الخبير بيلوغلازوف يقول إن "مينيخانوف كرئيس لمجموعة الرؤية الإسترتيجية روسيا – العالم الإسلامي لا يمثل تتارستان فحسب، بل روسيا الاتحادية، وهذه المجموعة تأسست عام 2006 لكنها توقفت عن العمل خلال "الربيع العربي"، وعندما استأنفته عام 2014 عين الرئيس الروسي مينيخانوف رئيسا لها".

وبحسب رأي الخبير فإن تطبيع العلاقات مع ممالك وإمارات الشرق الأوسط يعتبر من أبرز مهام الرئيس التتارستاني في ظل فترة عدم الاستقرار التي تمر بها المنطقة، وعليه فإن روستام مينيخانوف يعمل على تمثيل روسيا في العالم الإسلامي بأسره.. "مهم جدا، بحسب رأيي، ما تقوم به روسيا حاليا إلى جانب إيران وتركيا برعاية لمحادثات أستانا، أي نقل تسوية الملفات الشرق أوسطية إلى الصيغة الثلاثية، لكن هذا يحصل من دون المملكة العربية السعودية، والمملكة أيضا قوة إقليمية وتنافس إيران وتركيا. وعليه فإن استبعادها أزعجها بعض الشيء"، لذا يُعتقد أن زيارة مينيخانوف كان لها هدف محدد وهو تحسين العلاقات معها. الرئيس فلاديمير بوتين لا يمكنه حاليا الدعوة إلى التقارب بين بلدينا، لأن السعودية وإيران خصمان لدودان. مينيخانوف هو رسول روسيا للسلام، وهذا إشارة رمزية مفادها أننا نتطلع لتطبيع وتحسين العلاقات، وكوننا مع إيران وتركيا لا يعني أبدا أننا نريد الاستغناء عن الاتصال بالمملكة العربية السعودية .. لدينا نقاط تماس مشتركة كالمناطق التي يسكنها مسلمون، فعددهم في بلدنا يصل إلى عشرين مليون مواطن وهم بشكل دائم يقومون بأداء مناسك الحج، واعتقد أن الملك يفهم أيضا ضرورة التشارك في جميع العمليات السياسية، وأن روسيا اليوم لاعب قوي جدا .. وفِي هذا السياق فإن المملكة تنظر لمينيخانوف كسفير لروسيا يقوم بالخطوة الأولى في طريق التقارب".

في الوقت نفسه، فإن مشاركة مجموعات رجال الأعمال التترستانية في زيارة المملكة العربية السعودية لها أهمية كبيرة بالنسبة للجمهورية من الناحية الاقتصادية .. ويشير الخبير إلى أن " تشكيلة الوفد تتحدث عن نفسها بنفسها. فإلى جانب رئيس تتارستان وصل المملكة وزير الزراعة في هذه الجمهورية، ورؤساء شركات"تات نفط" و"تايف" و"أورغسينتيز" وبنك "أكبارس"، وهذا الأمر يوضح التوجه المحتمل للتعاون" . ألبيرت بيلوغلازوف يعتبر أن صادرات المواد الزراعية ستكون من بين أبرز مجالات التعاون .. "في البداية تصدير الحبوب ومنتجات الألبان، وهذا ممكن لأن المملكة امتنعت العام الماضي عن زراعة القمح وحبوب أخرى وبدأت بالاستيراد من الخارج. وفِي العام نفسه أصبحت روسيا عام 2016  رائدة عالمياً في تصدير الحبوب، لكننا لم نتعاون في هذا المجال مع المملكة .. لذا سيكون من الصواب منطقياً بالنسبة للسعودية شراء الحبوب ومنتجات الألبان من منطقة إسلامية، فهي حلال وأكثر نظافة".

وبحسب رأي الخبير فإن تطوير حقول النفط من المواضيع ذات الاهتمام المشترك.. فـ"لدى "تات نفط" خبرة جيدة اكتسبتها في ليبيا والعراق وسوريا حيث تم اكتشاف أبار نفط جديدة واستخدام تقنيات حديثة في استخراجه، لكن هذا حصل قبل الحرب، واليوم لدى الشركة التترستانية طاقة إنتاجية فائضة لم تستخدم في دول الشرق الأوسط .. لدى الشركة خبرة في العمل في ظروف الصحراء والحرارة المرتفعة التي تشبه مناخ السعودية، لذا تستطيع "تات نفط" الفوز بمناقصة ما وهو أمر سيكون في مصلحة السعودية أيضا" .. أما ما يخص "أورغسينتيز" و "تايف" فيرى الخبير أن السعوديين يدركون القيمة الربحية المنخفضة من بيع النفط الخام بالمقارنة مع مشتقاته وستكون المملكة مهتمة بقدراتنا التقنية في تكرير النفط ..

منتجات شركة "كاماز" قد تثير أيضا اهتمام الشركاء السعوديين مع استثناء واحد فقط، إذ يجب أن تكون المنتجات مصنعة بميزات تصديرية. "في العام الماضي كانت لدينا تجربة محزنة، إذ تم شراء دفعة تجريبية مؤلفة من 25 سيارة حيث قرروا أنهم إذا أعجبتهم سيقومون بشراء المزيد، لكن بعد ذلك جاء رفض، فالسيارات على ما يبدو لم تعجبهم .. علما ان "كاماز" أكدت دائما خلال رالي "باريس- داكار" قدرات السيارة في الصحراء، لكن تلك الشاحنات كانت معدلة خصيصا. وعليه فإذا قمنا بتصنيع شحنة سيارات للسعوديين معدلة لتناسب الصحراء، فإن ذلك سيزيد من الطلب عليها لأن سعرها منافس بالمقارنة من نظيراتها الغربية". ويضيف الخبير أن "مجال المروحيات مهم أيضا، على الرغم من أنه لم يكن ممثلا في الوفد .. فمروحياتنا أبلت بلاء حسنا خلال عملية حفظ السلام في تشاد، وتعاملت هذه المروحيات مع اللاجئين في دارفور حيث كانت تتعطل معظم النماذج الغربية، في حين كان المنتَج التترستاني يعمل بلا مشاكل. وبالنظر لأن هذه المروحيات عملت جيدا خلال العواصف الرملية فإن السعوديين سيكونون مهتمين بها ".

الخبير يشير أيضا إلى الإمكانية العالية للتعاون بين تترستان والمملكة العربية السعودية في مجال التمويل والمصارف الإسلامية .. " كان لدينا مشروع تجريبي أول قبل عام، أي في آذار/مارس 2016 حين افتتحنا أول بنك إسلامي حمل إسم "مركز الشراكة المصرفية" وعمل على أساس مصرف "تات فوند بنك". وبما أن هذاالمصرف يعاني حاليا من صعوبات كبيرة وأوقف جميع عملياته، فإن المصرف الإسلامي الذي كان يعمل على أساسه أوقف نشاطه، والآن يدور الحديث حول افتتاح مصرف إسلامي خاص، لكن هذه المرة ليس على أساس مصرف آخر، بل ربما بمساعدة الشركاء الشرقيين، لكن المشكلة تكمن اليوم في أن القوانين الروسية لا تسمح باستخدام جميع آليات المصارف الإسلامية. ومع ذلك كلنا أمل بسبب أن جميع المصارف الغربية لديها فروع إسلامية.  

اليوم يقدر القطاع المالي المصرفي الإسلامي بحوالي 2 تريليون دولار، ويعمل أكثر من 500 مصرف وفقا لأحكام الشريعة، وعليه فإذا كانت المصارف الغربية تفتتح فروعا إسلامية لها، فلماذا لا نفعل الشيء ذاته في روسيا .. فكلما ارتفع عدد البنوك واختلفت مبادؤها، ازدادت نسبة الاستقرار في المنظومة برمتها .. كذلك فإن المستثمرين المسلمين سيكونون أكثر استعدادا لضخ أموالهم في اقتصادنا عبر البنوك الإسلامية".

ألبيرت بيلوغلازوف يرى أيضا أن آفاق تعاون تترستان وروسيا مع منظمة التعاون الإسلامي كبيرة جدا. فـ"المنظمة تضم 57 دولة وروسيا انضمت إليها كعضو مراقب عام 2005 وافتتحت على الفور مكتبا تمثيليا لها في جدة حيث مقر المنظمة. في البداية كان لدينا ممثل خاص مثل كميل إسحاقوف، والعلاقة مع المنظمة كانت جيدة منذ ذلك الوقت. وسنويا تستضيف تترستان وبدعم من منظمة التعاون الإسلامي "منتدى قازان". بكلمة أخرى، المنظمة هي بالنسبة لنا بوابة انفتاح على نحو57 دولة، وتلعب السعودية فيها دورا رياديا وتستضيف مقرها، كما أن رئيسها الحالي، أي رئيس المنظمة، سعودي الجنسية".

 خلال حديثه مع العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز سلم رئيس تتارستان الملك دعوة باسم الرئيس فلاديمير بوتين لزيارة روسيا .. ويرى ألبيرت بيلوغلازوف أن "زيارة الملك سيكون لها دور كبير في دعم الموقف الروسي في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية لأن المملكة لديها أوراق مؤثرة في جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي".

الخبير يرى أن روسيا والمملكة العربية السعودية استطاعتا على الرغم من عدم الاستقرار الجيوسياسي العام الماضي، إيجاد نقاط تماس، بالأخص في ما يتعلق بكميات استخراج النفط .. "يستحوذ النفط على 95 بالمئة من حجم صادرات المملكة، وعليه المثير من الأمور يتعلق بأسعاره، وبما أن روسيا تعتبر إلى جانب المملكة من أكبر مصدري النفط في العالم، فإن الاتفاق فيما بينهما كان مهما جدا .. دول مجموعة الأوبك لم يكن بمقدورها التحكم بمفردها بالأسعار، لأنها تستحوذ على نسبة 40 بالمئة فقط من سوق النفط العالمية. ونهاية عام 2016 تم توقيع اتفاق بين روسيا والمملكة العربية السعودية والآن حان وقت الخطوة التالية، يجب التعاون في مجال التبادل التجاري".

وهنا لا يسعنا إلا التذكير بأنه خلال زيارة العمل إلى السعودية الأسبوع الماضي التقى رئيس تتارستان رستم مينيخانوف بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ..

ترجمة: