الجزء الخامس

 

طرق إدارة المدى والاقتصاد

 

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل لروسيا طريقها الخاص في إدارة الاقتصاد ؟ وما هي علاقة الرّوسي حاكمًا ومحكوما" بالعمل كقيمة ؟ هل هناك من دور مؤثر لمنظومة القيم الثقافية الموروثة على سيرورة تسيير شؤون الدنيا وبالذات الاقتصاد ؟ وكيف يمكن تحديد مكانة روسيا في سياق التجارب العالمية الرائدة التي تمكنت من أن تجمع بين إرثها الثقافي الروحي وبين قيم المعاصرة؟

قبل محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات لا بد من ذكر مجموعة من الأعمال الرائدة التي تناولت دور الموروث الأخلاقي والروحي في تحريك جوانب معينة من الاقتصاد. ولعلّ أبرزها الكتاب ذائع الشهرة الذي كتبه ماكس فيبر "الأخلاق البروتستانتية والرأسمالية" فهو الذي دشن حقلاً معرفيًا جديدًا في علم اجتماع الحضارة أكد فيه على إن الأخلاق في مفهومها البروتستانتي لها الدور المحفز لنشاط الإنسان الاقتصادي في المجتمعات الغربية، والنظرة الخاصة للعمل كقيمة دينية مركزية في حياة الإنسان الفرد وفي حياة الجماعة.

 وبالتالي إن التمتع بهذه السمات يجعل المرء يعيش حالة تصالح بين دينه ودنياه، بين إرثه الثقافي وحاضره المعاصر. في حين طلعت أفكار أخرى من علم الاجتماع والانتروبولوجيا تقول بأن تكوّن الإنسان العملي المعاصر، لا يتم ولا يتبلور حضوره الفاعل في النشاط الاقتصادي المعاصر، إلا إذا أحدث قطيعة معرفية وثقافية مع موروثه التاريخي. ويمثل هذه النظرة السوسيولوجي والأنتروبولوجي الأميركي أنكلس، هذا الذي أدار فريق أبحاث لمدة تتجاوز العشرات من السنين. لقد درس سيرورات العصرنة في بلدان مختلفة من القارات الأوروبية والآسيوية والأفريقية والأميركية. وخلاصة أبحاثه (15) تشير كلها إلى أن الدخول الشامل في عصرنة مجتمع معيّن يتطلب التخلي عن كل المعيقات التاريخية الراكنة في الذاكرة الثقافية للمجتمع.

في حين طلعت الدراسات السوسيوثقافية بآراء أخرى مناهضة لإنكلس ومن يتعاطف معه، تشير إلى أن مصالحة لا بل تناغمًا معينًا يمكن أن يحدث بين الموروث الثقافي لمجتمع معين أو لحضارة معينة وبين الحداثة. وأنصار هذا التيار الذي يمثله علماء وبحاثة معروفين من كل القارات تقريبًا، أبرزهم هوفستيد، وغاسكوف، وسالك، سابشيك، ناوموف، لورا، Spence، ماربت، ميرفين فيغا وغيرهم (16).

وتجربة كل من اليابان والصين وماليزيا وسنغافورة أكدت صحة التوجه الثاني. فهذه البلدان قدمت نموذجًا ساطعًا على التوازن بين الموروث الثقافي وبين الدخول بشكل فعال ومن موقع المنتج في عصر الحداثة.

 وفي هذه المسيرة العالمية من التوجه الداعي للتوفيق بين التراث والمعاصرة والآخر المنخرط بنشاط في العصرنة دون أن تعنيه كثيرًا الذاكرة التاريخية والرأسمال الثقافي للشعوب، أين تقف روسيا ؟

 المقاربات الرّوسيّة لهذه المسألة متنوعة لا بل مختلفة إلى درجة التناقض الحاد. وهذا يرجع إلى زمن سحيق في التاريخ الرّوسي. فقبل إصلاحات بطرس الأكبر، كانت روسيا تحاول في كل مرحلة من مراحل تاريخها أن تكون فلسفة اقتصادية لإدارة دنياها.هكذا كان الأمر في المرحلة الوثنية بعدها في المرحلة المسيحية، وأيضاً بعد بطرس الأكبر، وفي المرحلة السوفياتية الشيوعية. وفي كل مرحلة من المراحل كان العقل الاقتصادي الرّوسي متخلفًا عن الإدارة الديناميكية والمنتجة للمكان. ولكي لا نكون متسرعين بالاستنتاج لا بد من التوقف عند مجموعة من العوامل التي تساعدنا على فهم كيفية إدارة العقل الاقتصادي الرّوسي للمكان.

الهوامش

1-        Dictionnaire de la sociologie. Ed. Larousse. Paris, p. 144.

2-        Vocabulaire des sciences sociales. P.U.F. Paris, 1978, p. 215.

3-        Les mentalités. P.U.F. Paris, 1971, p. 30.

4-        راجع بهذا الصدد كتابات إيغور شافاريفتش: "المعادون للروس"، موسكو 1994؛ "كيف تموت الشعوب"، موسكو 1996؛ "الروس في زمن الشيوعية"، موسكو 1999؛ "أفكار خاصة حول تاريخ اليهودية"، موسكو 2003؛ "الشعب الرّوسي والدولة"، موسكو 2004؛ "مستقبل روسيا"، موسكو 2005؛ "لماذا يتحمل الروس"، موسكو 2005 وغيرها.

5-        راجع بهذا الصدد بعض أعمال كسينيا كاسيانوفا "حول الطابع القومي للروس"، سانت بطرسبورغ، 1984؛ "يمكن أن نشكل نحن الروس، أمة ؟"، سانت بطرسبورغ، 1994؛ "بعض السمات الإتنية للروس"، سانت بطرسبورغ، 1993. "روسيا في الزمن المعاصر..." سانت بطرسبورغ، 1993 وغيرها (*).

6-        إيفان إيلين. جوهر وخصوصية الثقافة الرّوسيّة. تأملات ثلاثة (1941-1944)، موسكو، 1998.

7-        المرجع السابق.

8-        المرجع نفسه.

9-        إيفان إيلين : حول الرّوسيا، برلين 1934 (بالرّوسيّة).

10-      كسينيا كاسيانوفا "حول الطابع القومي للروس"، مصدر سبق ذكره.

11-      المصدر نفسه.

12-      إيفان سيكورسكي. سمات من سيكولوجية السلاف. موسكو، 1895.

13-      سرغي كاراميرزا. التحكم بالوعي. موسكو، 2000.

14-      ألكسندر بوشكين. "حول تاريخ روسيا في القرن الثامن عشر". موسكو 1822.

15-      Inkeles, Smith, 1985; Inkeles, 1978, Inkeles, Diamond, 1980.

16-      Hofstede, 1980; Goskov, 1988; Salk, 2000; Sobshik, 1997; Haymov, 1996; Laura, 2000; Merige, 2000; Murphy, 1999; Veiga, 2000.

17-      بيفافوروفا وفورسوفا، السلطة الاقتصادية في روسيا، موسكو 1999، ص 188-189.

18-      المرجع السابق، ص 182.

19-      كلوتشكوفسكي ف. التاريخ الرّوسي، موسكو 1956، ص 314.

20-      راجع مجلة "العلوم الاجتماعية والعصر"، عدد 1، موسكو 2003، ص 43.

21-      المرجع السابق، ص 44.

22-      المرجع السابق، ص 45.