ما يقصده البحث من مصطلح الروح هو الجانب الروحي في الثقافة الرّوسيّة الذي يشمل كل معالم النتاج الفني والجمالي والعلمي والفلسفي والديني... وإيلين بدوره في محاضرة ألقاها ونشرها لاحقاً في ألمانيا في الأربعينات من القرن العشرين تحت عنوان "خصائص الثقافة الرّوسيّة"،  يميز بشكل واضح بين البعد الروحي للثقافة والبعد المادي للحضارة... فالثقافة الروحية عنده هي نقطة البداية. هي المنطلق الإبداعي لا بل العضوي لكل حياة خلاقة. أما الحضارة فهي عنده تشمل الجانب التقني. هي الثانوية، المتكاثرة، الميكانيكية، المشيئة والمؤسسة آلياً. فالثقافة بأرقى معانيها تطال عند إيلين العالم الداخلي  حيث للمقدس المكانة الأساسية فيه...

   في مفهومه للثقافة في بعدها الروحي والحضارة ببعدها المادي يقترب إيلين من الرؤية الفلسفية والسوسيولوجية الألمانية حيث إن معظم مفكريها على اختلاف مشاربهم ميزوا بين   كل من مفهومي الثقافة والحضارة. ولعل إيلين كان قد تأثر بتلك الرؤية وبالوسط الأكاديمي الألماني لكونه عايشها من الداخل ولفترة طويلة من حياته. وما قصدته من إدخال كلمة "روسية" على عنوان هذا البحث، ليس فقط الروح الرّوسيّة المستمدة من اللغة التي تعبر عنها هذه الثقافة، على الرغم من أهمية هذا العامل، إلا أن التسمية جاءت لتعبر عن نفسها كأداة لتفكير عقلٍ ولتصورات وجدان عاش ويعيش حالة احتكاك جدلي مع المحيط الثقافي والجغرافي والتاريخي والاجتماعي الرّوسي. فالروح الرّوسيّة ترتدي طابعها القومي الخاص ليس انطلاقاً من طريقة التفكير ومجمل الهواجس الفكرية والوجودية، هواجس المقارنة بين الذات والآخر...

  وأخيرا حول مفهوم الخلق، ما أعنيه، هو ما تبادر لذهني من الجذر اللاتيني لهذه الكلمة genere  أي خلق، أنجب، ولد. وفعل الخلق أو الإنجاب أو الولادة هو مصدر الحياة، هو سر الوجود، السر المطلق.

 

ينبوع الفكرة

والآن مع أفكار إيلين حول الروح الرّوسيّة الخلاقة. فهذه الروح هي التي أنتجت، كما يعتقد صاحبها، فكرة عظمة الدولة الرّوسيّة (والتي كرس لها كتاباً مستقلاً “ فلسفة الدولة الرّوسيّة". وهذه الفكرة شكلت بمثابة المنيفست "manifeste" لجماعة من المثقفين والسياسيين الروس المعاصرين المعروفين باسم التيار الوطني الرّوسي الذين يلتف جزء منهم حول اتحاد كتاب روسيا ومجلته " موسكو" و أيضا حول دائرة واسعة من الوسط الثقافي الرّوسي. وعظمة الروح الرّوسيّة نابعة عند إيلين من عبقرية المكان الرّوسي الواسع الأطراف والزمان المليء بالمآثر.

من قوة العقيدة العسكرية عند الجنرالات الروس المتماهية مع قوة إيمان مستقيمي الرأي. من تراث أبطاله وعباقرته وقدّيسيه وشعبه.

    وإذا ترجمنا كلام إيلين إلى لغة علم الاجتماع الثقافي والسياسي المعاصر، فهي نابعة من قوة " الرأسمال الرمزي" لروسيا المتمثلة بالمتخيل الاجتماعيimaginaire sociale  الذي يحوي الذاكرة التاريخية ومجمل عالم تصوراته ووجدانياته ومخزون اللاشعور السياسي والحضاري فيه. يضيف إيلين إلى هذه العوامل عاملاً لا يقل أهمية عن تلك التي ذكرها  وهو الرسالة الكونيةالتي وضعتها روسيا أمام نفسها وأمام أوروبا والعالم وهي إنعاش كل ما هو إيجابي في عالم الروح والمادة في عالم الإنسان...

   في هذا السياق  يحاول إيلين أن يدعم خطابه من خلال شرح وتحليل وسلوكيات شخصيات تاريخية روسية مثل الشخصيَّة التاريخية متعددة المواهب أمثال ألكسندر نفسكي  الجنرال سوفوروف وبوشكين ودستويفسكي وتشايكوفسكي و روبلوف وشخصيات سياسية ودينية وفلسفية أخرى.

بيد أن الروح الرّوسيّة الخلاقة عند شعبه وإن تم التعبير عنها بشكل ساطع في أعمال كبار مبدعيه من كتاب وفنانين وعلماء ورجال دولة وقادة عسكريين وحملة إيمان، إلا أنها تمتد إلى أبعد من هذا بكثير. فهي تكمن في الطاقات الداخلية لهذا الشعب الذي صنع ذاكرته الثقافية وتاريخه الطويل. وتلك الطاقات كانت دائماً بوصلة دربه، كانت دائمة الحضور في إبداعاته الخاصة التي لا تخضع لحساب التحليل الواقعي في معظم الأمور...

 

سر الخلق

   السؤال الذي طرحه إيلين على  نفسه عندما كتب عن خصائص الثقافة الرّوسيّة وعندما كان يفتش دائماً عن سر روح الخلق في الشعب الرّوسي هو: هل من الصحيح أن يكون المكون الأساسي لروح الشعب مرتبط بفكرة أفلاطونية طوباوية، أو بفكرة الماهية أو " entelikhie" كما طرحها أرسطو؟ يجيب إيلين... أن الأفكار على أهميتها لا تأخذ معناها الحقيقي مالم تكن واقعية. وفكرة الخلق عند الروس ليست غيبية بل هي تشمل مجمل معالم الحياة، لها حضورها الحي في الحاضر والماضي والمستقبل. هي فعل مستمر في الزمان، في الأشياء، في المخيلة الإبداعية للعباقرة ولنتاج الشعب في كل الميادين.

   الفكرة الرّوسيّة الخلاقة  كانت وما تزال كما يراها إيلين كامنة في روح الشعب وهو كان يكافح دائما من أجلها، لذا فإنها طبعت كل الهواجس التي تصنع أفكاره وتشحذ مواهبه ... هي ليست من عنديات المؤلف، كما يشير في أكثر من مرة حول هذا الموضوع، بل هي حقيقة راسخة في أعماق روحه. في توقه وتوجهه الدائم نحو اكتشاف الفعل الإبداعي في نظام التربية وفي علاقة الإنسان بالمحيط والكون والمجتمع والنفس.

بعد أن يمضي طويلاً في سرد إبداعات الشعب في كل الحرف والجماليات وإنتاج الأفكار والمشاريع يطرح على نفسه السؤال التالي ما هي هذه الفكرة؟ (يتبع)

 

_____________________________________________

*  لقد تناولت فكرة " الروح الرّوسيّة الخلافة" عند إيلين من مؤلفاته المختارة , المجلد السابع الكتاب (ص590-610). كانت قد ترجمت المجموعة من اللغة الألمانية إلى الرّوسيّة وقام بنشرها دار " الكتاب الرّوسي",  موسكو, 1996.( ملاحظة من المؤلف س. ف.).

 سهيل فرح - عضو أكاديمية التعليم الروسية، رئيس التحرير.