الجزء السادس

العامل الحضاري – الاقتصادي

خضعت إدارة الاقتصاد الرّوسي والنظرة إلى دور الإنسان في العملية الاقتصادية في التاريخ الرّوسي لعوامل داخلية وخارجية. فالفلسفة الرّوسيّة حول الاقتصاد لم تأخذ معالم مستقلة ولم تتبلور حتى هذا التاريخ. ذلك لأن العلوم والفلسفات التي برزت أوروبياً وعالمياً، كانت بمجملها منبثقة من العقل الفلسفي والاقتصادي الأوروبي الغربي.

 فالفلسفة الاقتصادية الغربية ترتكز بمجملها على مبادئ الملكية الخاصة والمجتمع المدني والفردية. وهذه المبادئ التي يتفاوت حضورها في هذا البلد الأوروبي وذاك فإنها بطبيعة الأمر لم تعكس حقيقة الأمور المتوارثة والراهنة في المجتمعات الأخرى خارج الشق الغربي من القارة الأوروبية وخارج ما يسمى بالغرب عامة. لذا فإن التسمية التي أطلقت عليها بالـ "مركزية الأوروبية" لا تخلو من عدم الصحة. علمًا بأن الفلسفات الاقتصادية الأخرى غير الليبرالية ذات المضمون الاشتراكي والمنطلقة من الفلسفة الماركسية، أكدّت حضورها في القرن الماضي، وانتهت إلى ما انتهت عليه في الخمس الأخير من الثمانينات. وهاتان الفلسفتان دخلتا في عمق التفكير الاقتصادي الرّوسي وما زال السجال دائرًا حول أي منهما أصح لإدارة الاقتصاد الرّوسي.

بيد أن الرؤية الاقتصادية الرّوسيّة لتسيير شؤون الدنيا تحكم فيها عبر التاريخ عاملان، الأول آسيوي والثاني أوروبي. وهذا لا يتعلق فقط بحكم تواجد الاقتصاد الرّوسي على المدى الجغرافي الأوراسي، بل بعدد من المعطيات التاريخية التي شهدتها روسيا في تاريخها الوسيط والحديث. والتي يمكن اختصارها بالبعد الرّوسي الأوروبي والبعد الرّوسي الآسيوي. الأول الذي تكون من خلال قيم أوروبية معينة في الاقتصاد ملخصها المعادلة التالية (مجتمع مدني + مؤسسات حكومية)، تطور الفردية مع إعطاء الأولوية للامتيازات الشخصيَّة. والثاني هو النموذج التاريخي المرتبط بالاستبداد السلطوي الآسيوي الذي يعطي الأولوية لهيمنة ملكية الدولة ولتسلط المؤسسات الحكومية، مع غياب ملحوظ للمجتمع المدني، وغلبة لقيم الجماعة على حساب قيم ومصالح الفرد.

والسؤال المطروح هنا في هذا السياق لأي من البعدين أو العاملين كانت تميل الإدارة الرّوسيّة الاقتصادية للمكان وللإنسان ؟

فالذين درسوا روسيا في القرون العشرة الأخيرة ومنهم دراسات بيغافورفا وفورسوفا، 2002؛ شوبايتس 1998؛ سوساكولوف 1994؛ ميجوييف 2001 وغيرهم، يشيرون إلى العوامل الحاسمة التالية التي ميزت الإدارة الاقتصادية لروسيا ولمجمل حياتها الاجتماعية؛ هو كيفية خلق شبكة من العلاقات الاقتصادية بين السكان الروس الذين يقطنون في أماكن متباعدة جدًا عن بعضها بعضاً وذلك في ظروف مناخية قاسية جدًا تميز مناخات القطب الشمالي من الكوكب. والعامل الآخر ولعله الأهم، وهو العملية التاريخية الطويلة التي تطلبت جمع الأراضي الرّوسيّة. فالتمدد الواسع الذي استمر طوال 600 سنة، والفتوحات والغزوات المستمرة التي استدعت من الدولة المركزية أشكالاً خاصة من الحكم والسلطة، من العسكرة الدائمة للبلاد، الأمر الذي أدى إلى توتر دائم رافق حياة الشعب.

فالباحثتان بيغافورفا وفورسوفا تشيران إلى خصوصية السلطة الرّوسيّة في التاريخ الرّوسي، فتقولان "إن السلطة لم تكن سياسية أو حكومية أو اقتصادية. السلطة كانت سلطة ميتافيزيقية، سلطة بحد ذاتها. فهي عادة ما كانت تنهار إذا كانت أو أرادت، أن تدير نفسها على النمط الحكومي المعترف عليه أوروبياً، أو أن تطمح لأن تكون سياسية أو اقتصادية بامتياز. هي عادة ما كانت تشرف على الانهيار إذا ما أرادت أن تحكم على الطريقة الغربية، على الطريقة البرجوازية الليبرالية أو غير البرجوازية" (17).

 وحسب اعتقادهن فإن الرؤية للسلطة ولعلاقتها بالمكان والزمان تأثرت إلى حد كبير بالموروث التتري والمنغولي في الديار الرّوسيّة ردحًا طويلاً من الزمن، الأمر الذي أتى بمفهوم آسيوي خاص للحكم والاقتصاد. والرؤية الآسيوية التترية المنغولية تقول : "السلطة هي كل شيء – السكان أو الشعب لا شيء. السلطة هي الموضوع الاجتماعي الأساسي والحيوي... وهذا أدى إلى تحويل الموروث الأوروبي الرّوسي باتجاه نمط آخر. فالغزو التتري – المنغولي لم يغير فقط العلاقات السلطوية في روسيا، بل إنهم أدخلوا على العالم المسيحي مفهومًا آسيوياً خاصاً للسلطة والاقتصاد..." (18).

لم تشهد روسيا مفهوم الملكية الخاصة، مقارنة مع بعض البلدان الغربية أمثال بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، لكل الشعب إلا في فترة متأخرة جداً. شهدت روسيا بداية مفهوم جديد للاقتصاد في القوانين التي أصدرتها القيصرة كاترينا الثانية في عام 1785 عندما شرعنت مفهوم "النبلاء والملاك الصغار". الأمر الذي وسع من مفهوم الملكية لتخرج من نطاق السيطرة المطلقة للأرض والاقتصاد من قبل السلطة المركزية الحاكمة...

 إلا إن دخول روسيا في الحقبة السوفياتية التي تم فيها مرة أخرى القضاء عملياً على مفهوم الملكية الخاصة؛ حصرت الأمور في يد السلطة المركزية التي سيرت الاقتصاد ضمن مفاهيم بدت شكلياً اشتراكية إلا أنها عمليًا كانت أشبه برأسمالية الدولة القابضة على كل الملكيات وبالتالي على كل الاقتصاد. وهي، أي السلطة السوفياتية، في جانب من فلسفتها كانت متأثرة بالموروث الآسيوي المستبد للسلطة والاقتصاد، كما كان الأمر عليه في ظل القياصرة وبالتالي في ظل الحكم التتري – المنغولي لروسيا في أواخر العصر الوسيط.

 فعلى المستوى الاقتصادي كانت الغلبة في تسيير المكان والاقتصاد للروح الآسيوية السهوبية الطامحة للامساك بكل مفاصل السلطة بيدها. بيد أن عوامل أوروبية غربية مرتبطة بتنظيم المدن والمواصلات والعمران والتعلم والعلوم والفنون، تبدو فيها روسيا أقرب إلى الروح العملية للعقلية الأوروبية، مما هي إلى الآسيوية.

فمن بين موجات التأثير الأوروبية والأخرى الآسيوية لا يمكن الكلام حتى تاريخه عن فلسفة اقتصادية روسية مستقلة، متمكنة من إدارة المكان والإنسان بشكل ناجع، وبشكل يرضي أكثرية أبنائها مؤمنًا لهم البحبوحة والاستقرار الاقتصادي والنفسي. وغياب العقل الاقتصادي الناجع والمنتج، لا يرجع فقط إلى هذا العامل التاريخي الاقتصادي الحضاري، بل أن سببًا آخرَ، يترك ثقله الملحوظ على هذا العقل وهو المدى الجغرافي الخاص.

الهوامش

1-        Dictionnaire de la sociologie. Ed. Larousse. Paris, p. 144.

2-        Vocabulaire des sciences sociales. P.U.F. Paris, 1978, p. 215.

3-        Les mentalités. P.U.F. Paris, 1971, p. 30.

4-        راجع بهذا الصدد كتابات إيغور شافاريفتش: "المعادون للروس"، موسكو 1994؛ "كيف تموت الشعوب"، موسكو 1996؛ "الروس في زمن الشيوعية"، موسكو 1999؛ "أفكار خاصة حول تاريخ اليهودية"، موسكو 2003؛ "الشعب الرّوسي والدولة"، موسكو 2004؛ "مستقبل روسيا"، موسكو 2005؛ "لماذا يتحمل الروس"، موسكو 2005 وغيرها.

5-        راجع بهذا الصدد بعض أعمال كسينيا كاسيانوفا "حول الطابع القومي للروس"، سانت بطرسبورغ، 1984؛ "يمكن أن نشكل نحن الروس، أمة ؟"، سانت بطرسبورغ، 1994؛ "بعض السمات الإتنية للروس"، سانت بطرسبورغ، 1993. "روسيا في الزمن المعاصر..." سانت بطرسبورغ، 1993 وغيرها (*).

6-        إيفان إيلين. جوهر وخصوصية الثقافة الرّوسيّة. تأملات ثلاثة (1941-1944)، موسكو، 1998.

7-        المرجع السابق.

8-        المرجع نفسه.

9-        إيفان إيلين : حول الرّوسيا، برلين 1934 (بالرّوسيّة).

10-      كسينيا كاسيانوفا "حول الطابع القومي للروس"، مصدر سبق ذكره.

11-      المصدر نفسه.

12-      إيفان سيكورسكي. سمات من سيكولوجية السلاف. موسكو، 1895.

13-      سرغي كاراميرزا. التحكم بالوعي. موسكو، 2000.

14-      ألكسندر بوشكين. "حول تاريخ روسيا في القرن الثامن عشر". موسكو 1822.

15-      Inkeles, Smith, 1985; Inkeles, 1978, Inkeles, Diamond, 1980.

16-      Hofstede, 1980; Goskov, 1988; Salk, 2000; Sobshik, 1997; Haymov, 1996; Laura, 2000; Merige, 2000; Murphy, 1999; Veiga, 2000.

17-      بيفافوروفا وفورسوفا، السلطة الاقتصادية في روسيا، موسكو 1999، ص 188-189.

18-      المرجع السابق، ص 182.

19-      كلوتشكوفسكي ف. التاريخ الرّوسي، موسكو 1956، ص 314.

20-      راجع مجلة "العلوم الاجتماعية والعصر"، عدد 1، موسكو 2003، ص 43.

21-      المرجع السابق، ص 44.

22-      المرجع السابق، ص 45.