فالدولة الروسية المسكوبية التي انحصرت حدودها في المساحة التي تسمى الآن مقاطعة موسكو والتي حكمها الامير إيفان كاليتا في القرن الثاني عشر استطاعت منذ تلك الحقبة أن تمتد في كل الاتجاهات ليكبر حجمها بـ 36 مرة حتى نهاية القرن التاسع عشر. ولا يمكن تفسير ذلك ، الا بعد أن تتوضح الرؤيا أكثر حول طريقة تعامل الروسي مع الأرض التي فتحها واستوطن فيها ، وقام بتوحيدها مع المقاطعات الاخرى.

   فالصفتان الأوروبية والآسيوية اجتمعتا في هذه الجغرافية وخلقت نوعاً من السمات الخاصة بها، أو كما يقول الفكر الأوراسيسافيتسكي: حضرت الغابة الأوروبية والسهب الآسيوي، ومعها التفت الاستقرارية التاريخية والعفوية السهوبية في وقت واحد"(7).

   وهكذا تكونت أشكال عدّة ، لانطلاقة الروسي  في كل الاتجاهات. واحدة متعلقة باستقرار جماعات ما في منطقة معينة ، ومحاولة إصلاح تربتها وتنظيم اقتصادها وطرق إدارة دنياها. واخرى تمت من خلال إرسال جماعات منظمة ومجربة من أجل اكتشاف وفتح أراضي أخرى لم يكن يسكنها بشر، أو قد يكون البعض منها مأهولا بسكان قليلي العدد.

   هناك مقاطعات وأقاليم دخلها الروسي ، إما عن طريق الحرب ، أو أنها أختار طوعاً لنفسها الانضواء في إطار الدولة الروسية، هذه الدولة التي لم تستقر أو ترسم الحدود التقريبية لها إلا في بداية القرن العشرين، مع آخر حكم لأسرة رومانوف من القياصرة واعني بذلك نيكولاي الثاني.

  غير أن دخول روسيا في إطار الاتحاد السوفياتي، أضفى على المدى الروسي بعداً جيوسياسياً قوياً جديداً ، سرعان ما تقلص بعد انحلاله. الا إن هذا لم يؤثر على ضخامة اتساع الجغرافية الروسية. فلقد بقيت محافظة على المدى الجغرافي الأكبر على هذا الكوكب.

   والأسئلة الملحة التي تعيد طرح نفسها، في هذا السياق ، هي حول الاشكال والآليات التي مارسها الروس ، من أجل الحفاظ على هذا المجال الجيو استراتيجي. والسؤال الأبرز هنا كيف تكيف الإنسان الروسي مع ظروف مناخية متنوعة يغلب عليها الصقيع في المناخ؟

    هذا السؤال الكبير وغيرها من الأسئلة العديدة ؛ شغلت اهتمام وهواجس المفكرين والمؤرخين والأدباء الروس. وكان لكل منهم مقاربته الفلسفية أوالسوسيوإقتصاديةوالسوسيو ثقافية. فالطرح الماركسي على سبيل المثال ، اختصر المسألة كلها بالصراع الطبقي ، وبأولوية العامل الاقتصادي في حركية صنع المسيرة التاريخية لعلاقة الروس بالمحيط الاجتماعي والطبيعي. وهذا الطرح الذي لم يصمد طويلاً أمام الزمن، لم يقنع أي أمرؤ ينشد الرؤية الشمولية للزمان والمكان الروسيين. فالإنسان الروسي الذي ربطته بالمدى الجغرافي أكثر من رابط ، والذي قام بالصراع مع كل تحديات الطبيعة وموجوداتها من نباتات وحيوانات وبشر قاطنين ووافدين، ومن حضور لتصورات بشرية متنوعة دنيوية وميتافيزيقية, كل هذا يستدعي إحاطة أوسع من التناول الطبقي للأمور.

    فالجغرافية الروسية ، ومعها الاجناس البشرية ، هي من التنوع بمكان، بحيث إن الامر يتطلب مقاربات عديدة ، للإتراب من تحديد الشخصية الحضارية لهذا المدى. فروسيا الأوراسية كما يقول سافتسكي: "ذات شخصية جغرافية، ذات سطح جغرافي ، إثني، اقتصادي ، تاريخي، ذهني ، مميز(8).

    ولكون الإحاطة الشاملة ، بكل هذا المدى تتطلب المقاربات المتعددة  فإن البحث يأتي على ذكر البعض منها .  ولكون الجغرافية الروسية من الوسع والتنوع بمكان بحيث يستحيل الدخول في تفاصيل حتى البعض اليسير من مجالاتها، فإن الكلام التالي سيتوقف عند واحدة من عمليات فتح تلك المجالات ، وهو المجال السيبيري. فعملية فتح هذا المجال والمكوث فيه ، وإدخاله في رحاب الوطن الروسي ، استدعى استحضار طاقة ما من طاقات المجموعة البشرية الروسية وهي الطاقة الكازكية.

       إن عملية فتح أراضي يغلب الصقيع الحاد على تكوينة مناخها والتكيف مع هذا     المناخ ، شكّل ويشكّل واحداً من أسرار الإرادة و التحدي  الروسية. وهو عنصر من العناصر المكونة للروح الروسية المتمايزة عن غيرها من روح الحضارات الاخرى. فأرنولد تويني في رصده وتحليله لهذه الظاهرة الامتدادية في الروح الروسية، والتواقة لفتح الاراضي، والمكوث فيها، يرجعها الى الروح الكازكية، التي جاءت كردة فعل على التحدي الداهم ، من قبل شعوب وقبائل  وبدو البوادي  والسهوب.  ويقول بهذا الصدد: "إن جواب التحدي الروسي على المحيط نلمسه من خلال تطوير أنماط جديدة من الحياة ومن النظام الاجتماعي ، الامر الذي مكن ولأول مرة في التاريخ من أن ينجح شعب من الاستتباب والاستقرار الدائم على الارض، وأن يجابه أو يقف ضد البدو الأوراسيين. فهو لم يتمكن فقط ، من الانتصار في نهاية المطاف على جيش تيمورلنك، بل إنه استطاع من إحراز النصر الفعلي على النورماديين بعد غزوه لأراضيهم والتغير الجذري للمشهد الطبيعي هناك. وتمكن أيضاً من إحداث تغيرات جذرية في نمط حياة البداوة ، باتجاه النمط الزراعي المستقر في السهوب والسهول وضواحي القرى. الكازكيون هم الذين أحرزوا بلا شك ذاك النصر الحاسم . فهؤلاء الذين حملوا راية الأرثوذكسية الروسية، تمكنوا بجدارة من التصدي لروح البداوة الاوراسية" (9).

   إن القوة الكازكية التي تميزت بالرابطة الاخوية وقوة الشكيمة وحسن التنظيم، كانت بلا شك واحدة من مجموعة من العوامل التاريخية الاساسية التي مكنت الروس من احتلال ذاك المدى الجغرافي ، ومن التصدي لكل الغزوات البدوية وغير البدوية الداهمة عليهم من الخارج.

   والتجربة الكازكية الفريدة من نوعها في التاريخ العالمي غزت أراضي بكر مجهولة، تمكنت من الحفاظ على الأرض والدفاع عنها. تلك التجربة علمتهم الطريقة الأمثل من اجل الاستقرار على ضفاف الأنهر التي شكلت الحاجز المائي أمام اندفاعات غزوات البدو عليهم. دفعتهم لأن يشغلوا مخيلتهم وسواعدهم من أجل تطوير نظام الزراعة واستثمار ثروات الأرض وما عليها من كائنات من أجل استمرارية الحياة.

    فالروس الذين يفتقدون كما أشرنا سابقاً، للخبرة التاريخية في التكيف مع عالم البحار والمحيطات ، تعلموا مع الزمن من خلال احتكاكهم مع الملاحيين السكندنافيين من أن يستخدموا وسائل نقل مائية وان يستثمروا الثروة الغابية المحيطة بهم من كل الجوانب. فلقد استحدثوا بناء قوارب صيد وسفن نقل برية وبحرية. وقاموا بتطوير منظومة تجارية واسعة مع دول الجوار. غير أن وسيلة النقل الاساسية في البر وأثناء الفتوحات والغزوات كانت بلا شك الحصان. هذا الحيوان البديع ، الذي تآلف بداية مع سكان البدو ، وكسب صداقة إنسان السهوب والصحارى ، استطاع بدوره وبحكم الفطرة أن يكتسب قدرة ملحوظة على العمل وعلى تلبية ما يحتاجه الإنسان. وهذا الأمر أخذه بعين العناية الإنسان الكاكي والسلافي بشكل عام. وهو الذي جعله يقتنيه ويؤاخيه ويستفاد من قدرته الكبيرة على الحركة والتحمل. فلقد كان الوسيلة الابرز التي استند اليها لكي يسيطر على مجالات عديدة من الارض الأوروبية والآسيوية معاً.

فالكازك اعتمدوا في حراكهم داخل العمق الروسي على الأنهر، فقاموا بالسيطرة على ابرز المناطق الحيوية على ضفافها وعلى مصادر ينابيعها وروافدها ومصباتها في البحيرات والبحار والمحيطات. وتمكنوا من بناء المرافئ المتواصلة فيما بينها عبر شبكة واسعة من المواصلات. ومع حلول القرن السادس عشر تكون الجماعة الكازكية، قد أنجزت استيطانا أخويتين كازكيتين كبيرتين. الاولى التي تمركزت على ضفاف نهر الدون والثانية التي استقرت على ضفاف البايكل. ووصل انتشار الأخويات الكازكية الى منابع الانهر السيبيرية , وتوسع خط امتدادها ليصل الى ضفاف المحيط المتجمد الشمالي. ولم يكن ذلك على حساب نفوذ المقاطعة المسكوبية. فقد كان مترافقاً مع سياسة محفوفة حيناً بالتوتر مع المركز الموسكوبي  وأحياناً اخرى كانت حاصرة هواجس المصلحة والاتفاق والحماية المشتركة للوطن وللأرض الروسية. بيد إن الحركة الكازكية طوعت نفسها مع الزمن ومالت لأن تبتعد عن الميول الانفصالية ولأن تقترب مع الزمن اكثر فاكثر مع المركز الى حد الامتثال والخضوع لسلطة القيصر, الذي كان يصدر توجيهاته واوامره من كل بطرسبورغ وموسكو.

   ويتكلم أحد المؤرخين الروس بدهشة واعجاب عن هذه الحركة الكازكية فيقول: "إن تلك المآثر الكبرى تم إنجازها في ظروف طبيعية قاسية جداً. فحركة الرياح العاتية المتقلبة لم تردعهم من تصنيع البواخر المتلائمة مع تلك الظروف المناخية. والحمولات الثقيلة التي أصطحبوها معهم متوغلين في اعماق اليابسة الموحشة، التي تصل درجة البرودة في طقسها إلى ما دون الأربعين تحت الصفر، كانوا يمرون أحياناً في مناطق مأهولة من السكان البدائيين  الذين تمكنوا من تحضيرهم. وكان يحرك هذه الجماعة القليلة العدد أهداف متسامية على الرغم من أنه لم يكن في حوزتها إلا الحاجيات القليلة والمتواضعة" (10)

   سيبيريا كانت تمثل أرض الأحجيات و الاساطير. فبالإضافة إلى أنها أرض بكر تماماً وعصية على الأرتياد ، والأكثر رعباً فيها هو صقيع جليدها . لكن في ادغال غاباتها توجد مغريات ثروات الطبيعة الهائلة، الأمر الذي يدفع للمغامرة أي شعب يريد ان يقتحم هذا المدى المليء بالمفاجآت والثروات والأسرار. ولم يتجرأ دخول هذا المكان المهيب والرهيب إلا من كان متسلحاً بروح الإقدام على المغامرة ، و الرغبة في اقتناء الثروة ، ومن كانت لديه قوة الشكيمة. فالطلائع التي غزت ذلك المكان تشبه بشكل من الاشكال طلائع "الكاو بوي" الأميركي , التي غزت كل من الشطر الجنوبي والشمالي للقارة الأميركية الشمالية أو ما أطلق عليه لاحقاً الولايات المتحدة الأميركية. فهؤلاء ، وأولئك ، أرادوا أن يغتنوا بسرعة ، وأن يسيطروا على الذهب والفضة والثروات المعدنية لهذين المكانين الغنيين.

    لقد كان لمادة الملح في الديار الروسية، على سبيل المثال ، أهمية خاصة في الحصول عليها ، والتي رادفت أهمية البحث عن المعادن الثمينة, والتي وجد الروسي مكانها الطبيعي هناك في المدى البعيد جداً عن مركز الدولة.

    وتلك الجماعات البشرية التي غزت العمق السيبيري أتت بمعظمها من الشمال الروسي من مدن فولغاغرادوكوستراما و أستيوغا الكبرى وغيرها من المدن . ومنها تكونت الجماعة الكازكية  التي استقرت لاحقاً في المدى السيبيري مكّونة مع الزمن حرفها وطرقها في إصلاح الارض.

   وفي كل مكان كان يستقر فيه الكازكيون كانوا يبنون القلاع والحصون والمراكز السكنية والصناعية والتجارية والثقافية . وبرز في بداية القرن التاسع عشر مركز منغازرت الذي شكل في البداية الجزيرة أو الواحة الكازكية المتميزة  بطابعها القومي الخاص .

في ذاك المدى السيبيري الذي كانت تسكنه الوحشة وعدد قليل من الجماعات السكانية الاصلية المنتشرة هنا وهناك كانتشار الجزيرات الصغيرة وسط هذا المحيط الهائل من الثلوج والغابات والسهوب. لم تكن عفوية تلك الحركة الكازكية التي توغلت في العمق السيبيري وحتى في الامتدادات الاخرى لها في الشرق والشمال الروسي الروسي، بل كان ورائها أطراف ثلاث،جعلتهم في نهاية المطاف المصلحة المشتركة , وهم الفرد والجماعة والدولة. فالفرد الذي يدخل في الجماعة الكازاكية كان مقابل تقديم خدماته، يقدم على اتفاق مع رئيسه لمدة لا تقل عن السنة.  والمرشح للقيام في الرحلة الفاتحة أو الغازية عليه أن يتمتع بقوة جسدية تمكنه كما يقولون في المثل العربي" من شرب حليب السباع" ، وفي حال الحصول على غنيمة ، ما فإن نسبة ما من المنفعة يتفق عليها. كانت تخضع للتوزيع بين الاطراف الثلاثة الفرد والجماعة والدولة. وأحد بنود الاتفاق يلزم المساهم في خدمة وصيانة المرافئ النهرية وذلك لأن الخط الذي شكلته الجماعة عادة ما يمر عبر الطرق النهرية ، الأمر الذي يستدعي وبشكل دائم بناء مرافئ جديدة وترميم وتحصين المرافئ الأخرى وتنظيم الحركة التجارية عليها.

     وعلى الرئيس، أو القائد ،أو المالك ، مسؤولية واسعة ، أمام أفراد جماعته. فمن مسؤولياته توفير المال المطلوب ، لتامين الملبس للبحّارة وأصحاب المهن والصيادين والمحاربين . وكذا الأدوات والأسلحة المطلوبة لكل منهم في عملهم اليومي ، أو في غزواتهم النهرية وفي الغابات البكر. كما أن من مهام القائد الإشراف على إطعام جماعته. فالطعام  كان عادة ما يقدم في اطباق واسعة ، يأكل منها الجميع. علماً بأن لكل واحد منهم كان يخصص طبق واحد يستعمله لحاجياته الغذائية اليومية الاخرى.

    بيد أن الجماعة الكازكية التي بدأت حركتها في بعض المناطق والفترات بشكل يتميز بشيء من الاستقلالية ، سرعان ما أخذت استقلاليتها تتقلص لتنصهر وتندمج في خطة الدولة القيصرية المركزية التي أشرفت على تنظيم وتوزيع البعثات الكازاكية. تلك التي بدت في بدايات توسعاتها وكأنها جماعات من الناس الغزاة ، قطاع الطرق، الذين يزرعون الخوف في نفوس الجماعات الإتنية الصغيرة التي كانت تقطن في هذه أو تلك من البقاع الروسية المتباعدة، تمكنت مع الزمن من أن تكدس خبرات في القتال واستثمار الارض واقتحام اليابسة والمياه. استطاعت بالتدريج من أن تكسب رضا، ومن ثم احتواء، السلطة القيصرية لها، إلى ان وصل بها الأمر لان تشكل القوة الحامية الرئيسية لأداة الردع القيصرية في الداخل والخارج أيضاً. ومع الزمن تبعت الأخويات الكازكية مباشرة للدولة.

    فكل جماعة كانت تجمع في جنباتها بين الخمسين والمئة إنسان. ولكل جماعة هناك عدد من المسؤولين الموزعة مهامهم على أبرز القطاعات الحيوية المشرفة على خطط الغزو والدفاع  وتسيير شؤون الدنيا حسب القوانين والأعراف الكازكية.  والعرف الكازكي يؤكد، على أن اختبار قائد الحملة يجب أن يتم اختياره من بين خمسين الى سبعين فرد من الأفراد المشهود له بقوة الجسد وبحنكة التواصل بين البشر على ان تكون قامته طويلة وعضلاته متينة ليكون الحامي الأفضل والمدافع الاصلب عن الجماعة من دفاعات السكان الاصلين.

 والخطوة الثانية هي الاتفاق بين سائر اعضاء الجماعة على دفاع كل منهم عن الآخر وعلى توزيع الغنائم التي ترضي الحاكم وقائد الجماعة ومن ثم الفرد. وكل غنيمة يحرزها الفرد يجب ان تشكل هماً جماعياً يتوجب على سائر اعضاء الجماعة أن يحافظ عليه ضمن منظومة رقابة جماعية .

    ومن أجل ضمان استمرارية الحياة داخل الجماعة الواحدة  في حال مرض أحدهم أو إذا نفق حصان أو خروف أو اي حيوان، أو أي مصدر آخر للرزق، كانوا يتفقون في ما بينهم على تأسيس صندوق تدخر فيه الأموال الاحتياطية من أجل صرفها لهكذا مناسبات اضطرارية. وحتى إذا لم يتمكن أي فرد من الجماعة لأسباب صحية أو لعطل في معركة أو غزوة، فإن على الجماعة الممثلة برئيسها، ضمان حقوقه متساوية مع سائر زملاءه. كما إن العرف الكازكي كان يفرض على الجميع أن يحمي حقوق وغنائم غيره كما يحمي حقوقه وغنائمه. وأي مخالفة كانت تعرض صاحبها لأن يلفظه سائر أعضاء الجماعة ويعتبروه منبوذاً الى ان يعود الى رشده الكازكي. من هنا فإن قيادة القطيع من الغنم او الماعز أو الخيول، كان من مسؤولية الجميع وحمايته أيضاً. وينص العرف على ضمان وحماية النوم والراحة لكل فرد من الجماعة أثناء عمليات الفتوحات والغزوات والاستيطان. وكانت الجماعة الكازكية ترى في هذا الوسيلة الوحيدة ، من اجل حمايتها من الهجمات التي تهدد ناسها وتهدد قطعانها من القبائل والشعوب الاخرى.

    فهذه الروح الجماعية الكازكية , كانت تظهر قوة شكيمتها اكثر ما تظهر في اجتياز الأنهر وترميم الطرقات وتحصين الدفاعات والتحضير للبعثات الجديدة. وكل هذه التحركات والتوجهات والنشاطات كانت تتطلب الاتفاق على عقد جماعي لا فردي. هذا ما ميز الحراك الجماعي  للجماعة الكازكية  في المجالات الروسية المتنوعة المناخات والأراضي. وكل مغامرة جديدة في التوسع كانت تضيف الى ما قبلها من تجارب وخبرات أكثر الى أن تكونت ثقافة وموروث كازكي غني من نوع خاص.

   وكلما توطدت تقاليد الجماعة الكازكية في فتح الاراضي والنجاح في الاستقرار عليها واستثمارها ، كلما كان الدعم والرعاية يأتي من قبل السلطة المركزية الروسية.

       ولعل اللحظة التاريخية البارزة ، وقد تكون الأبرز ، في دعم المركز لحركة استيطان سيبيريا والشرق الروسي كانت بعد السياسية الإصلاحية التي ألغت نظام القنانة في عام 1861 . وفي ذاك الثلث الاخير من القرن التاسع عشر امتدت الروسيا باتجاه العمق السيبيري وباتجاه الشرق الى الحجم الذي جعلها تشغل المدى الجغرافي الأكبر على هذا الكوكب. هذه المرحلة التي اوصلت الإنسان الروسي الى هذا المدى عكست قدرته الهائلة على تحدي أقسى نواع المناخ على الارض . هي حقا قوة شكيمته في التصدي الى تلك العوائق الكبرى التي اعترضته في اكثر مجال او محطة تاريخية.

    وفي هذه العملية كسب فيها الإنسان الروسي شوطاً مهماً من عملية التحدي مع المحيط الروسي، إلا أن هذا ، ترافق مع أخطاء هائلة ، من عملية التكيف مع المجالات الجغرافية ومع التواصل مع الشعوب والاتنيات الصغيرة . كما أن هذا الامتداد السريع على هذا المدى الهائل الحجم  لم يرافقه كما يشير الى ذلك العديد من المفكرين الروس انفسهم كسينسكيوبردييف وغيرهم الذين سجلوا الكثير من الأخطاء الكبيرة التي ارتكبها الجماعات الروسية المتنوعة بما في ذلك الجماعة الكازكية، في عملية تنظيم المكان وإدارته واستثماره.

 

سهيل فرح - رئيس تحرير القسم العربي لموقع روسيا والعالم الإسلامي