الجزء الثامن

ثقافات العمل والادارة

سيجري تناول هذه الموضوعة في العقلية الرّوسيّة مقارنة مع بعض من مثيلاتها في بلدان متنوعة من الشرق والغرب. وقبل تقديم هذا المشهد المقارن لا بد من التأكيد بأن المنظومة الاجتماعية في سماتها الأساسية تكان تكون كما هي في كل الحقول الاقتصادية وفي مجمل أقطار العالم. وملخصها أن كل منظومة اجتماعية اقتصادية تطمح لأن تأخذ ما في الفرد وعلى مستوى الجماعة أفضل ما لديه ولديها, من أفكار وتجارب من أجل تحسين الإنتاج الوطني كمًا ونوعًا. علمًا بأن في كل ثقافة وطنية هناك بعض السمات الخاصة التي تشكلت تاريخيًا والتي تلعب دور المحفز أو المعرقل لتطوير الإنتاج الوطني على مستوى الأدوات والقوى والمستوى.

 وإذا ما تناولنا ثقافة العمل والإدارة على مستوى الدائرة الوطنية المحددة وأردنا أن نستقرئ الحيثيات الواقعية لهذه الثقافة يجب النظر في فعالية الطاقة العاملة في الإنتاج من خلال المؤسسة وعنصرها البشري، ومدى دقة ومدة ونوعية الإنتاج اليومي والأسبوعي والشهري والسنوي والجهد العقلي والعضلي للعاملين في الإنتاج الجديد المبتكر، والقدرة على الانتقال المرن من نمط إلى آخر ؛ وغير ذلك من التفاصيل التي تكمن فيها الحياة الحقيقية للدورة الاقتصادية.

وفي معرض التحليل لهذه الظواهر والحيثيات والمعطيات يتبين للمرء الطاقة المعطاة المبدعة والمنتجة للعمل، والأخرى العادية والثالثة التقليدية الخامدة. ومن خلال هذا تبرز هنا المؤثرات التاريخية لثقافة العمل والإدارة ونمط التفكير والعلاقة مع كل العملية الإنتاجية في المجتمع.

  فالمؤسسات التي تسير الدورة الاقتصادية في المجتمع وبالذات في ظل الثورة المعلوماتية الجديدة، تحرص على أن تكون مؤهلات العاملين فيها، قادرة على مواكبة التطور ومتمكنة من الإنتاج الذي يتوخى كسب ثقة المستهلك المحلي والأجنبي. وهذا يتطلب أن يكون الاختصاصي المناسب في المكان المناسب، وأن يكون هذا الاختصاصي على درجة معينة من التحصيل العلمي والمهني وعلى مقدرة ذهنية وجسدية لتنفيذ مخزون الوعي المهني المتواجد في ذهنه. وتجارب الشعوب تقدم نماذج متنوعة من التحصيل العلمي المتقدم والتطبيق الدقيق والجميل وصاحب القدرة على التنافس، والأخرى التي ما زالت المتخيلات الاجتماعية والرأسمال الثقافي المترسخ في هويتها وشخصيتها، تقدم نماذج ؛ البعضُ منها نجح في الجمع بين الرأسمال الثقافي وبين العصر، والآخر يقترب من سلم النجاح والثالث ما زال يراوح ويجتر نفسه.

في المجتمع الصناعي تلعب القوة العاملة الدور الملحوظ في تقدم المجتمع أو تأخره. وهذا يرجع إلى مجموعة من المحفزات والثقافات والتجارب التي تقدمها هذه الحضارة أو تلك. كما أن المقارنات بين ثقافات العمل والادارة تبقى خاضعة بدورها لخصوصية الجيوبولتيك والحقبة التاريخية.

 فالمقاربة الرّوسيّة لنظام العمل والإدارة تنظر إليها العقلية المنغولية أو الأوزبكية أو الطاجاكيّة بأنها عقلية غربية، بينما الرؤية الالمانية أو الفرنسية أو الأميركية أو حتى اليابانية، تنظر إلى العقلية الرّوسيّة في نظام العمل والإدارة بأنها شرقية ما قبل حداثية.

لقد أجرى العالم الياباني الاختصاصي في الشأن الرّوسي، البروفسور خاكامادا س. (20) دراسة مقارنة حول التركيبة الاجتماعية – النفسية لليابانيين والروس وخلص إلى مجموعة من الاستنتاجات يمكن تلخيصها على الشكل التالي :

الأول : في كل من روسيا واليابان ما زالت المشاعر الإنسانية الطبيعية والتمنيات تحتل مكانة مميزة في الشخصيَّة الحضارية لكل منهما.

الثاني : المشاعر والتمنيات كان لها دورٌ إيجابيٌ في اليابان. في حين أن العكس ظهر في روسيا، ولم يكن مرد ذلك في روسيا إلى التجربة الشيوعية الاقتصادية المعروفة، بل أيضاً إلى حالة الفوضى والمصاعب الراهنة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

الثالث : لقد تمكن الاقتصاد الياباني من تطوير مجمل الآليات الاجتماعية التي ساعدت على نهضته، مع الحفاظ على البنية السوسيونفسية لطاقته العاملة.

الرابع : إن المدى الجغرافي الياباني المنفتح على البحار والمحيطات جعله مكشوفًا للكل، ودفعه من جهة أخرى لكي يشتغل على تحسين أدائه الحياتي في الاقتصاد وفي السلوكية الاجتماعية بين الناس، وفي الانكباب على حب العمل والتركيز على التفاصيل وصغائر الأمور. وهذه سمات لا بد منها لكي يكون نظام السوق ناجحًا.

الخامس :المصاعب الرّوسيّة في هذه المجالات مردها حسب رأي خاكامادا إلى فلتان التصورات الاجتماعية والنفسية وعدم التمكن من ضبطها بشكل عقلاني. فالقدرة الرّوسيّة على مراقبة نظام العمل والتسيير العقلاني والعادل لإدارة المكان، عادة ما كانت ضعيفة، رغم قوة الإمساك في السلطة المركزية، وقوة الشكيمة العسكرية للروس والانضباط الإيماني في العقيدة الدينية الأرثوذكسية.

السادس :إن الرّوسي لا يقوم بعمله بالشكل المطلوب، إلا إذا أصدرت له الأوامر بذلك. فإذا تلقى الأمر يتمكن من أن يحافظ على النظام وأن يزرع الحقل، ويسير المصنع، ويشغل المكتب، ويدير المؤسسة الحكومية. وإذا غابت الأوامر وأنظمة الرقابة فإن العمل والإدارة عادة ما تتلكأ ويغيب عنها النظام.

السابع : وبسبب ما تقول به الأمثولة الرّوسيّة "السيئ لا يحدث مندون حضور الخير" فإن غياب العقلية الرّوسيّة الناجحة والدينامية في تسيير نظام العمل والإدارة، فإن الجوانب الأخرى ومقارنة مع اليابان، والكلام والاستنتاجات لخاكامادا (الياباني) فإن العقلية الرّوسيّة أنتجت نخبًا علمية وفنية وأدبية عملاقة لم تستطع اليابان أن تقدم مثيلاً لها.

الثامن : العقلية اليابانية ترتكز على مشاعر عالية من الانضباط والتنظيم والدقة في العمل، الأمر الذي جعلها تتفوق في ميدان الأعمال ولا تكون على هذا المستوى في ميدان الإبداعات الفنية والإنسانية الأخرى.

هذه المقارنة التي تعكس جوانب عديدة من حقائق المكونات الذهنية والعملية للأمور، إلا أنها تجحف بحق الجانب الذي يحضر فيه بقوة الإحساس بالمسؤولية والنظام والإبداع والقدرة على التجديد، في نظام العمل والعلم والإنسانيات والفنون في الحاضرة الرّوسيّة. فالباحثان الرّوسيان فيدوتوف وكليوتشيفسكي (21) يؤكدان على أن المجموعة السلافية الأرثوذكسية نفسها, التي عادة ما يتم انتقاد عقيدتها الاقتصادية والاجتماعية، أعطت في تاريخها نماذج ناجحة لا بل متفوقة من العلاقة الممجدة للعمل كقيمة إنسانية. ومن إدارة المكان بشكل مقبول. ويتوقفون عند تجارب هذه المجموعة في القرن الخامس عشر والسادس عشر، وعند الحالات التي جعلت هذه المجموعة تمتد بنجاح على أوسع رقعة جغرافية على الأرض وأن تقيم عليها نوعًا من الاقتصاد المعقول في أماكن ومناخات غير معقولة.

الهوامش

1-        Dictionnaire de la sociologie. Ed. Larousse. Paris, p. 144.

2-        Vocabulaire des sciences sociales. P.U.F. Paris, 1978, p. 215.

3-        Les mentalités. P.U.F. Paris, 1971, p. 30.

4-        راجع بهذا الصدد كتابات إيغور شافاريفتش: "المعادون للروس"، موسكو 1994؛ "كيف تموت الشعوب"، موسكو 1996؛ "الروس في زمن الشيوعية"، موسكو 1999؛ "أفكار خاصة حول تاريخ اليهودية"، موسكو 2003؛ "الشعب الرّوسي والدولة"، موسكو 2004؛ "مستقبل روسيا"، موسكو 2005؛ "لماذا يتحمل الروس"، موسكو 2005 وغيرها.

5-        راجع بهذا الصدد بعض أعمال كسينيا كاسيانوفا "حول الطابع القومي للروس"، سانت بطرسبورغ، 1984؛ "يمكن أن نشكل نحن الروس، أمة ؟"، سانت بطرسبورغ، 1994؛ "بعض السمات الإتنية للروس"، سانت بطرسبورغ، 1993. "روسيا في الزمن المعاصر..." سانت بطرسبورغ، 1993 وغيرها (*).

6-        إيفان إيلين. جوهر وخصوصية الثقافة الرّوسيّة. تأملات ثلاثة (1941-1944)، موسكو، 1998.

7-        المرجع السابق.

8-        المرجع نفسه.

9-        إيفان إيلين : حول الرّوسيا، برلين 1934 (بالرّوسيّة).

10-      كسينيا كاسيانوفا "حول الطابع القومي للروس"، مصدر سبق ذكره.

11-      المصدر نفسه.

12-      إيفان سيكورسكي. سمات من سيكولوجية السلاف. موسكو، 1895.

13-      سرغي كاراميرزا. التحكم بالوعي. موسكو، 2000.

14-      ألكسندر بوشكين. "حول تاريخ روسيا في القرن الثامن عشر". موسكو 1822.

15-      Inkeles, Smith, 1985; Inkeles, 1978, Inkeles, Diamond, 1980.

16-      Hofstede, 1980; Goskov, 1988; Salk, 2000; Sobshik, 1997; Haymov, 1996; Laura, 2000; Merige, 2000; Murphy, 1999; Veiga, 2000.

17-      بيفافوروفا وفورسوفا، السلطة الاقتصادية في روسيا، موسكو 1999، ص 188-189.

18-      المرجع السابق، ص 182.

19-      كلوتشكوفسكي ف. التاريخ الرّوسي، موسكو 1956، ص 314.

20-      راجع مجلة "العلوم الاجتماعية والعصر"، عدد 1، موسكو 2003، ص 43.

21-      المرجع السابق، ص 44.

22-      المرجع السابق، ص 45.