الجزء التاسع

مقاربة أخرى

مقاربة أخرى قام بها عددٌ من العلماء الأميركيين وحاولوا أن يبينوا العديد من النقاط المشتركة التي تجمع الذهنية الاقتصادية الأميركية والرّوسيّة. ونتوقف عند دراستين أجراهما كل من الباحث لويس في عام 1999 وبيكر في عام 1996 (22).

صورة الإنسان الرّوسي كرجل أعمال وكإداري وكعامل وكتركيبة نفسية وقومية خاصة, ومثيله الأميركي تجمعهما حسب لويس التوجس من الروح الأرستقراطية التي تزدري في عالم لاوعيها العمل العضلي، والتي تحرص في كلامها اليومي على خطاب لغوي منمق وعلى شكلانية ظواهرية طاووسية، وهذا ما يدخل الغربة لا بل القرف الداخلي عند كل من الأميركيين والروس معًا. ولويس يغمز هنا من باب نقده للثقافة الجمالية الشكلانية عند الأوروبيين القدماء. ويعرض مجموعة من السمات السلوكية المشتركة الأخرى كالبساطة في التعامل مع البشر والأشياء. وهذا ما يلمسه المرء بشكل جلي في كل من يكاترنبورغ الرّوسيّة وأوتشينو الأميركية. الروس والأميركيون يفكرون بشكل شمولي وبمنطق الاستناد إلى روح عظمة الدولة التي ينتمون إليها، كما هو الأمر أيضًا عند الفرنسيين ولكل من البلدين إحساس بأن هناك رسالة تبشيرية إنسانية ملقاة على عاتقهما حيال العلاقات بين الدول.

 فإلى جانب هذه السمات المشتركة هناك العديد من نقاط التمايز التي تجعل العقلية الرّوسيّة مختلفة عن العقلية الأميركية. إلا أن هذا لا يمنع كما يظن لويس من التعاون في الاقتصاد والسياسة وتنظيم العلاقات بين الحضارات. فالذهنية الرّوسيّة الشديدة التمسك بالجوانب الأكسيولوجية في الشخصيَّة الإنسانية، نجد أن ممثليها وأبطالها يتميزون بالعراقة والجمالية والفن والبساطة والوداعة، في حين أن جوانب أخرى من هذه الشخصيَّة مليئة بالأحاجي والتناقضات وانتظار المفاجآت وهذا أمر يستدعي الانتباه والحذر الدائمين .

 

أما بيكر فيضيف بدوره مجموعة من الملاحظات التي تستدعي الاهتمام حول نمط تفكير وسلوكية الروس. فيجري بعض المقارنات بين العقليتين الرّوسيّة والأميركية. فالأميركيون حسب رأيه ميالون إلى المصارحة المكشوفة والثقة في العلاقات الجديدة وذلك إلى المرحلة التي يقوم شخص ما بعمل يخيب الظن ويجعل الثقة في غير موضعها. والروس ميالون إلى الحذر الشديد, فهم يقيمون كل خطوة، قبل أن يقتنعوا فيها، وذلك قبل أن يعطوا ثقتهم المطلقة بالشخص أو الطرف الذي يتعاملون معه. الأميركيون ميالون لأن يقودوا شبكة أعمالهم استنادًا إلى هدف مرسوم ومدروس... والروس ميالون لإقامة علاقات صداقة بالاستناد إلى المبادئ التي يتقاسمونها وأيضًا إلى القيم والنظرات، كما هي الأمور على مستوى الراحة المطلوبة بين العلاقات الشخصيَّة. ففي المرحلة السوفياتية كان يجري التركيز في ثقافة العمل وفي إدارة المجتمع على طبيعة العلاقة بين القوى العاملة وليس على المهارات والكفاءات المطلوبة. ويتابع بيكر واصفًا التصورات والسلوكيات الرّوسيّة والأميركية في نظام العمل والإنتاج ليخلص إلى استنتاج مفاده بأنه، ليس من الصعوبة بمكان أن تكون في المستقبل إمكانية التمازج والتفاعل بين التجربتين الأميركية والرّوسيّة وكأنها من رابع المستحيلات، بل على العكس من ذلك فإن المقاربة العقلانية بذهنية لا تتحكم فيها الأفكار المسبقة، قد تسهل الكثير من المسائل وتجعل الظروف مهيأة لتعاون وشراكة معينة في أكثر من ميدان.

ولكي نكمل هذه المقارنات نقدم هذه الخارطة التي تحاول توصيف النقاط المشتركة والأخرى المتمايزة بين العقلية الرّوسيّة والعقليات الأميركية واليابانية والأوروبية الغربية.

الهوامش

1-        Dictionnaire de la sociologie. Ed. Larousse. Paris, p. 144.

2-        Vocabulaire des sciences sociales. P.U.F. Paris, 1978, p. 215.

3-        Les mentalités. P.U.F. Paris, 1971, p. 30.

4-        راجع بهذا الصدد كتابات إيغور شافاريفتش: "المعادون للروس"، موسكو 1994؛ "كيف تموت الشعوب"، موسكو 1996؛ "الروس في زمن الشيوعية"، موسكو 1999؛ "أفكار خاصة حول تاريخ اليهودية"، موسكو 2003؛ "الشعب الرّوسي والدولة"، موسكو 2004؛ "مستقبل روسيا"، موسكو 2005؛ "لماذا يتحمل الروس"، موسكو 2005 وغيرها.

5-        راجع بهذا الصدد بعض أعمال كسينيا كاسيانوفا "حول الطابع القومي للروس"، سانت بطرسبورغ، 1984؛ "يمكن أن نشكل نحن الروس، أمة ؟"، سانت بطرسبورغ، 1994؛ "بعض السمات الإتنية للروس"، سانت بطرسبورغ، 1993. "روسيا في الزمن المعاصر..." سانت بطرسبورغ، 1993 وغيرها (*).

6-        إيفان إيلين. جوهر وخصوصية الثقافة الرّوسيّة. تأملات ثلاثة (1941-1944)، موسكو، 1998.

7-        المرجع السابق.

8-        المرجع نفسه.

9-        إيفان إيلين : حول الرّوسيا، برلين 1934 (بالرّوسيّة).

10-      كسينيا كاسيانوفا "حول الطابع القومي للروس"، مصدر سبق ذكره.

11-      المصدر نفسه.

12-      إيفان سيكورسكي. سمات من سيكولوجية السلاف. موسكو، 1895.

13-      سرغي كاراميرزا. التحكم بالوعي. موسكو، 2000.

14-      ألكسندر بوشكين. "حول تاريخ روسيا في القرن الثامن عشر". موسكو 1822.

15-      Inkeles, Smith, 1985; Inkeles, 1978, Inkeles, Diamond, 1980.

16-      Hofstede, 1980; Goskov, 1988; Salk, 2000; Sobshik, 1997; Haymov, 1996; Laura, 2000; Merige, 2000; Murphy, 1999; Veiga, 2000.

17-      بيفافوروفا وفورسوفا، السلطة الاقتصادية في روسيا، موسكو 1999، ص 188-189.

18-      المرجع السابق، ص 182.

19-      كلوتشكوفسكي ف. التاريخ الرّوسي، موسكو 1956، ص 314.

20-      راجع مجلة "العلوم الاجتماعية والعصر"، عدد 1، موسكو 2003، ص 43.

21-      المرجع السابق، ص 44.

22-      المرجع السابق، ص 45.