والحقيقة أن جمهور سوكوروف كان ينتظر ذلك الفيلم منذ سنوات، لكنه لم يكن يعلم أنه سيكون بالنسبة إلى المخرج، الخاتمة الموعودة لرباعية سينمائية تدور من حول الديكتاتور. وهي «رباعية»، كان سوكوروف قد شرع في تحقيق أجزائها فيلماً بعد الآخر بدءاً من عام 1999 حين قدم الجزء الأول بعنوان «مولوخ». وهو بعد ذلك بثلاثة أعوام قدّم الجزء الثاني بعنوان «طوروس» ليلحقه بعد عامين آخرين بالجزء الثالث «الشمس». وبعد ذلك وطوال ما يقرب من ست سنوات، راحت التكهنات تتتابع من حول «الديكتاتور» الذي سيكون محور الجزء الرابع والأخير. فالحال أن «مولوخ» دار من حول هتلر، ودار «طوروس» من حول لينين، ليكرّس «الشمس» للإمبراطور الياباني هيروهيتو. ولما كانت عصورنا الحديثة حافلة بكل أنواع الديكتاتوريين ممتدين على شتى القارات وعلى شتى عقود القرن العشرين، تم تداول كل الأسماء الممكنة وغير الممكنة، باعتبارها ستثير اهتمام المخرج الروسي فيجعل من أحدها موضوع العمل الختامي. ولكن هذا الأخير فاجأ الجميع عام 2011، بجعله «فاوست» موضوع ذلك العمل. وتساءل كثر عما إذا كان سوكوروف جدياً حقاً في توجهه إلى ذلك الاختيار.

> للوهلة الأولى، إذ عُرض «فاوست» في المهرجان الإيطالي وأكدّ مخرجه أنه خاتمة حلقة أفلامه عن الديكتاتوريين، لم تبد الأمور واضحة إذاً... ولكن بالتدريج بدأت حلقة قابلي الفكرة تتسع متجاوزة تلك النخبة من محبي سينما سوكوروف التي اعتادت متابعته وفهم مراميه منذ المشاهدة الأولى. ليبدو واضحاً بعد حين أن ثمة أموراً كثيرة ترتبط بالعلاقة بين الأفلام السابقة الثلاثة، كان لا بد أخيراً من العودة إلى فاوست كي تزداد وضوحاً. وآية ذلك أن سوكوروف وفي كل من أفلامه تلك لم يختر أن يتوقف عند لحظات متشابهة أو متقاربة من حياة ومسار «أبطاله» الثلاثة، ليوحّد بين رؤيته مسار أو مصير كل واحد منهم. فمثلاً نراه في «مولوخ» يستنكف عن اختيار أية لحظة درامية من مسار هتلر السياسي (ذروة صعوده إلى السلطة، أو لحظاته الأخيرة وانهياره وانتحاره على سبيل المثل) بل اختار واحدة من أزهى لحظات انتصاراته عام 1942 حين كانت جيوشه تسجل انتصارات باهرة قبل معركة ستالينغراد، حين انضم إلى عشيقته إيفا براون مع حفنة من المقربين منه في منتجع يحتفلون بالانتصارات. كل شيء بدا يومذاك زاهياً مطمئناً حتى لو وقفت براون ذات لحظة لتنبهه إلى أن «ليس ثمة مجد يدوم»... صحيح أن هذه الجملة تمر عرضاً ولم يبال بها هتلر يومذاك، فهو كان يعيش ذرى المجد ونهم السلطة واليقين بأنه باق هنا إلى الأبد. لكننا نحن معشر المتفرجين نعرف يقيناً ما الذي سيكون عليه مصيره بعد سنوات قليلة، أما بعد مشاهدتنا «فاوست»، فسندرك كيف أن سوكوروف إنما أراد لنا بين كل فيلم وآخر أن نلتقط عملية السلطة والارتفاع والسقوط من خلال ذلك الرهان الفاوستي الذي يكون في خلفية كل مسعى ديكتاتوري...

> في الفيلم التالي «طوروس» لدينا لحظة انتصار أخرى، هي هذه المرة انتصار الثورة البولشفية التي قادها لينين. واللحظة التي يلتقطنا الفيلم فيها هي لحظة ذروة انتصار الثورة واستتباب السلطة للينين، لكنه هو يكون قد خسر كل شيء. فها هو الآن وقد أقعدته محاولة اغتياله يقبع وحيداً مدمراً، ولا يكف في لحظة عن سماع خطوات خليفته في السلطة (ستالين طبعاً) وهو يبدو كما لو كان يروح ويجيء خارج غرفة لينين بشكل يبدو لهذا الأخير ولنا كما لو أنه يستعجل رحيل الزعيم ليحل مكانه. وبالتالي ها نحن الآن أمام رهان فاوستي جديد إنما له وجهان: وجه يجابهنا مباشرة في لحظة خسارته الشخصية (لينين)، ووجه آخر ها هو يبدأ لتوه إنما وراء الستار، ومن خلال المشاعر التي يفترض الفيلم، ونفترض نحن بالتالي أنها تعتمل في عقل لينين وهو يتساءل عن فائدة أن يربح العالم كله ويخسر نفسه. وهنا مرة أخرى، من الواضح أن ثمة في «»طوروس» أموراً كثيرة ستظل منغلقة، في فكرانية الفيلم على الأقل، حتى نشاهد رابع أجزاء الرباعية، حيث يطالعنا الرهان الفاوستي وقد ازداد اتّضاحاً وارتباطاً، بالتالي، بالمشروع السوكوروفي.

> أما في «الشمس»، ثالث أجزاء الرباعية، فالأمور تبدو وإلى حد ما، أكثر وضوحاً من ناحية العلاقة مع الأسطورة الفاوستية، فنحن الآن في آخر أيام الحرب العالمية الثانية وها هم الأميركيون انتصروا نهائياً على اليابانيين بفضل هجومهم الكاسح الأخير، ولكن بخاصة بفضل إلقائهم القنبلتين النوويتين المدمرتين القاتلتين على هيروشيما وناغازاكي. وها هو الإمبراطور، شمس السماوات المشرقة، يخرج من ملاجئه الإمبراطورية مستعداً لتوقيع شروط الاستسلام شرط أن يبقى في السلطة. إذاً هنا وعلى عكس ما يحدث في «طوروس» سيخسر الإمبراطور العالم، لكنه سيحافظ على نفسه. سيحافظ على سلطته وعلى شمسه مشرقة على رغم الهزيمة. الرهان الفاوستي هنا أكثر وضوحاً كما قلنا، لأنه أكثر تسيّساً ومعبّر عنه بشكل مادي، حيث أن مفيستوفيليس هنا هو الجنرال ماكآرثر الأميركي الذي كان هو المنتصر، وسيكون تحقيق الرهان على يديه. على يديه تأبيد سلطة الإمبراطور- الديكتاتور. السلطة ذاتها التي تؤمَّن لهتلر من طريق انتصاره الزاحف، ولموسكو من خلال الخليفة المسترق السمع من خلف أبواب الكرملين في انتظار وترقّب السلف لافظاً أنفاسه الأخيرة، أما هنا فمن خلال استمرارية لا تشوبها شائبة ولا يدمّرها حتى الهزيمة المؤكدة.

> من الناحية الحدثية، كل هذا يبدو واضحاً وراسخاً في مكانه في كل واحد من الأفلام الثلاثة التي حرص فيها سوكوروف كما هو واضح على أن يقدّم ثلاثة حكام يعتبر كلَّ واحد منهم ديكتاتوراً على طريقته، وديكتاتوراً غير عاديّ على أيّ حال، حاكماً يلعب لعبة التاريخ متأرجحاً بين ما هو ذاتي وما هو موضوعيّ، بين الخاص والعام وكأن العالم والمصير لعبة شطرنج لا بد من تحقيق الانتصار فيها مهما كان الثمن. لكن البعد الإجمالي للثلاثية، لن يكون على مثل هذا الوضوح قبل مشاهدة «فاوست». والحقيقة أنه لئن كان كثر من الذين تناولوا الأسطورة الفاوستية من مارلو الإنكليزي، إلى غوته وتوماس مان الألمانيين- ونعرف أن سوكوروف قد استند بخاصة إلى عملي هذين الأخيرين عن «فاوست» مقيماً نوعاً من التمازج بين «فاوست» غوته الذي يبدو الأكثر قرباً من الأسطورة الحقيقية، و «الدكتور فاوستوس» الأكثر معاصرة والذي حَدْثَن فيه توماس مان الأسطورة القديمة جاعلاً إياها منتمية إلى القرن العشرين وفكرانيته، قد اهتموا بتفسير الأسطورة على ضوء أخلاقية كل عصر من العصور، فإن ما جدّد فيه سوكوروف إنما كان استخدامه جوهر الشخصية الفاوستية لتقديم ذلك التفسير اللاحق الذي كان لا غنى عنه لرسم تصوّر كامل لمشروعه عن مسار شخصية الديكتاتور. وعلى هذا النحو، على أيّ حال، فُهم هذا الفيلم وبات واضحاً في نهاية الأمر جوهر مشروع المخرج، حتى وإن ظللنا، بشكل جانبي، في حاجة لأن نفهم السبب «الخفيّ» الذي جعل الرئيس الروسي الحالي بوتين يعتبر «فاوست» واحداً من أفضل الأفلام التي شاهدها في حياته (!) جاعلاً من ألكسندر سوكوروف مخرجه المفضل!

> مهما يكن فإن الكسندر سوكوروف المولود عام 1951 في إركتوسك السوفياتية يعتبر ومنذ بداياته عام 1978 واحداً من أشهر وأفضل أبناء الجيل الجديد من السينمائيين الروس، هو الذي سُمّي «فنان الشعب» عام 2004. وحتى لئن كان إنتاجه وتألق أفلامه قد تضاءلا في السنوات الأخيرة، فإنه وعلى الأقل حتى «فاوست» الذي شكل آخر إطلالة سينمائية كبيرة له على العالم الخارجي، حقق عشرات الأفلام بين طويل وقصير وروائي ووثائقي، أشهرها، إلى جانب «الرباعية»، «الدائرة الثانية» (1990) و «ابن وأم» (1997) وبخاصة «المركب الروسي» (2002)- الذي يزور مشاهد من تاريخ روسيا وأوروبا من خلال لقطة واحدة طولها تسعون دقيقة صُوّرت بكاملها في متحف الإرميتاج - و «أب وابن» (2003) و «ألكسندرا» (2007).

 

 alariss@alhayat.com

ابراهيم العريس

الحياة: ٣٠-١٢-٢٠١٧