صحيح أن كثراً من المارة يدهشون أمام الشكل الغريب المقطّع الذي تتخذه واجهات المبنى قيد الإنشاء، لكن قلة منهم تهتم بأن تسأل عن هوية مهندسه المعماري وكيف أُعطي كل تلك الحرية كي يبدع هذا التشكيل الذي يبدو لوحة فنية بثلاثة أبعاد أكثر منه مركزاً تجارياً، ثم أن قلة من هذه القلة تعرف من دون شك أن هذا التشبيه بالفن التشكيلي ليس اعتباطياً هنا، بل يشكل جزءاً من هوية المبنى بالنظر الى أن زها حديد طبقت فيه تشكيلات كان قد سبق لها أن اشتغلت عليها في لوحات معرض تشكيلي أقامته قبل سنوات. وكان هذا جزءاً من الحرية التي أُعطيت لها حين تم الاتفاق معها لإنشائها هذا المبنى وسط بيروت.> والحقيقة أن العشرين سنة الأخيرة شهدت، وكانت على أي حال، السنوات الأخيرة من حياة تلك المبدعة التي توصف عادة بـ «البريطانية من أصل عراقي»، تحوّلها من عمرانية تسعى وراء المشاريع الكبيرة وتحاول بحذر تطبيق نظرياتها الطليعية المازجة الهندسة المعمارية بالفن التشكيلي، الى عمرانية كبيرة قادرة على فرض شروطها وتمرير أفكارها وإنجازاتها التشكيلية. وفي خلال تلك السنوات كانت حديد قد حازت على جائزة بريتزكر التي تعتبر أشبه بجائزة نوبل في مجال العمران وكانت هي المرأة الوحيدة التي نالتها حتى ذلك الحين- بل حتى كتابة هذه السطور على أي حال، ناهيك بكونها المعمارية العربية الوحيدة التي نالتها. ولم تكن تلك الجائزة الوحيدة التي نالتها. ومهما يكن من أمر لا بد أن نشير هنا الى أن مشروع زها حديد «البيروتي» لم يكن الوحيد الذي رحلت من دون أن تراه مكتملاً حيث من المعروف أن ثمة مشاريع عديدة من تصميمها تنفذ اليوم في أنحاء عديدة من العالم وقد يمتد إنجازها سنوات طويلة.> وفي المقابل، باتت عديدة ومتنوعة وشديدة التوزع الجغرافي تلك المشاريع التي تحمل اسم زها حديد حول العالم، في بلدان عربية وفي الخارج بحيث إن خارطة إنجازاتها تتمركز في أوروبا للتوسع شرقاً الى أبو ظبي والصين واليابان وغرباً الى مدن أميركية أساسية، وتتراوح بين دور أوبرا ومصانع ومكتبات ومنشآت رياضية وجسور. كلها أعمال ضخمة ومتنوعة وذات شخصية مدهشة، لكن ما يجمع بينها روح واحدة تجعل الناظر الى أي مشروع منها يدرك من فوره أنه أمام أعمال تحمل صبغة لا شبيه لها، وعلاقة بالفنون الأخرى ورؤية الى العلاقة بين الطبيعة والمكان تأخذ في حسبانها تاريخ ذلك المكان. ونتوقف هنا، من بين أعمال زها حديد عند إنجاز حققته بين العامين 2001 و2005 أي خلال المرحلة التي شهدت ذروة عطائها، وهو مشروع «مبنى بي إم دبليو المركزي» الذي لا تتوقف مدينة لايبزغ الألمانية عن إعلان افتخارها به. ومع هذا لعلنا لا نبتعد من الصواب إن نحن أشرنا الى أن هذا المشروع يكاد يكون الأقل إتاحة للعمرانية الكبيرة بأن تكون مطلقة الحرية في تحقيقه. وذلك بالتحديد انطلاقاً من كون المبنى الذي صممته ونفذته، ملحقاً بمبنى آخر سابق الوجود ومضطر الى أن يماشيه شكلياً على الأقل ناهيك باضطراره الى مماشاته وظائفياً.> والحقيقة أن زها حديد تحدثت بنفسها في حينه عن هذا المشـــروع بلغة شديدة البساطة- كما يقول الباحث فيليب جوديديو الذي كرس لحديد كتاباً خاصاً في سلسلة عن كبار العمرانيين تصدرها منشورات «طاشين» الألمانية العالمية، إذ قالت: «لقد كانت غايــة هذا الزبون- وتعني طبعاً شركة بي إم دبليو لصناعة السيارات الفخمة - أن نصل الى التعبير عن هندسة عمرانية صناعية من خلال إنجاز تصوّر جمالي يتلاءم كل التلاؤم من ناحية مع توقعاته الوظائفية ومن ناحية ثانية مع الصورة التي يقدم بها نفسه الى العالم.» وتضيف حديد أن هذا المبنى المركزي الذي كُلفت بإنشائه ليشغل المنطقة الانتقالية بين فضاءات التصنيع والحيز العام الذي يمكن الزائرين دخوله، «يلعب هذا المبنى نوعاً من دور الوسيط الذي ينبغي عليه أن يفرض ذاته بشكل متواصل أمام أعين المتفرجين بشكل محمل بالمعاني الدقيقة. ويفيدنا جوديديو في كتابه المذكور بأن زها حديد قد فازت في المسابقة التي أجرتها شركة البي إم دبليو عام 2002 على رغم معرفتها بأنه يصعب عادة على المؤسسات العمرانية القبول بخوض مغامرة من ذلك النوع. وذلك بالتحديد بالنظر الى أنه كان قد سبق للشركة أن اتخذت قراراتها وشرعت حقاً في العمل على المنشآت الأخرى المتعلقة بالمصنع نفسه. ومعنى هذا انه كان على زها حديد المعتادة على تكوين مشاريعها من ألفها الى يائها مستندة فقط الى جغرافية البيئة وتاريخها، كان عليها هنا أن تشتــغل آخذة في حسبانها ما هو مقرر من دون مساهمتها. والأدهى من ذلك أن المقـــاولين الآخرين الذين كان قد تم التعاقد معهم من أجـــل بقـــية أجزاء المصنع، كانوا قد حضّروا بالفعل قطعاً وأجزاء عديدة مسبقة التصنيع كي تكون جزءاً أساسياً من المشروع.> طبعاً كان ذلك كله يشكل العديد من التحديات في وجه زها حديد، لكنها لن تتردد بل أدركت على الفور أن عليها أن تبتكر ضمن الحدود المتاحة لها، لكي تتمكن من تحويل ذلك المبنى الذي يراد منه أصلاً أن يكون مجرد مدخل الى المصنع، أو بالأحرى الى مناطق التصنيع الثلاث المتلاصقة ولكل منها خصوصياتها الشكلية تبعاً لوظائفها المختلفة، الى حيز مستقل. وكانت استجابة العمرانية- التشكيلية تنطلق من فكرة غاية في البساطة: ستنظر الى المبنى الذي تشيده باعتباره عصب المجمع الصناعي بأسره. وكان المغري في الأمر أن هذه الفكرة لا تبتعد عما قد يكون العقل التجاري لشركة من هذا النوع راغباً فيه وإن بشيء من التكتم: فالمبنى هو بعد كل شيء مركز للترويج، غايته ليس إرضاء العمال أو الترفيه عن موظفي الشركة بقدر ما هو اجتذاب المشترين وإغواؤهم، أولا بالراحة النفسية الجمالية التي يمكنه توفيرها، ولكن أكثر من هذا انطلاقاً من المشهد الذي يقدمه في إطلالته على ما يحدث داخل قاعات التصنيع، ومن المعروف أن مشهد تصنيع السيارات وتركيب أجزائها بما في ذلك من تضافر بين الجهد الإنساني والأتمتة يشكل متعة بصرية ما بعدها من متعة. وبالتالي كانت مأثرة مشروع زها حديد ذلك الانفتاح البديع الذي يقدمه على الداخل التصنيعي بشفافية تجعل المشهد كله أشبه باستعراض يتواصل على شكل شلالات من الزجاج والأضواء تتيح للزائر، ولكن كذلك للعمال والموظفين أنفسهم خلال فترات استراحتهم، أن يشعروا بأنهم باتوا جزءاً من المشهد ككل. بهذا حولت زها حديد العمل نفسه الى استعراض متواصل أو في تعبير موفق لها: لقد بتنا هنا أمام شفافية اجمالية ترينا التنظيم الداخلي لصناعة وتركيب وإدارة هذه السيارات التي تتحول هنا الى مشهد أسطوري... وكل هذا من دون أن تنسى الفنانة المبدعة أن تضيف، هي التي ولدت في بيئة مناضلة، أن غاية أخرى «تم التوصل اليها هنا من خلال تلك الشفافية: غاية تقوم في مضافرة شتى الوظائف في بعضها بعضاً بقصد تفادي ذلك الفصل الذي يقوم عادة بين المجموعات والتراتبيات».> وهكذا تمكنت تلك الفنانة العراقية الأصل والتي وصلت الى العالمية الحقيقية بحهودها وإبداعها، من أن تحوّل ذلك المشروع الذي كان ضاغطاً، الى إنجاز فني صناعي اجتماعي مفعم بالروح الإنسانية والشفافية. ومن المعروف أن زها حديد التي رحلت عن عالمنا عام 2016 ولدت في بغداد عام 1950 ودرست الهندسة المعمارية والرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت ثم في لندن التي استقرت فيها وراحت انطلاقا منها، ومنذ نهاية سنوات السبعين تنطلق حول العالم محققة تلك الإنجازات العمرانية مصرة على القول دائما أنها إنما تحقق في تلك الأعمال طموحاتها التشكيلية هي التي كان الرسم هوايتها الأولى والدائمة.
ابراهيم العريس
الحياة: ٢٩-١٢-٢٠١٧