام في الجزيرة العربية وأنتشاره في شمال افريقيا ومعظم دول الشرق الأوسط وفيما بعد في وسط اسيا وشبه القارة الهندية جعل المسلمين في اتصال مباشر مع شعوب متعددة ، التي تم غزوها وتحويلها الى الأسلام ، ومورث هذه العملية لا زال باقياً " .(16) أي لا زال الأسلام يمارس العنف .

هذه الأجواء الفكرية التي تسلح بها الغرب وتعامل على اساسها مع العرب والمسلمين كان لها دورها في اصابة الأسلام المعتدل بالضعف والوهن لأنه بنظر الكثيرين لم يعد قادراً على مواجهة شدة العداء الغربي للمسلمين ، كما كان لها دورها في نشوء ونمو الحركات الجهادية الأسلاموية التي ما كان لها ان تجد هذه المكانة التي تحتلها اليوم لولا جملة من العوامل المساعدة اهمها :

-  لقيت الحركات الجهادية دعماً غربياً حيث تم استغلالها لتكون بمثابة سد بوجه المد الشيوعي في أكثر من منطقة في العالم . وبعد ان انجزت هذه الحركات مهمتها وبالتحديد في افغانستان انقلبت على داعميها من العرب والغرب وباتت اليوم تشكل خطراً مباشراً عليهم لأن هذه الحركات تظن  انها تمتلك ما يكفي من مكامن القوة من اجل تحقيق أي تغيير تنشده اسلامياً ودولياً اعتماداً على اساليبها الترهيبية وليس الترغيبية .

- امتلاك هذه الحركات حنين دائم الى زمن السلف الصالح وأعتبار نفسها انها قادرة على اعادة انتاجه ،وانها هي وريثته الشرعية ، وأصبح هذا الحنين المدعوم بتفسيرات خاصة للنص القرأنيولآحاديث الرسول يشكل الإطار العقائدي الذي تتغذى منه الحركات الجهادية لنشر فكرها وخاصة بين ابناء الطبقات الأسلامية المسحوقة من عرب وغير عرب .

- تقديم الحركات الجهادية نفسها على انها تمثل " النظرية الثالثة " في الحكم ، بعد ان سقطت برأيها النظرية الرأسمالية الليبرالية والنظرية الأشتراكية الماركسية .فأعطت بذلك لنفسها الحق في عولمة مشروعها الفكري والسلطوي .

من هنا اصبح للجهاد طابعه المعولم كما اصبح الغرب، سواء الرأسمالي او الإشتراكي، هو العدو ليس فقط لأنه ابتدع نظرياته ذات البعد المادي بل ايضاً لأنه صليبي ، فأستحضر الجهادي بذلك تناقض الأسلام مع المادية كما استحضر تاريخ الحروب الصليبية .

وبدل من ان يلجأ الغرب الى مراجعة استراتيجيته ويصحح ما شابها من اخطاء لكي يساعد الأسلام المعتدل على امتصاص تصاعد الحركة الجهادية التكفيرية فقد عمد الى عكس ذلك حيث استعاد احياء الفهم المسيحي القديم المغلوط للإسلام وعممه عبر وسائل اعلامه الى حد بات مادة تثقيفية للرأي العام الغربي . فلقد اعاد الغرب انتاج رؤيته القديمة للإسلام حين:" شكل الدين الأسلامي ، منذ ظهوره ، مشكلة لأوروبا المسيحية التي نظرت الى المؤمنين وكأنهم أعداء يقفون على حدودها". (17) وبذلك بات الفكر العربي امام تحديين هامين وأساسيين هما :

-          التحدي الأول هو بين العرب والغرب او بين المسيطر والمسيطر عليه .

-          التحدي الثاني هو بين العرب المسلمين انفسهم حيث برزت الخلافات بين السلفيين والمتنورين والتي يمكن اختزالها بالقول انه صراع الحداثة والتراث او صراع الأصالة والمعاصرة .

هذا الواقع التصادمي بين العرب والغرب يلخصه احمد صدقي الدجاني بقوله :" حين ننظر في عملية تفاعل الحضارتين العربية والغربية في القرنين الأخيرين نجد انها جاءت في وقت كانت الحضارة الغربية فيه تملك القدرة الحضارية .وقد استخدمها الأستعمار الغربي الذي احتل الوطن العربي بالقوة . ونجد ان تبادل التأثير حدث ولكن نسبة تأثر العرب بالغرب فاقت نسبة تأثر الغرب بالعرب (...)وواضح ان التفاعل لم يحدث في جو من السلم والرضى والحرية ، ولم تتوافر له الى وقت قريب " الندية " فحكمته عقد من الجانبين . وهذا يفسر حدة المواقف المختلفة ازاءه هنا وهناك في الطرفين العربي والأوروبي ". (18)

ازاء هذا التباين الكبير فان العولمة لا يمكن ان تشكل للعرب والغرب وعاءً جامعاً تتم عبره التفاعلات البينية " انما المركز هو الذي يفرض مساره على الأطراف ، ولما كان الغرب الحديث الأن هو المركز ، فهو الذي يفرض مساره على باقي الثقافات ،ويجعل العالم كله يمتثل بمساره هو نهاية قرن وبداية قرن أخر ، فتضع كل الشعوب نفسها في مساره . ويزداد الأغتراب الثقافي والحضاري عند كل الشعوب بإستثناء ثقافة المركز ".(19)

ولا تتوقف المسألة عند حدود الأغتراب الثقافي بل تتعداه الى حدود :"ان مخاطر العولمة على الهوية الثقافية انما هي مقدمة لمخاطر اعظم على الدولة الوطنية والأستقلال الوطني والإرادة الوطنية والثقافة الوطنية"(20)، لأن المركز ( الغرب ) يصبح هو المعيار والمرجع والمثال والقدوة كما يصبح المركز خارج دائرة المحاسبة لأن الأطراف الأقل نمواً وتطوراً وتقدماً لا يحق لها ان تحاكم الأكمل والأسمى منها .

وحتى القوانين الدولية المعمول بها في اطار هيئة الأمم المتحدة او المنظمات الدولية الأخرى تصبح في خدمة المركز حتى وأن تعمد انتهاكها او عدم احترامها او تفسيرها بما يتوافق مع مصالحه وغاياته . والأمثلة على ذلك اكثر من ان تعد وتحصى بدءاً في الزمن المعاصر من نكبة فلسطين مروراً بأحتلال العراق وصولاً الى تقسيم السودان وما تلا ذلك من ابتداع ثورات وهمية بأسم " الربيع العربي " التي ادت حتى الأن الى ادخال ليبيا في اتون حرب قبلية والى تعميق شق الخلاف بين مكونات الشعب المصري والى تدمير سوريا بالكامل .

من هنا بادر بعض المفكرين العرب الى البحث عن حلول تسمح للفكر العربي بإمتلاك القدرة على مواجهة الغرب من جهة ، وتسمح له بحل ازماته الداخلية التي هي سبب تشرذمه وضعفه وعدم قدرته على المواجهة من جهة أخرى .

وكان الحل لمواجهة العولمة برأي حسن حنفي عبر التالي :

1         - اعادة بناء الموروث القديم المكون الرئيسي للثقافة الوطنية وتجديد لغة الموروث وتغيير مستوى التحليل من المستوى الألهي الغيبي الى المستوى الأنساني الحسي التحرري .

2         – كسر حدة الأنبهار بالغرب ، ومقاومة قوة جذبه ورده الى حدوده الطبيعية والقضاء على اسطورة الثقافة العالمية .

3         – التخفف من غلواء العولمة عن طريق قدرة الأنا على الأبداع بالتفاعل مع ماضيها وحاضرها.

اما صادق جلال العظم(21) فقد رأى ان مخاطر العولمة تكمن في اطماعها الأقتصادية ولذا عمد الى تشريحها وتفكيكها وفق ايديولوجية ماركسية – لينينية ليخلص من وراء ذلك الى استنتاج ابعادها الثقافية والفكرية محذراً من الأنجراف ورائها ومقترحاً على المتأثرين بالعولمة سواء كانوا في موقع المركز – أي الغرب – او في موقع الأطراف – اي دول العالم الأخرى -  ان يلجأوا الى القيام بالتالي :

1 – ان يتجاوزوا الأشكال الثقافية التي انتجها الغرب لنفسه وعن نفسه او تلك التي انتجها عن الصين والعرب والأسلام وأفريقيا وغيرها ..

2 – ان يتجاوزوا الأشكال التي انتجتها ثقافات الشرق ، ومن مواقع شرقية متنوعة ، عن ثقافات الشرق الأخرى كما عن اوروبا وأمريكا والغرب عموماً .

3– ان يتجاوزوا الأشكال الثقافية التي ما كانت لتخاطب إلا جمهوراً اوروبياً بالدرجة الأولى او جمهوراً عربياً وحده او جمهوراً هندياً او جمهوراً صينياً فحسب .

وهذا يعني ان جلال العظم يريد من دول المركز في الغرب ودول الأطراف في المناطق الأخرى من العالم ان تتراجع عن احكامها القبلية تجاه بعضها وأن تعيد كل من موقعها اجراء قراءة جديدة تتحدث بواقعية عن نفسها وتفسح مجالاً للأعتراف بالأخر دون أي اغراض للهيمنة او للتشويه .

وهنا يتناقض صادق جلال العظم مع ما اورده  في نفس البحث في كتاب " ما العولمة ؟ " حيث بيَن ان الصراع كان ولا زال ما بين قوى راسمالية وأخرى مسحوقة تنتمي الى العالم النامي او شبه النامي مما يعني ان هناك من هو في موقع القوة والأخر في موقع التبعية ، ولهذا من الصعب على القوي ان يعيد انتاج ثقافته لصالح من هو دونه .

اما هشام شرابي (22) الذي يطلق على الغربي تسمية " الأمبريالي " فيرى ان المشكلة بين العرب والغرب لا تكمن فقط في البُعد الأقتصادي بل هناك امتدادات أخرى تتمثل في التالي :

1-      كانت الأمبريالية الغربية ، في المقام الأول ، مسؤولة مباشرة عن تجزئة العالم العربي سياسياً في القرن العشرين .وكان ابرز مثال "بلقنة" الهلال الخصيب .

2-      ساهمت السيطرة الأستعماريةوالأمبريالية في تجزئة الحركة القومية الى حركات منفصلة مستقلة تعمل في كيانات سياسية متباينة اوجدتها الدول الغربية ( مصر وسوريا والجزائر وغيرها ) .

3-      كانت الأمبريالية الغربية مضطرة ، من طبيعتها ، الى تنفيذ سياسات وأتخاذ مواقف معادية لبعض اشكال التغيير الأجتماعي وخاصة في المناطق التي كانت تستعمرها .

4-      ساهمت الأمبريالية الغربية ، على الصعيد الأجتماعي ، في تأخير التحديث بسبب سياستها القائمة على الأضطهادالأجتماعي حيث قوَت الخلافات الأتنية والدينية وعززت الحركات الأنفصالية .

5-      كانت السيطرة الأمبريالية ، من الناحية الأقتصادية ، مسؤولة عن اسر نمو الرأسمال الفردي الوطني في العالم العربي مما شكل نكسة خطيرة لعملية التحديث الأقتصادي .

6-      التأثير النفسي للأمبراليينوالأستعمار الغربيين كان هائلاً ويفوق كل حساب .

من هنا بات من المتعذر الحديث عن حوار او عن تكاملية بين كتلتين لطالما ان التاريخ المشترك هو تاريخ نزاعات عماده اليوم فقدان الحد الأدنى من الثقة بينهما.

وهذا ما يؤكد عليه محمد نور الدين افاية بقوله :"فالأخر – والأمر يتعلق هنا بالغرب – باعتباره اختلافا ثقافياً يشكل جزءا من نظرتنا للذات ، سواء تقدم الينا بوصفه شريكاً متساوياً او في هيئة غاز ،أو تاجر او مبشر ، أو باعتباره كيانا متغطرسا او مهادناً ، الخ . فالأخر حال ٌ في المجال الوجودي للهوية . إنه يمثل ، وبشكل مفارق ، موضوع اغراء ومنبعاً للحيطة والحذر " .(23)

ولكن هناك من يرفض البقاء اسير الماضي من امثال الباحث برهان غليون الذي يطالب بتجاوزه وعدم الخضوع لتصنيفات مثل المركز والأطراف وغيرها لأن للعولمة ، برأيه ، وجوه ايجابية يجب النظر اليها بكثير من الموضوعية كونها خلقت نوع من التفاعل ولأنه :" لايمكن للتاريخ ان يفهم إلا إذا اخذنا بالأعتبار هذا التفاعل "(24). والتفاعل برأي برهان غليون يقوم وفق ثلاث منظومات :

1 – المنظومة الأولى هي المنظومة المالية حيث اصبحنا نعيش سوق مالية واحدة ، وبورصة واحدة .

2 – المنظومة الثانية هي المنظومة الأعلاميةوالأتصالية حيث يمكن لكافة سكان الأرض من خلال الصحن الهوائي ان يشاهدوا  نفس الأقنية الى حد ان الجمهور بات معولماً .

3– المنظومة الثالثة هي المنظومة المعلوماتية التي تجسدها شبكات الأنترنت والتواصل الأجتماعي والتي كسرت كل حدود التباعد بين سكان الأرض .